الموت مرتين

منذ أن ماتت أمى قبل أكثر من تسع سنوات، دأبت على زيارتى كل عام فى ذكراها السنوية. وفى أول زيارة لها، وكان قد مضى عام كامل على فراقها، لم أصدق عينى وأنا أراها مقبلة عبر البوابة الحديدية الكبيرة على السور المحيط ببيتنا القديم. كانت على وجهها ابتسامة متهللة وهى تدنو من المكان وكأنها قادمة لتوها من السوق أو من زيارة إحدى القريبات. خيل إلى أننى أحلم. ولأننى كنت واعيا ومتيقظا تماما فقد نفضت هذه الفكرة عن خاطرى وقلت لنفسى كيف يكون خيالا وهى ماثلة أمامك الآن بلحمها وشحمها وابتسامتها الفياضة التى كثيرا مااستقبلتك بها وأنت عائد من أسفارك الكثيرة. كنت أجلس وحيدا فى أحد أركان البيت بعد يوم طويل بدأناه فى الصباح، مع بقية الأسرة، فى زيارة المقابر التى تقع على حدود البلدة. وكان البيت يغص بالأهل الذين تذكروا موعد رحيلها. الأخت الكبرى، رغم البصر الكليل وتعب المفاصل وتجشم المواصلات لعدة ساعات فى حر يوليو القائظ. وأخوات أخريات من قرى قريبة، وإخوة يعيشون فى نفس البلدة. والأحفاد. كان منهم من تربى على يديها وفى رعايتها. ومنهم من ولد قبل وفاتها بشهور قليلة. ألقت ببصرها على الجميع، وبدا وجهها متهللا بشعور غامر بالارتياح. ثم وقع بصرها علىّ فى ركنى المنزوى فهرعت إلىّ وجلست إلى جانبى. فى جزء من الثانية، ذلك الجزء الذى استعصى علىّ فيه أن أميز بين الموت والحياة، والحقيقة والخيال، وبين ماإذا كنت حقا أرى أمى أم شبحها، فى هذه اللحظة اعترانى هم ثقيل وغلبنى التأثر فرحت أبكى. وجاء صوتها مهدهدا كعهدى بها منذ وعى العقل: “ورحمة أبيك لاتبكى، ولا تحزن”.

كان أبى قد مات قبلها بشهور قليلة بعد مرض طويل. وقد قامت على رعايته فى سنواته الأخيرة بتفان نادر كما لو كان هو قضيتها الوحيدة فى هذه الدنيا. وكانت حوله دائما كتلة من النشاط المكرس له. تطبخ له الطعام الذى يناسبه، وتعطيه الأدوية فى مواعيدها، وتضع له قطرة العين من حين لآخر. وحينما يفرغ من تناول طعامه، كانت تحضر إليه فى مجلسه إناء وماء ليغتسل. فوجئ الأبناء به ذات يوم يسعل سعالا حادا. نادوا عليها وكانت تعد له طعاما فى الفرن الريفى على سطح المنزل. نزلت إليه مهرولة. طلب منها سقية ماء، وفاضت روحه وهى تحتضنه غير مصدقة. قالت لى فيما بعد إنه مات فى كامل صحته. أما هى فلا يدرى أحد ماالذى اعتراها فجأة. قالت لى عبر الهاتف، وكنت فى بلاد بعيدة: “أشياء كثيرة بداخلى انهارت، تهدمت”. قالت: “لم أعد أقوى على المشى، وأمعائى تؤلمنى”. وكانت نوبة السكرى تفاجئها من حين لآخر فتشعر بدنو الأجل. حينما وافتها المنية لم يكن معها فى المنزل سوى أصغر إخوتى الذى تزوج بعد وفاتها. حكى لى بمرارة شديدة عن أيام وحدتها وعذابها في صمت، وعن الليالى الكثيرة التى كان يبيت فيها معلقا بصره بأنفاسها خوفا وهلعا، إلى أن نفذ قضاء الله. أنهوا إلىّ الخبر وأنا فى بلاد غريبة فشعرت، وأنا الكهل العجوز، بلوعة اليتم.

مسحت دموعى واستعدت توازنى وأنا أجلس إلى جوارها وأتطلع إلى وجهها الذى يشع منه البشر، وشعرت بأنها ماغابت أبدا وأن الموت لم يختطفها من بيننا. خطر لى أن أسألها عن أبى وعما إذا كانت تراه فى عالم الموتى، لكنى شعرت بحروف السؤال تذوب على شفتى فتتحركان دونما صوت. مع اقتراب الفجر كان الجميع قد أووا إلى فراشهم. وكانت أمى تدور فى أنحاء المنزل كعادتها تطمئن على أن كل شىء فى مكانه. شعرت بها تمر بغرفتى كما كانت تفعل أيام صباى وتطمئن على إحكام إغلاق النافذة وعلى وجود الأغطية الكافية. ومع بوادر الصباح، بدأ الجميع يستيقظون، ونظرت فى جنبات المنزل. لم تكن أمى هناك. تمنيت لها فى نفسى عودة آمنة مطمئنة، وقرأت على روحها الفاتحة.

فى السنوات التالية، كنت أترقب قدومها كلما حان موعد ذكراها السنوية. وكنت أترك البوابة الحديدية الخارجية مفتوحة دائما. وأصبحت حريصا على أن يكون البيت مرتبا ونظيفا فى استقبالها. كنت قد أصبحت وحيدا فى المنزل الذى قررت أن أمضى فيه سنى العمر الأخيرة بعيدا عن صخب المدينة. وعاما بعد عام بدأ يقل اهتمام الأهل بالإجتماع على هذه الذكرى. اهتمامات أخرى نشأت وظروف جديدة طرأت على حياة الشباب والعواجيز فى الأسرة. وفى السنوات الأخيرة كانت تفاجئنى فى وحدتى فتأسف لحالى وتقول عاتبة: ألم أحذرك من هذه العاقبة؟ كثيرا ماقلت لك اتخذ لك زوجة تحمل همك، وتؤنس وحدتك.

قبل أن يحين موعد ذكرى هذا العام انتابنى شعور طاغ بالإنقباض. بدا لى المنزل فى فراغه وعزلته مكانا موحشا. ربما لأول مرة أكتشف ذلك الصدأ الثقيل الذى يغطى البوابة الحديدية. وفى الداخل تجسد الخواء فى كل شىء. واقترب الموعد أكثر فأكثر: ثلاثة أيام، يومان، يوم واحد: لكنها لم تأت.

افترشت الأرض أمام البوابة الحديدية فى يأس. وحز فى نفسى كثيرا غيابها، ورحت أفكر فيما عسى أن يكون قد منعها من المجيء. أترى قد ساءها تناحر الإخوة وتباعدهم؟ وهل أحست للحظة بتبدد الشمل الذى كانت هى عمادته؟ أو ذلك العبق الأسرى الحميم الذى كانت تشعه بوجودها حتى وهى على فراش الموت فى أيامها الأخيرة؟ وهل أحست للحظة بأن الفتور قد بدأ يتسلل إلى ذلك العش الدافئ أبدا، وبأن نسج العمر الغالى المديد أصابه الوهن؟ تعبت من الأفكار والتساؤلات وغلبنى النوم وسؤال ملح يتردد فى أعماقى: أيمكن أن يموت الإنسان مرتين؟

لكنى فى غفوتى شاهدتها. من مكانى أمام بوابة المنزل الحديدية شاهدتها على البعد وهى تسرع الخطى نحو حدود القرية حيث المقابر. كنت كلما حاولت النهوض من رقدتى لألحق بها تخذلنى قدماى فأسقط على الأرض من جديد. وكان يخيل إلي أنها تقف بين لحظة وأخرى لتنظر نحوى ملوحة بيدها كأنها تقول: إرجع، إرجع…

وكست الأفق دكنة قاتمة فلم أعد أراها. وكانت هناك قوة خفية خارقة تكبل حركتى وتشدنى إلى الأرض. ورغم ماأبديته من مقاومة عنيدة سرعان ماخارت قواى ووجدتنى أستسلم فى هدوء لخدر ثقيل شل كل حواسى وأحال كل ماحولى إلى رقعة من سواد.