الطير المسافر

تجمدت عيناها على سطور رسالته الالكترونية عبر الانترنت. شعرت بغيظ عظيم. ودت لو أنه كان بإمكانها أن ترفع سماعة الهاتف وترد عليه بأعلى صوتها وتوبخه على سماجته وقلة ذوقه. لكنها كانت تعلم أنه بعيد. بعيد جدا، ولا سبيل للوصول إليه. رغم ثورة الاتصالات، والخطوط الدولية وبطاقات التليفون والهواتف المحمولة التي يمكن أن تصلك في أي وقت بأي إنسان في أي مكان في العالم، فقد كان هو، من بين جميع الناس، بعيد المنال.

كان كثير الترحال والسفر. وكانت تعلم أنه لايستقر في مكان، وأن حياته كلها أشبه برحلة طويلة متصلة لانهاية لها من محطات العبور والانتظار. وكانت تدرك أيضا، وكان يحزنها، أن وجودها في حياته لم يكن سوى واحدة من هذه المحطات، تمنت لو كانت هي محطته الأخيرة. ودت يوما لو عاد الطائر المسافر، واستقر.

وكانت في لحظات شرودها تحلم وتتذكر. لو أنه يرسو على حال. لو أنه يعود. لكن يبدو أنه كان قد أدمن الطيران والتحليق. وانعكس ذلك على تصرفاته. كان دائم التحليق في خيالاته وأوهامه. وحينما كانا يلتقيان كانت تشعر أنه معلق في الهواء. هو نفسه شكا لها ذلك الاحساس كثيرا. كان يغيب كثيرا ثم يظهر فجأة. وحينما تظن أنه عاد تكتشف في لحظة أنه لاوجود له. وبعد فترات انقطاع طويلة كانت تجد رسالته على الانترنت. وحينما تبحث عنه يكون قد اختفى من جديد. وكثيرا ماكانت تثورعليه وعلى نفسها وعلى هذه الصداقة المعلقة في الهواء. وحينما ترفض الاستماع إليه كان يلح في الرجاء.

عاتبها يوما على انقطاعها عن السؤال عنه. قالت له: إنك تضرب الجرس وتجري. أعجبه التعبير. ذكره بشقاوة أيام الطفولة. لكنها كانت تعني أكثر من ذلك. ودت أن تقول له إنه لا يعطي الإشارات الخاطئة فقط، لكنه أيضا يعجز عن فهم إشاراتها. ماأسوأ أن يعجز الرجال عن فهم هذه الاشارات أو أن يتغابوا في فهمها. كانت تشعر أحيانا أنهما يتعاملان على موجات مختلفة. لكنها كانت تدرك أيضا أن هذا ليس ذنبه، وربما أيضا ليس ذنبها.

وكانت تعلم سر نفسها، وأنها لم تعد قادرة على الاستمرار.

“مابقاش في قلبي مكان، لجرح تاني.” تغمض عينيها. تحاول أن تبعد عن خيالها وسمعها صدى لحن موحش وذكريات قاسية. تشيح بوجهها عن الشاشة الصغيرة حيث كانت ملاحظته العابرة تومض بقوة. لكنها تسأل نفسها: هل كانت هذه الملاحظة هي سر ثورتها، أم أن قلبها كان مثقلا بأحزان أخرى. يفيض داخلها بموجات من الأسى. تكاد تطفر من عينيها دمعتان.

لكنها كانت قد قررت منذ زمن بعيد أن تتوقف عن إهدار دمعها. وفي لحظات الحزن واليأس والإحباط كانت دائما تتذكر ذلك المشهد. هل كانت هي تلك الطفلة ذات الأعوام الثلاثة أو أقل. تتعثر خطاها صوب شرفة بيتهم العتيق الذي كان يقع على أحد أطراف المدينة قبل أن تغزوها العمارات الأسمنتية الشاهقة وتأتي على ما كان يحيط بها من حقول خضراء. تبكي بحرقة شديدة، حرقة بكاء طفلة مدللة لايريد أحد أن يستمع إليها. كانت قد أصبحت موضع تدليل أبيها بعد أن ماتت أمها عقب ولادتها بوقت قصير. تريد أن ترتدي ثوبها الأحمر. على غير العادة كان الناس كثيرين في بيتهم في ذلك الصباح الغائم. بكت كثيرا. لكنهم لم يأتوا لها بالثوب الأحمر. الذي كان يدللها، ويأتي لها بكل ما تريد، غاب في ذلك الصباح. وظلت تبكي وتبكي، وهي لا تعلم. هل ظلت عمرها كله تحلم بهذا الثوب، وهذا الرجل؟ فيض الحنان الذي اختفى فجأة، وهي في أشد الحاجة إليه.

على مر السنين، جفت ينابيع الحنان، والدمع أيضا. لكنها كانت قد اختارت طريقها بوضوح. قررت أن تكون النموذج الذي كانت عليه أمها وأبوها، بقدر ما سمعت عنهما وبقدر ما صورهما لها خيالها المكلوم. وتذكر أيضا يوم حصلت على هذه الشهادة العظيمة التي كان قد حصل عليها أبوها، وهرعت إلى المرآة وهي ترتدي “روبه” الجامعي الأسود: أحد الأشياء القليلة التي ظلت تحتفظ بها من آثاره. يومها ودت أن تبكي، ومع أن دموعها غلبتها، فقد كانت تدرك انها دموع الفرح، وأن الغد، بالتأكيد، سيكون أجمل.

توقفت عن استدعاء المزيد من المرارة والحزن، فقد كانت تعلم أن ذلك سيعود بها من جديد إلى حالة من الكآبة ما فتئت أن تغلبت عليها. لكن سؤاله على شاشة الإنترنت كان يومض ببريق الخيانة وإنكار الجميل وغدر الرجال.

كانت الصدفة قد جمعتهما في إحدى محطات الغربة بعد سنوات عديدة من تخرجهما من الجامعة والتحاقهما معا ببعثة دراسية واحدة. وكان كل منهما قد اختار طريقه منذ وقت طويل. كان هو لايزال يحلق عاليا، مستمتعا بهوايته في التحليق. بدا كما هو. كيف لم تغيره كل هذه السنين. هل كان السر في رياضة التحليق؟ تذكرت أنها أيضا أحبت هذه الرياضة ذات يوم. كان القلب لايزال غضا وكان العقل متفتحا. هل كانت الدنيا غير الدنيا، وكان الناس غير الناس؟ لم تهنأ كثيرا بمتعة التحليق. كانت هناك قوى خارجة عن تفكيرها اضطرتها إلى إدارة محركات الهبوط. تصورت أنها اتخذت قرارا جريئا حينما قررت أن تتزوج أستاذها الذي يكبرها كثيرا. قالت: الحب لا يتعامل مع شهادات الميلاد والمستخرجات الرسمية. كثيرا ما كانت تقف عند هذه اللحظة، وتفكر. هل هي نادمة على قرارها؟ كيف ضاعت كل هذه السنين؟ ماذا كسبت من جرأتها؟ لاشيء سوى عمر ضائع، وأيام مشتتة، وزواج فاشل أو معطل، على أحسن الفروض. نعم. هو ذلك الزواج. أي مرارة تشعر بها حينما تفكر في التوقعات التي تبددت والزهور التي ذبلت، وفي ذلك الرجل الذي بهرها ذات يوم، والذي تخلت من أجله عن رحلتها حتى وإن كانت في سماء المجهول. لكنه في النهاية كان رجلا ككل الرجال. وحينما اكتشفت ذات يوم أنه يخونها مع إحدى تلميذاتها تركت له البيت، بل تركت له البلد بما فيها، وسافرت.

وفي رحلة الهروب التقت بالطائر المحلق.

أبعد كل هذه السنين؟ أدهشها كثيرا أن الذكريات التي كانت قد تصورت أنها اندثرت مع الأيام راحت تتجمع من جديد، تتطاير حولهما في جلساتهما، كأنها أوراق الياسمين، تحمل عبق العمر الفتي. أدهشها كثيرا أن يقتحم وجدانها من جديد ويحتل طيفه كل الألحان التي كانت تؤنسها في وحدتها. وأدهشها كثيرا أن يكون هناك إنسان يتمتع بهذا الفيض من الحنان المجرد والخالص. وشعرت بدفق لحن جديد يسري في حياتها: “صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن، نسيتني بيك آلامي، ونسيت معاك الشجن.”

لكن كلا منهما ظل أسير اختياره. هو المحلق في سمائه، وهي الجريحة على أرض الواقع. شيئا فشيئا تحول مابينهما إلى مايشبه صراع الإرادات. لكنها قررت ألا تتخاذل. قالت: إما أن ينصلح، وإلا فما همي في جرح جديد وخيانة جديدة. وكانت تراه في حيرته وضياعه وتتألم من أجله. صرخت فيه يوما: افعل شيئا من أجل نفسك، من أجل حياتك. وقررت أن تكون هي المثل، وأن تكون هي القادرة على مالم يقدر عليه الرجال. قالت له: ستظل صديقي.

وأصبحت صداقتهما هي ماتبقي له وما تبقي لها.

وربطت بينهما التكنولوجيا. وبعد المكالمات الهاتفية الطويلة التي كانت تستمر حتى الساعات الأولى من الصباح، جاءت الأنسر ماشين ثم الكومبيوتر والانترنت. في أحيان كثيرة كان يشعر بقوة ارتباطهما. وكانت رسائله تشي أحيانا بهذا التوهج والصدق، لكنها لم تعد تأخذ عباراته على محمل الجد. كانت قد عرفت نقطة ضعفه وضعفها. هو لايستطيع أن يعيش بغير التحليق، وهي لا تستطيع أن تعيش بعيدا عن أرض الواقع.

في البداية كانا يتحدثان كثيرا، لكنهما في السنوات الأخيرة اكتفيا باللقاء كثيرا على الانترنت. كانت تجد في شكواها إليه راحة تحتاج إليها. لكن حتى ذلك، بدأ يضيق به. وحينما وصلتها رسالته الأخيرة تجمدت عيناها على سطورها.

فهل كان سؤاله العابر هو سر غضبها وثورتها؟ أم أنها كانت تشعر أن ذلك التساؤل كان جزءا من مجموعة أعراض تدل كلها على شيء واحد؟ الكلال، والضعف. ذلك الشعور السلبي الذي يعتريك فجأة فيفقدك الدافع والرغبة والقوة على الاستمرار.

عكست الرسالة ماكان يبديه أحيانا من جهامة واقتضاب وغموض وإحساس بالهم. وحينما كانت تستغرقه تلك الحالة كانت تسأله بحنان وهي تركز بصرها في عينيه: فيم يفكر أبو الهول؟ تذكُر أول مرة وجهت إليه هذا السؤال. كانا قد انطلقا بسيارتهما في قلب الظهيرة إلى أعلى نقطة في هضبة الأهرامات. يومها بدت القاهرة، الصاخبة دائما، بدت أسفل الهضبة الشامخة هادئة وادعة، وكأنما ارتسمت على شفتي أبي الهول ابتسامة راضية وهو يحدق في عين الشمس. ويومها رد على تساؤلها قائلا: “ربما يفكر في سر الهرم”. قالت وهي تنقل بصرها بينه وبين الهرم الأكبر: “كل هذا الصرح العظيم من أجل تابوت مليء بالأسرار؟” التفت إليها باهتمام، وقال: “كلا ياحبيبتي، لم يكن أبدا مقبرة أو تابوتا. لقد كان دائما منارة وحصنا وعينا حارسة”. وكان ينظر إلى أبي الهول بعين ملؤها الثقة، وقال وفي عينيه نظرة عاتبة وراجية: “لا تسيئي الظن بأبي الهول، إنه يتكلم دائما في الوقت المناسب.”

لكن شيئا غامضا في داخلها كان يوحي لها بأن هذه الرسالة تحمل نذر النهاية. تضمنت الرسالة ردودا مقتضبة على بعض الأمـور العامة المتعلقة بعملهما. لكن حينما تعلق الأمر بحياتها الشخصية كان رده جافا وباردا. قال: “وما شأني أنا بكل ذلك؟”

أحست بالدموع تتحجر في عينيها.

وغد.

بضغطة واحدة على أحد هذه الأزرار الصماء أخرجك من حياتي. الآن أستطيع أن أقول لك، غير آسفة عليك: “وداعا أبا الهول”. عبثا حاولت أن أصلحك، لصالحك أنت وليس لي.

ما شأنك؟

شأنك أنك صديقي، ياغبي…

ووجدت نفسها تخط هذه الكلمات على الرسالة الالكترونية.

شأنك أنك صديقي ياغبي.

شأنك أنك صديقي ياغبي.

وراحت تقرأها مرات ومرات، وأحيانا بصوت عال. وغالبت دمعتين كادتا أن تفرا من عينيها. ومن خلال عينيها المغرورقتين بالدموع راحت تنقل بصرها بين رسالته وردها عليها حتى استحالت الشاشة رقعة من ضباب. وحينما أوت إلى فراشها كانت عيناها لا تزالان تحملقان في الظلمة في أحرف السؤال.