أبيض وأسود

انطلق في الغرفة صوت الكروان محلقا في سماء الوادي تتابعه عينا فاتن حمامة التي ظلت تحاوره طيلة الفيلم منذ اللحظة التي غرز فيها خالها خنجره بقسوة أمام عينيها في صدر أختها هنادي: “عارفة عايز تقوللي إيه؟ تار هنادي مش ناسياه”. وانطلق صوت طه حسين: “أَتَرَيْنَهُ كَانَ يُرَجِّعُ صوْتهُ هَذَا التَّرجِيع حِينَما صُرِعَتْ هَنادي في ذلكَ الفَضَاء العَرِيضْ؟”

أوقف جهاز العرض وجسده ينتفض تأثرا وإعجابا بهذا الفيلم التحفة. لقطات كثيرة في الفيلم جعلت الدموع تطفر من عينيه مدرارا على خلفية الأداء المعجز لأبطال الفيلم وموسيقاه التصويرية التي أبدعها أندريه رايدر والتي كانت تشده دائما إلى مشاهدة أفلام الأبيض والأسود.

كان قد شاهد الفيلم من قبل. ولكن ذلك كان منذ عشرات السنين. وربما شاهده بعد ذلك على شاشات التليفزيون لكن لقطاته كانت باهتة وكان الصوت رديئا. أما النسخة التي شاهدها لتوه فكانت نسخة مرمَّمَة إليكترونيا أدهشه فيها وضوح الصورة ونقاء الصوت. صار اللونان أكثر حدة ووضوحا. لمعة العيون وبريق الدموع في مآقي فاتن حمامة وهي تبكي لسماع دعاء الكروان، ونحيبها على شقيقتها المغدورة: “هنادي وِينْ يامَّايْ؟ داعية عليكي يامَّايْ تتعذبي أكتر وأكتر”، ونظرتها الفاجعة إلى خالها عبد العليم خطاب ذي القلب المتحجر: “داري إيديك ياخال، دم هنادي بينقَّط منهم!!” تحيله روعة المشهد إلى يدي ماكبث تقطران دما في فاجعة شكسبير الخالدة.

هل أسهمت وحدته في هذا الشعور بالانقباض الذي خلفته مشاهدة الفيلم فترك لنفسه العنان كي يندمج مع أحداثه وأبطاله؟ أم أن ذلك كان عارضا لانسحابه وانطوائه واستغراقه مؤخرا في مشاهدة الأفلام القديمة غير الملونة؟

لماذا الأبيض والأسود؟ لماذا جفَت نفسه وعفَت ألوان هذه الأيام؟ هل عودته إلى الأبيض و الأسود هي جزء من خيالاته السابقة ورومانسيته التي دحرتها أيام العمر المنصرم؟

لا يدري متى استهوته هذه الرغبة القوية في العودة إلى مشاهدة تلك الأفلام. يحاول أن يتذكر. يحاول أن يتلمس السر الذي يجعله يقبع ساكنا لعدة ساعات أمام شاشة التليفزيون وهي تعرض الأفلام القديمة أو جهاز الفيديو الرقمي الذي يعرض هذه الأفلام بعد ترميمها بالتقنيات الحديثة والتكنولوجيا الرقمية وعرضها على اسطوانات الليزر.

أفلام “الصراع” القديمة: صراع في النيل، صراع في الوادي، صراع في الميناء. يوسف شاهين وصلاح أبو سيف، وعمر الشريف وهو يقول بلكنة صعيدية لم يكن قد أتقنها: بُويْ مات يا حسنين!! وأفلام “الفتوات” القديمة: “فتوات الحسينية” و “الفتوة” بطولة محمود المليجي وفريد شوقي وزكي رستم. “باب الحديد”، دُرَّة يوسف شاهين، ومشهد عبد الفتاح البارودي “مدبولي” وهو يستميل قناوي (يوسف شاهين شخصيا) كي يلقي بالسكين التي كان يحاول أن يقتل بها هنومة (هند رستم) بعد قصة حب فاشلة!! دموع لبنى عبد العزيز وهي تنهي إلى حليم عبر الهاتف في “الوسادة الخالية” أنهم: “كتبوا الكتاب يا صلاح!!” في أيام الصبا الفائت من زمن بعيد أحب زميلة دراسة كانت “الخالق الناطق” لبنى عبد العزيز. أدمن وقتها جمع صور لبنى والاحتفاظ بها وتعليقها في غرفته. يرد على دهشة المتسائلين بأن تمثيلها في الفيلم بهره، وبأنه شعر بأنها كانت تمثل له وحده. ضحك أحدهم ضحكة مدوية قائلا: ده انت خيالي قوي!! مثلت لبنى أيضا دور الفتاة المتشردة الثائرة “شَكَل” في فيلم “إضراب الشحاتين”. يجأر صوتها بالشكوى أمام شيخ الشحاتين، محمود المليجي:

– ناس تسرق وتشبع، وناس تنام ع اللضا !!

فيرد المليجي قائلا:

– أيوه. الخريطة لازم تتغير.

ويسألها كرم مطاوع في نهاية الفيلم:

– تتجوزيني ياشكل؟

– يحاااااانن!!

– إيه ده اللي يحنن؟

– يحنن قلبي عليك!!

ثم قبلة النهاية المعتادة في أفلام الأبيض والأسود.

مشاهد حليم في “يوم من عمري”، كان اسمه “صلاح” أيضا، كما في “الوسادة الخالية”، وزبيدة ثروت، في بداياتها الفنية، ولحن كمال الطويل الشجي “بعد إيه بعد إيه أبكي عليه واشتاق إليه؟”. تحية كاريوكا في “شباب امرأة”. حينما ماتت تحية نعاها المفكر الكبير إدوارد سعيد في مقال فريد في صحيفة عربية مرموقة. كان عنوان المقال: “وداعا تحية!!” وكان وساما من مفكر مرموق على صدر فنانة أبدعت عبر مسيرة فنية طويلة من الرقص الشرقي إلى التمثيل السينمائي والمسرحي. “بداية ونهاية”، تحفة نجيب محفوظ وأم السينما المصرية أمينة رزق. نجيب محفوظ يذكر له أيضا “الطريق” مع شادية ورشدي أباظة، و”الشحاذ” محمود مرسي. فريد شوقي وزوزو ماضي في “الأسطى حسن”، وأفلام أنور وجدي وحسين صدقي، ومجموعة أفلام ليلى مراد، ومحمد عبد الوهاب يصدح في أغنية عاشق الروح: “وحب الروح مالوش آخر لكن عشق الجسد فاني”، ودموع نجيب الريحاني المنهمرة تأثرا بالموقف الإنساني الذي وجد نفسه فيه، وتساؤل ليلى مراد في نهاية الأغنية: أستاذ حمام، هوَّه ماله؟ جرى له إيه؟

في الماضي البعيد، ربما منذ أكثر من خمسين عاما، في قريته التي نشأ فيها، وأمام المدرسة الابتدائية كان يشتري من الباعة صور الممثلين ولقطات الأفلام بالأبيض والأسود حينما لم تكن الألوان قد ظهرت بعد. يتذكر صورة لفاتن حمامة مع محسن سرحان. كان محسن سرحان يعمل سائقا على إحدى الشاحنات. تذكره الصورة بالمشهد الذي يهُمُّ فيه محسن بتقبيلها فتصده بحنان قائلة: لأ، فرمل!! لا يتذكر اسم الفيلم. الكثير من هذه الأفلام كان قد شاهدها في سينما بلدته الريفية في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن الماضي. الشحات “الخالد” خفيف الظل محمد فوزي يستجدي موعد غرام، وصوت ليلى مراد يشق سكون الليل في ساحة السينما الصيفية الوحيدة في البلدة: “يظهر صحيح اللي بتحكيه، غلبان يا روميو الشحاتين. أنا قلبي رق وأثر فيه صوتك، ياكبدي على المسكين.” ويرد فوزي متبتلا: “غلِّبني إيه إلا عنيكي!!” استيفان روستي في حواره مع ميمي شكيب وسط أغنية يا أعز من عيني قلبي لقلبك مال: “عاجبك كده؟ دي الحفلة اللي شورتي بيها؟ دي اللي كنتي ناويه تهزأيها؟ اللي ما في حد ما أعجبش بيها!!”

– ياشيخ سيبني في الغلب اللي أنا فيه!!

لا توجد لدينا، كما هو الحال في السينما العالمية، مؤلفات تضم العبارات الشهيرة في الأفلام المحفورة في أذهان المشاهدين، والتي تعبر عن عادات وتقاليد ومواقف تشكل في النهاية ثقافة الناس وأحوالهم على مر العصور.

تشده في هذه الأفلام موسيقاها التصويرية التي أنجز المئات منها فؤاد الظاهري ذو البصمة القوية الواضحة التي تجعلك تدرك على الفور أن هذه الموسيقى هي موسيقى هذا الفنان الراحل دون سواه. يتساءل في أسى: كم من الناس يذكرون الآن هذا الموسيقار العظيم؟

لكن “دعاء الكروان” كان تأثيره طاغيا. لحظات الصراع الداخلي الذي يؤجج مشاعر أحمد مظهر بعد أن استعصى عليه أن يستميل آمنه. تنافره مع ذاته التي يهرب دائما من مواجهتها. يقول عن نفسه: “أنا الشخص الوحيد اللي ما احبش أقابله. أخطائي نوع من الهروب. سين وجيم ولوم “. لحظات اكتشاف الحقيقة في مشاهد الفيلم الأخيرة:

– هنادي أختك؟

ياريتك قتلتيني بدل ما تخليني طول حياتي مُعذَّب!!

– هنادي ح تكون دايما بيننا.

– شقاؤنا غير محتمل إلا إذا احتملناه سوا.

مش ح نقدر نشوف الطريق إلا إذا مشينا وإيدينا في إيد بعض. متخليش الأموات يحكموا على الأحياء بالشقاء. انسي اللي فات وفكري في المستقبل.

– المستقبل مات يوم ما ماتت هنادي.

… “المستقبل مات يوم ما ماتت هنادي”.

تهزه العبارة بوقع مرير لا يقوى على احتماله. يتوجه إلى الشرفة في إعياء ظاهر. على مدى البصر، كانت أشعة الشمس الغاربة قد فقدت ألوانها، وتحول قرص الشمس إلى هالة شاحبة مجللة بالسواد.