قوس قزح

كانت السيارة تمضي ببطء على الطريق الترابي المحاذي للقرية. وبدت له من بعيد شواهد القبور وكأنها تتحرك نحوه. هاهو الموت يشده إلى قرية الصبا بعد عمر طويل. كانت أسرته قد تركت القرية إلى المدينة منذ عهد بعيد. وهو نفسه كاد أن ينقطع عن زيارتها تماما بعد أن سقط في هوة الترحال والإغتراب الأبديين. في السنوات الأخيرة أصبح يأتي إليها من وقت لآخر لزيارة الموتى، وما تبقى من الأهل. المقابر أصبحت أكثر اقترابا. بدت في تراصها كرقعة شطرنج جرداء فقدت كل المدافعين عنها. تسري في وجدانه ذكريات موغلة في البعد والغموض مضمخة برائحة الخضرة والأرض وحرقة موال قديم: “أنا ماضناني، وخلى قلبي مناخل، إلا فراق الحبايب في الباب ونا داخل”.

ألم به حزن طاغ اكتست به ملامحه ولم يتمكن من إخفائه عن رفيق الرحلة الذي حاول أن يسري عنه بملاحظة عابرة قائلا: “لم تتغير القرية كثيرا”. هدأ من سرعة السيارة عند نقطة يلتقي فيها الطريق الترابي بالطريق الفرعي المؤدي إلى القرية وقال لصديقه: “ربما. هو نفس الطريق. الساقية. المسجد. المقابر.” وسكت برهة ثم أكمل: “إلا من قوس قزح”. وحينما أنعم النظر في الأفق البعيد الذي لونته دكنة قاتمة تنتصب فيها شواهد القبور كسيوف صدئة، لاح له وجهها الباكي تبلله الدموع. هل كانت قد أدركت في لحظة أنها خذلت وأنه لا حيلة لها سوى البكاء؟ وهل كانت قد تنبأت بفطرتها الطفولية أنه لا جدوى من الجري وراء أقواس قزح الزائفة؟

لم يكن في حياة سعدية في القرية الكثير مما يجعلها تتردد في قبول ما عرضته أمها عليها تلك الليلة. كانت قد عادت إلى الدار بعد أن أذن المؤذن لصلاة العشاء. وكانت تلعب في الساحة الكبيرة التي تبعد عن الدار بحارتين أو ثلاث. كان بعض الأطفال يلعبون الكرة الشراب في ركن من أركان الساحة. وكان هناك طفل يدور بدراجة ذات عجلات ثلاث ويجري خلفه طفلان آخران يحاول كل منهما أن يفوز بجولة. وأطفال آخرون يلهون بأي شيء: فأحدهم يركب عصا يجري بها كأنه يركب حصانا، وآخر يسوق أمامه طوقا من الحديد بقطعة من الخشب في يده بسرعة ومهارة أدهشتا سعدية، وثالث يحاول أن يبني بيتا من قوالب من طوب اللبن المكومة في أحد أركان الساحة. ولم تكن سعدية تشارك في أي من هذه الألعاب. كانت تحس أنها قد كبرت عليها. فهاهي الآن تدخل عامها التاسع. وهي لا تعلم عمرها بالضبط. لكنها تدري أنه مع مطلع هذا العام الدراسي تدخل عامها الثالث وهي في الشارع : لا مدرسة ولا تعليم ولا سفر كل صباح إلى البندر القريب الذي يذهب إليه صباح كل يوم الكثيرون من أولاد وبنات القرية. إلا هي. ميلة بخت. هكذا كانت تبرر لنفسها الأمر. نعم، ميلة بخت. فقد كانت تعـتبر أن بختها مايل كما تقول نسوة القرية على أي امرأة أو بنت خانها الحظ في أي شيء. وهي نفسها كانت ترى أنها منحوسة. فقد مات أبوها وهي لما تزل طفلة لم تتعد العامين. ومع أن لها أخوين أكبر منها، إلا أنهما دائما غائبان. فهما يعملان مع عمال التراحيل الذين لا أرض لهم. ومن حين لآخر يحضر أحدهما أو كلاهما إلى البيت لإعطاء أمها ما فيه النصيب. لكنها مع ذلك تذكر أنها لعبت في الشارع كثيرا. تحاول أن تتذكر متى توقفت عن اللعب. إنها تذكر ذلك جيدا. فهي تذكر أنها كانت تلعب دائما مع مرسي إبن الجيران. كان قد مضى الآن زمن طويل منذ أقلع مرسي عن اللعب في الحارة، فقد أصبح تلميذا. كان مرسي يكبرها بعام أو عامين. وقد التحق بالمدرسة مبكرا. لم تعد تراه الآن كثيرا. ربما في الإجازات فقط. أما في أيام الدراسة فهو لا يخرج من الدار للعب كأيام زمان. لكنها مع ذلك اعتادت الوقوف دائما في هذا المكان تتفرج على الأطفال وهم يلعبون. وأحيانا كانت تفاجأ بوجود مرسي. أحيانا كان يخرج من الدار لشراء شىء. وأحيانا كان يشتاق للعب. ذات مرة قال لها إنها وحشته وإنه خرج ليراها. يومها سعدت سعادة بالغة مع أنها لم تكن لتفهم ماذا يعني. ويومها ضحكت ولمعت عيناها السوداوان الواسعتان. وحينما عادت إلى الدار كانت الفرحة لا تسعها. وقبل أن تنام أغمضت عينيها على رنين كلماته المبهمة التى ظلت تفكر كثيرا فيما يمكن أن تعني، وعلى نظرته الساهمة وهو يقف معها وقد اعتراه شئ من الإرتباك. وتمتمت لنفسها بصوت خفيض:”يحبني”.

بعد ذلك التقيا كثيرا. هل كان ذلك بالصدفة أم أن كلا منهما كان يسعى بطريقته الخاصة للقاء الآخر؟ على طول الترعة الضيقة التي تمتد بمحاذاة القرية كانت سعدية ترى مرسي وهو عائد من المدرسة مع غيره من التلاميذ وقت الأصيل. لم يكن مهما لها أن تكلمه أو أن يكلمها. فقط من بعيد كانت نظراتهما تلتقي. حينئذ كانت تتوقف للحظة عما تقوم به: فعلى شاطئ هذه الترعة كانت سعدية تغسل الأواني أو الملابس أو تملأ جرة بالماء أو تسقي بهيمة. وحينما يغيب عن ناظريها متوجها إلى بيته، كانت تحس براحة عميقة، وتعود إلى ما كانت تقوم به في حمية وسعادة ورضى. حينئذ كانت تتصور أنها أمضت اليوم كله مع مرسي. وكانت تقول لنفسها: “الآن سيستذكر دروسه ثم ينام”. ومع ذلك فقد حدث في أكثر من مرة أن جمعهما الطريق وحدهما. وفي مرات عديدة كان مرسي يخرج لها من جيوبه أو من حقيبته المدرسية حلوى أو أقلاما ملونة أو أي شيء يثير اهتمامها: صورة ممثل أو ممثلة، أو صورة من صور الأفلام، أو غير ذلك من الأشياء التي تباع في سوق الأحد بالبندر الذي توجد فيه المدرسة. أي سعادة كانت تملأ عينيها وتغشي وجهها القمحي الذي تغلب عليه حمرة وردية صافية. ذات يوم أحضر لها قطعة زجاجية مثلثة. جعلت تقلب فيها وهي تنظر إليه في دهشة. قال لها: “سنرى فيها ألوان الطيف وقوس قزح”.

كان قد عرف هذه الأسماء من الدرس الذي تلقنه اليوم في حصة الهوايات. وكانت لهما مع قوس قزح حكاية لن ينسياها. فقد كانا ذات يوم في الحقل. لم يكن مرسي قد التحق بعد بالمدرسة. في عز الظهر أظلمت الدنيا فجأة. وهطل مطر غزير. ظل المطر يهطل دون توقف. أصابهما الرعب، وخشيا ألا يتمكنا من العودة إلى القرية. كانت سعدية تبكي بشدة. إختبآ في حظيرة قريبة. راح يربت على ظهرها مهدهدا. وضعت رأسها في صدره الصغير وواصلت البكاء. لأول مرة يحتضنها. كان ينظر تجاه القرية التي تصور أن الأمطار قد عزلتهما عنها. وفجأة قال لها: “أنظري!” كان المطر قد توقف. وأشرقت الشمس فغطت مساحات الحقول الممتدة على مدى البصر. ومن بعيد كان قوس قزح يملأ السماء. تسمرا في مكانهما للحظة. ثم بدآ رحلة العودة. من يومها أحبا المطر. وكلما بدت نذره في الأفق كانا يجريان نحو الحقول إنتظارا للمطر وقوس قزح.

أما في أيام الأجازات، سواء أجازة نصف السنة أو الأجازة الكبيرة التي تمتد أحيانا لثلاثة أو أربعة أشهر، فإن سعدية تكون أسعد حظا وتتاح لها فرص أكبر ووقت أطول مع مرسي. في تلك الأيام يلعب الأولاد كثيرا ويسهرون في الحارة إلي وقت متأخر من الليل وخاصة في ليالي الصيف المقمرة. في تلك الأيام أيضا يذهب الأولاد كثيرا إلى الحقول مع أهليهم ويمضون وقتهم هناك من الصباح حتى الغروب. أحيانا كانت سعدية تجد نفسها بمفردها مع مرسي وسط الحقول الشاسعة بعيدا عن كل الأعين. كانت تكلمه كثيرا عن أمها وأخويها البعيدين وأبيها الذي الذي لم تكد تراه.

قالت لها أمها ذات يوم إن آل مرسي أقاربهم، ولكن من بعيد. وسكتت. كانت سعدية تنظر إلى أمها ‏تحاول أن تعرف أكثر. تهرب الأم من تساؤلاتها وتقول: البلد كلها أهل يابنتي. وكانت سعدية تلاحظ إهتمام آل ‏مرسي بأمها وخاصة بعد أن توفي أبوها. كان لمرسي أعمام يعيشون في نفس البيت. وكان أبوه أكبرهم. وكان ‏مرسي إبنه الوحيد بعد ثلاث بنات. وفهمت سعدية أن أباها كان يستأجر أرضا مملوكة لآل مرسي إلى أن مات. ‏وفهمت أيضا أن قرابتهم البعيدة لآل مرسي هي من جهة الأم، وأن المسكن الذي تعيش فيه مع أمها كان ملحقا ‏لبيت آل مرسي الفسيح ولكن قبل أن يبنوا حوله سورا ويجعلوا بوابته الأمامية تطل على الترعة التي تمتد خلفها ‏الحقول الفسيحة على امتداد البصر حتى تحاذي حدود البندر على بعد أكثر من كيلومترين. أما الباب الخلفي ‏المحاذي للملحق الذي تسكنه سعدية وأمها فقد خصص لزريبة البهائم. وحينما تمر سعدية أمام بيت آل مرسي ‏تتحرك في مخيلتها صور قديمة باهته لاتستطيع لها تفسيرا. صور لها وهي داخل هذا البيت أيام الأعياد والموالد ‏والمناسبات. تتداخل الصور في وجدانها. تتعب من التفكير. وتكف عن التساؤلات. مرات تفكر في المستقبل. هي ‏الآن تساعد أمها أحيانا. وعلى مدار السنة هناك أعمال للصغار أكثر مما هناك للكبار في موسم دودة القطن وشتل ‏الأرز وبيع الخضروات التي يزرعها الفلاحون بين المحاصيل. وحينما تكبر ستتزوج. فهي تعلم أنها حلوة وأحلى ‏من بنات كثيرات في البلد تزوجن من شباب كالورد. بل هي تعلم أنها أجمل من أي بنت من بنات عائلة مرسي. ‏هل يتزوجها مرسي؟ كانت تعلم في قرارة نفسها أنها لم تعد من “توب” مرسي. فما هي إلا سنوات قليلة ويدخل ‏الثانوي ثم الجامعة ويصبح “أستاذا”، هكذا يلقبون المتعلمين في البلد: “الأستاذ راح، الأستاذ جاء”. أما هي فقد ‏فاتها قطار التعليم. بالكثير سيكون نصيبها أحد الشغالين في بيت مرسي. فأبوه من الملاك، كما أنه ناظر زراعة ‏الباشا الكبير الذي أممت الثورة أرضه. توقفت عن التفكير في كل ذلك، ودارت في مخيلتها صورة مرسي، ‏وتمتمت: “إنه يحبني‎”.‎

كانت سعدية تقف وحيدة مستندة إلى أحد الجدران حينما رفع الآذان. وهب الرجال الذين كانوا يقعون ‏أمام البيوت الطينية متوجهين إلي المسجد الذي يقع عند مدخل القرية، غير بعيد. صاح أحدهم في الأطفال وهو ‏يشق طريقه وسط الساحه‎:‎ ـ “إمشوا إنجروا روحوا بيوتكم. أليس لكم أهل يبحثون عنكم؟ هؤلاء العيال لايهمدون أبدا‎.”‎

شعرت سعدية للحظة بأنها تجمدت في مكانها. لكم تكره هذه العبارة التي تصيبها بالإنقباض. تذكرت ‏أباها. أحست برغبة في البكاء لكنها خفضت رأسها إلى الأرض وانسحبت في هدوء عائدة إلى الدار ومرارة ‏عميقة تثقل وجدانها البريء. أمام عتبة الدار كانت أمها، كالعادة، تفترش الأرض وقد أسندت رأسها على كفها ‏الأيمن. هكذا كانت تراها دائما حتى خيل إليها أنها ولدت على هذه الصورة. وكأنما أفاقت أمها من حلم أو رؤيا. ‏ماأن رأتها أمها حتى هبت واقفة وتوجهت إلى داخل البيت. تبعتها سعدية وهي تحاول أن تخمن ماالذي يشغل بال ‏أمها. نظرت إليها أمها في حنان وسألتها: “تأكلي ياحبة عيني؟” ولم تنتظر جوابا من سعدية، لكنها أشارت إلى ‏طعام في ركن الغرفة وقالت لها: “من بيت أبوكي الحاج”. كانت تقصد الحاج أبا مرسي. لمعت عيناها للحظة، ‏ونظرت إلى أمها التي كانت تبدو حقا مثقلة الفؤاد وتحاول أن تتجنب النظر إلى عينيها. بعد أن تناولتا الطعام وقبل ‏أن تأويا إلى الفراش قالت أمها، مشيرة مرة أخرى إلى الحاج مرسي: ” مر بنا قبل المغرب. كان معه مرسي. ‏سيسافران غدا إلى الإسكندرية.” وبعد برهة إختلست فيها الأم نظرة إلى وجه سعدية:”عايزين يأخذوكي معهم !”. ‏كانت أمها تقترب بحذر مما تريد أن تقوله لسعدية. أيقنت سعدية أن في الأمر شيئا. ركزت بصرها على أمها ‏وسألتها سؤالا مباشرا: “فيه إيه ياأمه؟” بدا على أمها الإرتباك والتردد وقالت: “أبدا ياعين أمك. وهل أنا كنت ‏وافقت؟”. فهمت سعدية على الفور. الموضوع القديم. فمنذ أن منعوها من دخول المدرسة كان الهدف هو أن تبقى ‏بجوار أمها، وربما تسنح لها فرصة العمل في أحد البيوت في البندر أو ربما تكون أسعد حظا وتعمل في ‏الإسكندرية عند أحد البكوات. هاهي قد سنحت الفرصة. قالت لها أمها: “فكري. أنا لن أغصبك يا ضناي.” ‏وتركتها‎.‎

قبل أن تخلد سعدية إلى النوم كانت قد اتخذت قرارها. وقالت لأمها التى استلقت على الفراش بجوارها ‏وقد أدارت إليها ظهرها متظاهرة بالنوم: ” خلاص ياأمه، سأسافر.” لكنها لم تنم. حتى في الغفوات المتقطعة التي ‏كان يغلبها النوم فيها كانت تشعر أنها مستيقظة في حلم طويل‎ ‎ومتصل، وعيناها مفتوحتان تحملقان في سقف ‏الغرفة إلى أن أطل الصباح‎.‎ لأول مرة في حياتها تركب سعدية القطار السريع المتوجه إلى الإسكندرية. كانت تشعر بفرح طفولي ‏وهي تسير بصحبة مرسي ووالده. لكن حينما أطلق القطار صفارته التي تصم الآذان وبدأ في التحرك انكمشت ‏سعدية في مكانها بجوار مرسي ووالده وهي تتطلع من النافذة على أعمدة الهاتف وهي تمر أمام عينيها بسرعة ‏تزداد مع سرعة القطار، وتتابع بعينيها خضرة الحقول الممتدة على مدى البصر. كانت تشعر بأن القطار ينتزعها ‏من رقعة هي جزء منها. وتذكرت على الفور دموعا ترقرقت فى عيني أمها وهي تودعها في الصباح. وتساءلت ‏في دخيلة نفسها: “متى سأراها ثانية؟” وألم بها حزن ثقيل وكادت أن تطفر من عينيها الدموع لكنها حولت ‏بصرها عن النافذة في بطء وتكاسل ونظرت إلى مرسي ثم نكست رأسها نحو الأرض في صمت‎.‎

في بيت البيه الكبير جلست سعدية على أرضية حجرة الإستقبال التي كانت تغطيها سجادة سميكة غالية ‏الثمن. وحولها، على الكراسي، جلس مرسي وأبوه والبيه الذي لاتعرف له إسما وزوجته الجميلة التي ذكرت ‏سعدية بصور نجمات الأفلام التي كان مرسي يحضرها إليها من البندر. كانت سعدية تنظر إلى الأرض. وحينما ‏رفعت رأسها قليلا لتتبين الوجوه حولها شعرت بأنها كما لو كانت تنظر إليهم من قاع جب سحيق. بدت وجوههم ‏عالية عالية. وشعرت للحظة أنها لم تكن لتميز بينها. فقط، استلفت بصرها خصلتان من الشعر الأصفر حول وجه ‏السيدة الجميلة. والتقت عيناها السوداوان للحظه بعيني السيدة وهي ترمقها في نظرة متفحصة. وحينما خفضت ‏بصرها مرة أخرى شعرت بوحشة شديدة وغلبها البكاء. وفجأة سكت الجميع حولها. وقال أبو مرسي لإبنه : ‏‏”قوم يامرسي خذ أختك سعدية إلى البلكونة. هدئ من روعها، وعقلها.” كانت غرفة الصالون مفتوحة على شرفة ‏فسيحة تطل من شارع جانبي على بحر الإسكندرية. إنطلقت سعدية إلى الشرفة وتبعها مرسى وقد ساوره إحساس ‏بأن مهمته ستكون سهلة‎.‎

في الشرفة، أسندت سعدية رأسها إلى السور الحديدي في صمت وهي تمسح دموعها بظهر كفها، ‏وتحاول جاهدة أن تكبت تشنجات البكاء التي تمكنت منها فلم تعد تستطيع الكلام. إقترب منها مرسي. لأول وهلة ‏لم يعرف من أين يبدأ المهمة. نظر حواليه في حيرة. وقع بصره في ركن من أركان الشرفة على صف من ‏صناديق المياه الغازية لم يشاهده في أكبر دكاكين القرية. مال نحوها قائلا:”شايفه العز؟ دول باين عليهم ناس ‏غناي قوي، وطيبين كمان.” وكانت مطأطئة الرأس وهو يحاول أن يزين لها أسباب البقاء في بيت البيه الكبير ‏والهروب من العزبة وهم العزبة وأهلها. في قرارة نفسها ودت لو أنها سمعت منه كلاما آخر. وبعد أن انتهى مما ‏لديه رفعت بصرها إليه وكأنها تقول له: “حتى أنت؟ ” ثم توجهت في انكسار إلى داخل الغرفة وكل العيون متعلقة ‏بها. افترشت الأرض في صمت. وخيم السكون لحظة، قطعه بعدها صاحب البيت موجها حديثه إلى سعديه في ‏لهجة استرضاء طبيعية وصادقة قائلا: “الحلوة لاتريد أن تبقى معنا؟‎”‎

ماحدث بعد ذلك كان مفاجئا ومذهلا وصاعقا. من قلب الصمت والسكون اللذين اكتنفا الجميع للحظة، ‏انفجرت سعدية باكية، وانهمرت الدموع على وجهها الصغير، وراحت تردد موجهة حديثها إلى الجميع:”أنا ‏عايزه أروح لأمي. أنا ماليش دعوى، أنا عايزه أروح لأمي‎.”‎

لم يكن بوسع أحد، أو ربما لم يشأ أحد، في نهاية الأمر، أن يثني سعدية عن عزمها أو يرغمها على غير ‏ماتريد. هذا الكائن الغض الضعيف كان قد اتخذ قراره ونفذه بفطرة غلبت عقول الرجال‎.‎

قبل غروب شمس ذلك اليوم، توقفت سيارة أجرة قليلا على الطريق الترابى المحاذي للقرية. وانطلقت ‏منها سعدية ثم مرسي وأبوه. وحينما عادت السيارة إلى المسير مخلفة وراءها زوبعة ترابية، كانت سعدية قد ‏أطلقت ساقيها للريح عائدة إلى أمها. وكان مرسي يسير إلى جوار والده في صمت وقد تنازعته أفكار كثيرة عن ‏كل ماحدث، وارتسم أمام عينيه وجه سعدية المبلل بالدموع ونظرتها العاتبة: “حتى أنت‎!” ‎

وكانت هذه الصورة نفسها هي التى احتلت مخيلة مرسي وهو يلقي نظرة أخيرة على القرية الوادعة ‏التي غطتها أشعة الشمس الغاربة وهو يهم بإدارة محرك سيارته بادئا رحلة العودة‎.‎