لا أعرف سوى نجيب محفوظ

!!‏ ‏ من بعيد، بدا الملهى كأنه بقعة ضوء ضخمة وسط ظلام الليل ‏الدامس. وكانت السيارة تشق طريقها صوب المكان الذي ميزته لافتة عالية ‏محاطة بهالة كثيفة من الأضواء المتلألئة التي يتوسطها “أفيش” الفيلم الشهير ‏‏”كازابلانكا”. وشيئا فشيئا بدأت تتضح للعين ملامح همفري بوجارت وإنجريد ‏برجمان في ذلك المشهد الرومانسي الذي خَلُد في الأذهان خلود ذلك الفيلم ‏الذي اعتبر من أهم الأفلام في تاريخ السينما على الإطلاق.‏ ‏‏ ‏ كان مرافقي قد دعاني إلى اصطحابه إلى ذلك الملهى لقضاء الساعات ‏الأخيرة من الليل قبيل رحيلى من تلك المدينة الأفريقية الوادعة في أعقاب ‏مؤتمر إقليمي دولي تناول أحداث الساعة وتطورات الصراعات المتفجرة في ‏أركان العالم، بكل ما يترتب عليها من أهوال ودمار، وبكل ما تكشف عنه من ‏صلف القوة وحماقة البشر.‏ ‏‏ ‏ قال لي مرافقي إن مضيفنا، صاحب الملهى، هو أحد المواطنين الذين ‏هاجروا إلى أمريكا منذ سنوات عديدة، وأنه درس الأدب في جامعاتها، ‏وتزوج من أمريكية، لكن زواجهما لم يدم طويلا. وقال إنه عاد منذ سنوات، ‏وقرر أن يستثمر أمواله في هذه الملهى الذي أراد به أن يكون على غرار ‏مقهى ريكي، الذي كان المسرح الذي دارت فيه أحداث ذلك الفيلم الشهير. ‏ ‏ ‏ وقد اكتسب مقهى ريكي شهرة عريضة، وأصبحت له فروع كثيرة ‏في العديد من المدن الأمريكية وفي أنحاء العالم. وفي ذلك المقهى، في ‏كازابلانكا، أو الدار البيضاء، كانت تبرم الصفقات الهامة إبان الحرب العالمية ‏الثانية، وخاصة بيع تأشيرات السفر إلى أمريكا هربا من سطوة ألمانيا ‏النازية. ‏ ‏‏ ‏ وعلى أحد جوانب الملهى، كانت هناك شاشة عريضة تعرض مناظر ‏من “كازابلانكا” الفيلم، إلى جانب لقطات إخبارية من مختلف الفضائيات التي ‏تذيع أخبار الحروب الدائرة في أكثر من مكان في العالم، وأحيانا بعض ‏لقطات الفيديو كليب الراقصة.‏ ‏ ‏ تحمست للقاء المضيف، وهيأت نفسي لحوار طويل معه حول الفيلم ‏الشهير بما ينطوى عليه من رومانسية وقصة حب بين البطل والبطلة تجددت ‏بعد سنوات من الفراق، وحول تجربته الشخصية في الاغتراب خارج بلده. ‏وزاد من حماستي للقائه ما علمته عن اهتماماته ودراساته الأدبية، ومعرفته ‏بلغات عديدة منها الأمهرية، وهي لغته الأم، إلى جانب العربية والانجليزية ‏والفرنسية. ‏ ‏ ‏ لكن الأمور سارت على غير ما تصورت. ففي اللحظة التي وقع ‏فيها بصري عليه، أدركت على الفور ذلك التشابه القوي في الملامح بينه ‏وبين أحد الأصدقاء المقربين. فقد كان له نفس القوام الفارع العود، النحيل في ‏الوقت ذاته، وذلك الوجه المائل إلى السمرة، وهاتان العينان المكورتان ‏الجاحظتان بعض الشيء، وهذه الإبتسامة المعلقة على شفتيه في شيء من ‏الجهامة والتى كانت تكشف عن أسنان مصفرة من أثر التدخين المتواصل ‏الذي بدا أيضا أنه كان إحدى علامات التشابه بينه وبين صديقي الغائب ‎.‎ ‏ وكان ‏الملهى مكتظا برواد ليلة عطلة نهاية الأسبوع، والموسيقى الصاخبة تغطي ‏على كل الأصوات. ‏ ‏‏ ‏ وما أن قدمني إليه مرافقي، حتى تهلل وجهه بترحاب شديد وقال: ‏ ‏‏ ‏ – مرحبا مرحبا بأهل مصر والنيل والأهرامات ونجيب محفوظ.‏ ‏ ‏ وكان أول ما تحدثت به معه فور جلوسنا إلى مائدة قصية في أحد ‏أركان الملهى أن حكيت له عن ذلك التشابه القوي بين ملامحه وملامح ‏صديقي البعيد. وقلت له إنه أيضا من الأدباء اللامعين الذين ربما يكون قد ‏اطلع على انتاجهم سواء بالعربية أو في إحدى اللغات المترجمة. لكن، لسبب ‏أو لآخر، بدا أنه لم يعر ملاحظتي تلك أي اهتمام. ربما بفعل ضجيح مفاجئ ‏أو قدوم بعض الأصدقاء الذين كان يهب إلى لقائهم بمودة وترحاب شديدين. ‏ ‏ ‏ وفي الجلسة التي امتدت لبضع ساعات، أدهشتني معرفته وإلمامه ‏الواسع بأدب نجيب محفوظ. وقال لي إن اهتمامه بهذا الكاتب الفذ سبق كثيرا ‏حصوله على جائزة نوبل، وأنه قرأ الكثير من أعماله بلغتها العربية التي ‏يجيدها، كما قرأ العديد من الترجمات الانجليزية وكتب دراسات مقارنة عن ‏النصوص الأصلية والنصوص المترجمة. وقال إن من بين الروايات التي ‏بهرته إلى حد أنه قرر ترجمتها إلى لغته الأمهرية رواية “ليالي ألف ليلة”. ‏ولذلك فإنه يكاد يحفظ عن ظهر قلب العديد من الفقرات الصوفية والفلسفية ‏التي تنتثر في أنحاء تلك الرواية العظيمة. وساد الجلسة عبق العبارات ‏المحفوظية التي رحنا نتبادلها نقلا عن هذا العمل المميز. ‏ ‏ “الفعل الجميل خير من القول الجميل.‏ ‏ “عرفت من التلاميذ ثلاثة أنواع: قوم يتلقون المبادئ ويسعون في ‏الأرض، وقوم يتوغلون في العلم ويتولون الشؤون، وقوم يواصلون السير ‏حتى مقام الحب، ولكن ماأقلهم.‏ ‏ “كل ما عليها فان إلا وجهه، ومن يفرح بالفاني فسوف ينتابه الحزن ‏عندما يزول عنه ما يفرحه.‏ ‏ “من ذل في نفسه رفع الله قدره، ومن عز في نفسه أذله الله في أعين ‏عباده، طوبى لمن كان همه هما واحدا، ولم يشغل قلبه بما رأت عيناه ‎ ‎وسمعت ‏أذناه ‎..‎ ‏ “إذا سلمت من نفسك فقد أديت حقها، وإذا سلم منك الخلق فقد أديت ‏حقوقهم ‎.‎ ‏”‏ ‏ واننقل إلى الحديث عن شخصية سندباد نجيب محفوظ في “ليالي ألف ‏ليلة” وهو في حضرة السلطان شهريار. وكان السلطان قد سأله أن يقص ‏عليه طرفا مما تعلم من رحلاته، فقال، وهو الحمال البسيط الذي ترك وطنه ‏وهاجر إلى بلاد الله الواسعة التماسا للرزق فأفاض عليه منه، قال سندباد:‏ ‏ ‏ “تعلمت يا مولاي أول ما تعلمت أن الإنسان قد ينخدع بالوهم فيظ