كلاب ومواطنون

عبثا حاول أن يقلل من أهمية ما حدث، وأن ينساه باعتباره أمرا عارضا، أو رأيا شخصيا لأحد الأصدقاء. قال لنفسه: “ربما لو وضعت نفسك في مكانه لاخترت نفس السبيل، ولقلت نفس الكلام، واعتنقت نفس الآراء

كان يجلس في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة التي كانت تقله من إحدى الضواحي الراقية في تلك المدينة الشهيرة متوجها إلى الفندق الذي يقيم فيه في وسط المدينة. وكان هناك حاجز زجاجي سميك يفصل بينه وبين قائد السيارة، وشعر بأنه في زنزانة صغيرة، وحاصرته المشاهد والأفكار التي شهدها وسمعها في السهرة التي انتهت لتوها. ورغم أنه كان يعلم الكثير عن سحر هذه المدينة وهذا البلد الذي أطلقوا عليه اسم بلد الأحلام، لم يتصور أن هذا السحر سيكون له تأثيره على هذا الصديق بالذات. ولعل ما أثر فيه أيضا أنه هو، من بين الحاضرين جميعا، كان يعرف كل شيء عن حياة هذا الصديق، وعن  الأفكار التي ظل ينادي بها ويدافع عنها على مدى رحلة العمر الطويلة، إلى أن حان موعد التقاعد الذي احتفل به ذلك الصديق هذه الليلة. وقال له صديقه: “إنني حقا حسن الحظ إذ يتوافق حضورك إلى هذا البلد في مهمة خاصة مع  احتفالي بهذه المناسبة.” قال له: “إنني أسعد حظا بعودتك المرتقبة إلى أرض الوطن، فقد طال الاغتراب حقا، ولا بد أنك في شوق كبير إلى العودة.” وبدا أن الصديق لم يكترث كثيرا لهذه الملاحظة. ومع أنه راح يهز رأسه علامة الموافقة، كانت تطل من عينيه نظرة زائغة، وترتسم على وجهه إمارات عدم الاقتناع، “ربك يقدم مافيه الخير،” كانت الملاحظة التي أردف بها وهو يترك المكان متوجها إلى صحبة أخرى من الأصدقاء الذين انتثروا في أرجاء الحديقة الصغيرة في مدخل البيت الكبيروفرضت هذه القضية، العودة أو اللاعودة، نفسها على الحاضرين جميعا الذين انقسموا ما بين مؤيد للعودة ومعارض لها. لكن الأمر الغريب الذي شعر أنه يحز في نفسه بعمق أن صديقه كان من بين المعارضين. وحينما احتدم النقاش بين الأصدقاء، اقتحم عليهم المضيف دائرتهم، وكأنه قد وصل إلى الحجة الدامغة التي ستسكتهم جميعا. قال: “سأحكي لكم واقعة، هي في الواقع حكاية أو مزحة، لكنها ستفصل لنا في الأمر”. توجه إليه الجميع بأنظارهم. قال: “يحكى أن كلبا ضاق بالمعيشة في بلده، فقرر أن يرحل إلى الخارج. وكان الكلب يعرف طريقه تماما. فقد تسلل إلى إحدى السفن المغادرة إلى أحد الموانئ الأوروبية. وحينما رست السفينة هناك، وجد طريقه بسهولة إلى خارج السفينة. فوجئ بنظافة الشوارع والناس والمحلات. كان الجو باردا. واحتمى بركن بعيد. وشعر، وهو الكلب الذي لم يكن له أي شأن بين ظهرانيه من الكلاب الذين أصبحت تفصل بينه وبينهم بلاد وبحور، شعر بالحنين الجارف إلى ذلك البلد الذي غادره منذ أيام، وشعر بأنه يفتقد كثيرا الدفء الذي كان يكتنفه هناك. لكنه في محنته وجد يدا حنونة تمتد إليه وتلتقطه من الطريق. وأصبح من سكان قصر عظيم وسلالات من أمثاله من الكلاب. ولكنه اكتشف ذات يوم أن الأيام أصبحت متشابهة. أين تلك الجوقة من الكلاب التي كانت تبدأ يومها في الفجر فتتنادى حتى كاد أهل  الحى أن يضجوا بهم. وجالت بذهنه ذكرى تلك الأيام حينما كانت عربة الصحة تدور في الحي وفي الأحياء المجاورة، يقتلون الكلاب الضالة. قال إنها غلطة الكلاب. يومها قتل كلاب كثيرون. لكنه خرج من التجربة أكثر صلابة ووعيا. ومع ذلك، فهو لم يعد يطيق البقاء في ذلك الجو. وتساءل: هل محكوم علينا بالموت سواء في الحر أو في الصقيع؟ وقرر ذات يوم أن يعود. وكان أيضا يعرف طريقه جيدا. فالسفينة ليست بعيدة. وحينما شاهد أنوار بلده تطل من بعيد خفق قلبه. وما أن رست السفينة على شاطئ الميناء حتى انطلق “مهوهوا” غير عابئ بصيحات الركاب وخوفهم أو هلعهم. وانطلق إلى حيث اعتاد رفاقه قضاء صباحهم. فوجئوا به قادما يلهث من على البعد. الكلاب نفسها لم تصدق أنه عاد. التفوا حوله يحركون رؤوسهم وذيولهم، وعيونهم تدور في رؤوسهم. حكى لهم أي عز رأى. وحكى لهم عن الناس والحرية والحب وعن البرد والمطر وعن الرفاهية. لكنه سكت فجأة عن الحديث. وسكتت الكلاب جميعا. وكان السؤال الذي ارتسم على وجوههم جميعا: “إذا كان ذلك هو حالك هناك، فما الذي عاد بك إلى هنا. آثر الكلب أن ينطق لهم بحكمته المأثورة: “يإخواني، الواحد منا لا يشعر بأنه كلب بحق وحقيق إلا في بلده”.هوهوت الكلاب وهمهمت مؤيدة. نظر في عيني مضيفه نظرة ثابتة قوية،  وقال له نعم. هو كلب ابن أصول. أظن أنني أعرفه حق المعرفة. وأظنه لم ينس موت أمه وأبيه وهو في غربته. وأظنه لم ينفصل تماما عن هموم أهله وأقرانه وخلانه. لم ينس الآلاف الذين حصدهم المرض ولا يزال يحصدهم كل يوم، ولم ينس  الآلاف الذين يعيشون حياتهم تحت سماء بلدهم في ظلها وفي حرها. هم أيضا يهوهوون فرحا أو حزنا، وهم أيضا يهزون ذيلهم طربا أو إحباطا. الكلب: صان الود. الكلب: لم يتصرف كفئران المراكب التي تعيش على خيرها لكنها تهرع إلى الشاطئ إذا ما أحست لحظة أنها على وشك الغرق. الكلب: لم يجتذبه بريق الحياة الزائفة. لم  تغره الأبواب المنزلقة والترف السطحي الرخيص. الكلب: أدرك في النهاية أن قيمته في أن يكون صادقا مع نفسه. كان صديقة ينظر إليه باهتمام شديد، وربما شعر بأن ضيفه يريد أن يلمح له بشيء من حياته الشخصية. وتصور للحظة أن صديقه ربما شعر بالإهانة. لكن ما أن انتهى الضيف من تعداد محاسن الكلب، حتى كاد أن يصفق له المضيف استحسانا وإعجابا. وحينما كان يسلم على المدعوين في نهاية الحفل كان يهز ذيله فرحا واغتباطا