عايــدة

كان صوت المطربة الشهيرة يتوسل في نبرة مفعمة بالرغبة والرجاء: “أنا أحبك حاول أن تساعدني، فإن من بدأ المأساة ينهيها”. وكانت هناك دمعتان جامدتان في عيني المرافقة السياحية التي كانت مستغرقة في سماع الأغنية من كاسيت صغير وضعت سماعتيه على أذنيها بإحكام. وكانت وفود السائحين قد بدأت في الوصول إلى المكان لحضور العرض المرتقب تحت سفح الهرم الأكبر.

من مكانه في مكتبه القريب كان لا يزال يرقبها كما كان يفعل دائما خلال المرات الكثيرة التي جاءت فيها بصحبة الفوج السياحي الذي ترافقه. ورغم الألفة السريعة التي جمعت بينهما، كان يحس دائما أن هناك حاجزا قويا لا يستطيع اجتيازه إلى قلبها. لم يكن يتصور حينما رآها لأول مرة أن علاقتهما يمكن أن تتعدى المجاملات اليومية العادية التي يتطلبها عمله وعملها. كانت تخفي ملامحها وراء نظارة سوداء وتقطيبة تخفي وراءها حزنا مكبوتا، ووراء الكاسيت، الذي لم تكن ترفع سماعتيه عن أذنيها إلا إذا كانت مستغرقة في العمل مع الفوج السياحي. حتى حينما استأذنته في الاستراحة في مكتبه إلى أن ينتهي العرض، كانت تغيب وراء سماعتيها ونظارتها السوداء. وكانت تمضي الوقت وهي تقلب إحدى الصحف أو المجلات وهي شاردة لا تكاد تركز على شي.

ـ “عايدة حبيبتي، ما أكثر سعادتي أن أراك ثانية.”

ـ “كف عن هذا. ما الذي تأمل فيه بعد ما جرى؟”

فوجئت به يركز بصره عليها وهي في نوبة من نوبات هذا الاستغراق. أفاقت فجأة كأنه اقتحم عليها خلوة خاصة، وبدا عليها الضيق للحظة. خلعت نظارتها فبدت عيناها مغرورقتين بالدموع. فركت عينيها بكفيها في عصبية، ونظرت إليه كأنها تنتظر منه أن يقول شيئا. تعلق بصره بعينيها الخابيتين المتعبتين، وقال: “معذرة، لم أقصد أن â €¦”. وصمت لبرهة وكأنما نسى ما كان يريد أن يقول. كانت لا تزال معلقة بصرها به كما لو كانت تراه لأول مرة. فجأة، بدأ وجهها يشي بظل ابتسامة بدت كأنها قادمة من بعيد، وراحت تكسو وجهها شيئا فشيئا حتى غمرته تماما. كانت عيناها لا تزالان مغرورقتين بالدموع حينما غمرت وجهها تلك الابتسامة المفاجئة فراحت تضحك دونما سبب واضح. ربما أرادت أن تبدد ذلك الشعور بالحرج الذي اكتنفهما للحظة.

ـ “الحب يقودني إليك يا حبيبتي، لن أحب سواك، وستكونين لي.”

ـ “لا تلوث نفسك بالحنث بالوعود. لقد أحببتك بطلا. ولن أحبك إذا أخلفت وعدك.”

رغم مرور السنين، ورغم كل محاولات النسيان، لا تزال تذكر جيدا ذلك اليوم الذي أخلف فيه وعده. كانت عايدة هي اللحن الذي غزلا منه ثوب عشقهما الذي صار محفورا في القلب وعلى تضاريس الجسد. وقال لها ذات يوم: ستكون لنا طفلة، وسيكون اسمها عايدة. صارت عايدة وعدا وأملا. صارت نجمة تبرق في سماء عشقهما الجارف. صارت شهقة اللذة والألم والمتعة والعذاب. لكن “عايدة” التي جمعتهما ذا ت يوم كانت هي نفسها التي افترقا على صوت نحيبها وهي تستمع مع حبيبها “راداميس” إلى ترنيمة موتهما. كان “راداميس” قد قرر بعد آلاف السنين أن يتخلى عن دوره التاريخي، وأن يؤدي دورا جديدا. ووسط دهشة الرواد وامتعاض أبي الهول، رمى بالنص، وخلع بزته الحربية وانطلق مهرولا إلى الصحراء المحيطة بالهرم. ترك عايدة وحدها تستمع إلى ترنيمة الموت وتلقى جزاء حبها فيما أغرته هو توسلات “أمنيريس” أميرة الجاه والسلطان. وسقطت النجمة كشهاب محترق.

في كافيتيريا الفندق الكبير الذي يطل على النيل احتواهما الصمت طويلا بعد عشاء روتيني بصحبة الفوج السياحي. وكانت ساعات الليل تمضي في تثاقل وهما يشعران بتعب يوم طويل. مدت يدها إلى حقيبتها الصغيرة وأخرجت الكاسيت، ووضعت سماعتيه على أذنيها بإحكام وهي تلقي ببصرها إلى السفن المتلألئة بالأضواء على صفحة النهر.

“يا من يفكر في صمت ويتركني للبحر، أرفع مرساتي وألقيها.”

وكان يتأملها في حزن وقد أدرك فشله بعد كل الوقت الذي أمضياه سويا في أن يخرجها من قوقعتها. وحينما هم بأن يغادر المكان، التفتت إليه فجأة وهي لا تزال مستغرقة في التفكير وكأنها في عالم آخر. رفعت ذراعها في ضعف ومدت يدها إليه وقالت في صوت واهن: “أرجوك، لا تتركني!”. في لحظة كانت قد اعتدلت في جلستها قبالته ورفعت السماعتين عن أذنيها ووضعت رأسها بين كفيها على المنضدة التي تتوسطهما وسادت لحظة توتر شديد وقد اختفى وجهها وراء كفيها وشعرها الذي انسدل حولهما. وحينما رفعت عينيها إليه، كانت تبكي. وسقطت دموعها على مفرش المنضدة الوردي اللون فبان أثرها واضحا. وكانت تركز بصرها عليه وهي تحاول أن تمسك دموعها. أما هو فقد أربكه الموقف. ومد يديه فأمسك بكفيها لبرهة فوق المنضدة محاولا تهدئتها.

ـ “إنك تعذبين نفسك”، قال لها وقد أحاط كتفيها بذراعه في حنو مرتبك. وكانت عيناها لا تزالان ترمقانه وعلى وجهها ابتسامة مضطربة، وبدا عليها أنها تود أن تقول شيئا. شجعتها نظراته المتعلقة بها، فقالت بصوت خفيض:

ـ “أريدك أن تعدني بشيء”. وهم بأن يقول شيئا، لكنها استمرت قائلة: “أريدك أن تكون هناك إذا احتجت إليك يوما. ربما لن يحدث ذلك أبدا، ولكني فقط أريد هذا الوعد؟”

تناهى إلى سمعها صوت راداميس الخفيض يتساءل في عتاب: “أو ترتابين في حبي يا عايدة؟”

واختلطت أنغام مارش النصر بدوي المدافع وصيحات الجنود وجوقات المنشدين تردد الدعاء بالمجد للفرعون والوطن. وانطلق صوت المطربة الشهيرة مفعما بالرغبة والرجاء:

ـ “وادوب لك في شرباتي شفايف الورد، وأقولك دوق، دوق، حلاوة القرب بعد البعد.”