سيفوس والقمر

وقف إسماعيل وسط المكتبة الكبيرة ورأسه الصغير يدور على كتفيه، معلقا بصره بأرفف الكتب التى امتلأت بها المكتبة. إسماعيل شاب فى مقتبل العمر، فارع العود، رقيق القلب، عاشق للأدب وللشعر الذى كان يدرسه فى سنته النهائية بالجامعة. وقف إسماعيل أمام أرفف الكتب، ووقفت أمامه سيفوس البائعة الجميلة اليونانية الأصل. كانت قصيرة تكاد أن تختفى خلف جسده الطويل الممتلئ، وهى تنظر إلى أعلى. إلى عينيه الحزينتين، وهو يقرأ بهما أسماء الكتب وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيه. قالتـ أما وجدت شيئا؟ 

تلاشت الإبتسامة على شفتيه، ومد ذراعه الطويلة وارتكز بها على رف من الأرفف. ونظر فى عينيها الخضراوين الجميلتين. وهز رأسه ولم يجب. نظرت إليه فى دلال عذب، ثم رمت ببصرها إلى رف الكتب الطويل، وعادت فنظرت إليه من خلف أهدابها، وسألته مرة ثانية: 

ـ أما وجدت شيئا؟ 

واستطردت كأنها تعد له مفاجأة لم يكن يتوقعها: 

ـ لقد وصل كتاب “علم الأخلاق” لأرسطو، وكتاب “جمهورية أفلاطون” و… لكنه هز رأسه فى أسى وقال: 

ـ آنستى، إن عندى كل هذه الكتب، لكنى… 

شجعته ابتسامتها الحبيبة إلى قلبه وهى تنظر فى عينيه، فأكمل: 

ـ ولكنى ماحضرت قط إلا… لأراك.. 

قال هذا وهو يحس بأنه ألقى من على قلبه عبئا كان يثقله. واستدار على عقبيه مودعا ذات العيون الخضر. 

لكن صوتها أتاه من خلفه رائعا عذبا، يتساءل: 

ـ أحقا؟ 

إستدار إليها مرة ثانية، وظلال غامضة تلون عينيه. قال، ولحن هادئ يترامى إلى مسمعيه من مقهى قريب: 

ـ صدقينى. 

تمتمت وكأنها تهمس إلى لحن بعيد: 

ـ حسن، فماذا تريد؟ 

فاجأه سؤالها، وكأنما اختلطت الأشياء أمام ناظريه، فراح يركز بصره فى عينيها، وقال بصوت رائق رخيم: 

ـ حسن، فماذا أريد؟ 

وهبت نسمة خفيفة لايدرى كيف اتخذت طريقها إلى داخل المكتبة، وتاه اللحن عن أذنيه، ونظر حوله، فوجد نفسه وحيدا، والكتب من حواليه. وفى آخر الممر كانت العيون الخضر تهمس من بعيد: 

ـ دقيقة واحدة من فضلك. 

وعادت سيفوس. سألها: 

ـ متى تتركين؟ 

ـ فى الثامنة والنصف. 

ـ ومتى يمكننى أن أراك، وأين؟ 

ـ هنا، وفى أى وقت. 

ـ وغير هنا؟ 

ودارت العيون الخضر فى وجه سيفوس فى قلق وجمود. 

ـ معذرة آنستى. أما كان لى حق فى هذا السؤال؟ 

جلجلت فى المكتبة قهقهة طفل صغير مر من أمامها. وهدأت عيون سيفوس وهى تنظر إلى إسماعيل من جديد، وقالت: 

ـ كلا بالمرة، لا تظن ذلك أبدا. 

ـ إذن يمكننى أن أراك بعد الثامنة والنصف؟ 

ـ نعم.. 

ـ متى ؟ 

ـ يوم الثلاثاء. 

ـ أين؟ 

ـ عند محطة الترام. 

] 2 [ 

أليست هذه محطة الترام؟ أليست الساعة الآن الثامنة والنصف؟ حسن. هذا شىء جميل. الناس هنا على محطة الترام كثيرون. كل هؤلاء قد جاءوا كى يشهدوا ميلاد حبى الجديد. ومن بعيد يطل النور من مقهى فاخر. وصديق قديم مر بى. لتلق التحية وتنصرف أيها الصديق، فإنى على موعد مع الأميرة. 

ودقت الساعة التاسعة. 

“مساء الخير أميرتى. هل أصدق عيونى؟ ترى إلى أى مكان تريدين الذهاب؟ 

“حلوتى، ماأجمل الشريط الوردى على رأسك كتاج من حب يافع.. 

“عزيزتى، ماذا تطلبين؟ 

“ليكن هذا. أما أنا فاحضر لى فنجانا من القهوة..” 

ـ أما تقولين شيئا؟ 

ـ تكلم أنت.. 

ـ بل أنت، حدثينى عن نفسك، وعن رفاقك، وعما لك من أصدقاء.. 

ـ إنهم كثيرون. 

ـ كثيرون؟ 

ـ نعم عزيزى. أتدرى؟ إنى أحب الحب، وقلبى ظامئ ظامئ. 

ـ سيفوس، الليل ياحلوتى طويل، وقلبى مثل قلبك ظامئ ظامئ. 

“حبيبتى، لتقتربى.. لتقتربى” 

وهمس فى أذنيها بكلمات شاعر: 

“مادامت لم تعد هناك فرصة، لنقبل بعضنا ونفترق..” 

ومرت غيمة سوداء غطت وجه القمر، وافترقا. 

مع آخر دقة من دقات الساعة التسع، كان إسماعيل يركب الترام إلى مكان بعيد، والغيمة السوداء تكسو عينيه ووجهه وهو يحس بالضيق والأسى وقد تعب خياله من نسج الحكايات. 

“إذن فلقد هربت ياسيفوس.. 

“لكن ماالذى كان يمكن أن يكون؟ 

“سيفوس، ياوحى الخيال.. الليل ياحلوتى طويل، وقلبى مثل قلبك ظامئ ظامئ.. 

“لتقتربى.. لتقتربى..” 

ارتفع صوت فرامل الترام، وتوقف فجأة. واهتز الركاب اهتزازة عنيفة. وتناثرت أفكار إسماعيل فى قلب الترام، ونزل فى أقرب محطة. 

قضى إسماعيل ليلتها مع رفيقيه محمود وشكرى. ليلتها لم يدرك أحدهم أن الساعة قاربت الثالثة صباحا، وإسماعيل يحكى لهم عن غرام الراعى والأميرة، ويتلو عليهم من شعره الغنائى الرقيق قصائد عن الحب.. “الحب المصلوب”.. و”الحب الذى ولد ميتا”.. 

وعندما عاد إسماعيل إلى منزله مر بمحطة الترام. كان المكان خاليا إلا من كلبين يدوران فى عرض الطريق الذى امتد أمامه واسعا فسيحا.. 

وفى الطريق مر بالمكتبة. 

كانت أبوابها مغلقة بإحكام. وتخيل سيفوس تطل من خلف أبوابها. ونظر إلى السماء يبحث عن القمر، لكن الغيوم كانت قد حجبته تماما. وهبت نسمة باردة أحس بعدها إسماعيل برذاذ يتساقط عليه من السماء. ولم يرفع رأسه، لكنه ظل مطرقا إلى الأرض، وقال لنفسه فى برود وثقة وكبرياء: 

ـ حسن، لابد أنها دموع القمر..