الصديقان

“دقت ساعة الجامعة الثانية والنصف”.. أعلنها الراديو، ثم انطلق بعدها اللحن المميز لنشرة الأخبار، وبدأ المذيع يقرأ موجزا لأخبار الظهيرة. إندفع الجرسون بجسمه الخفيف وقفز على مقعد أسفل الرف الموضوع عليه الراديو، وفى لحظة تحول الإرسال من نشرة الأخبار إلى أغنية لمحمد عبد المطلب.

فى جانب منعزل من جوانب هذا المقهى البلدى، كان يجلس شابان فى أواسط الحلقة الثالثة من عمرهما. وكان يومها يوما من أيام يوليو الحارة، ورغم الملابس الصيفيه التى كان يرتديها كل منهما، فقد كان أحدهما يلوح على وجهه بصحيفة فى يده أبلاها العرق، أما الآخر فقد أسند رأسه إلى ذراعه فى صمت، وحبات من العرق تبلل وجهه.

جلس الشابان فى ركن يكاد أن يكون مظلما. لكنه هو الركن الوحيد الذى يمكنهما من التطلع إلى ناصية الشارع الكبير الذى تتفرع منه تلك الحارة الضيقة التى يشغل المقهى ناصيتها. وبداخل المقهى وقف عامل بجوار “النصبة” وقد بدا عليه الإعياء من الوقوف طيلة اليوم. وجلس عامل آخر إلى إحدى المناضد الخشبية القديمة وقد وضع أمامه غداء بسيطا راح يتناوله فى نهم. أما الجرسون الذى بدت عليه بوادر النشاط والخفة منذ برهة فقد ارتمى على المقعد المصنوع من القش، أسفل الراديو، وراح يستمع إلى محمد عبد المطلب وهو نصف نائم.

ومرت لحظات ثقيلة من الصمت. كان صوت عبد المطلب قد اختفى تماما. والجرسون مد ساقيه بلا اهتمام على مقعد آخر، والرجل الواقف على “النصبة” كان قد جلس بلا اكتراث على مقعد قريب وراح يدخن كرسيا من المعسل، أما العامل الآخر فقد دفع صاغا واحدا ثمنا لكوب شاى ثقيل شربه بعد الغداء، ورحل.

ونظر أحد الشابين إلى داخل المقهى، ثم نظر إلى ساعته. كانت تقارب الثالثة. ومد يده إلى الجريدة البالية التى أمامه وبدأ يتصفحها ربما للمرة العاشرة. لكنه ثناها بسرعة وضيق، ونظر إلى صديقه الذى كان قد أخفى وجهه بين راحتيه وأسند رأسه إلى الحائط خلفه.

ـ مش تيجى نروح بأه؟

رفع الآخر راحتيه من على وجهه الذى ظهرت عليه آثار إجهاد وإرهاق، ونظر إلى صديقه بعينين حمراوين من شدة التعب، وسأله:

ـ هى الساعة بقت كام دلوقت؟

ـ الساعة تلاته. مفيش فايده. ماهياش نازلة النهاردة. تجيش نروح لها البيت وأمرك لله؟

وارتسمت على شفتى الآخر ابتسامة صفراء باهتة بلون التعب المرتسم على وجهه، وقال:

ـ وحياة أبوك بلاش تريقه.

واستطرد بعد برهة متسائلا:

ـ هى مين دى؟

لكن تساؤله لم يجد شيئا لأن صديقه كان يدرك تماما أنه يتجاهل شيئا فى أعماقه. وكان الجو كئيبا، فقام الأول بلا حماس قائلا:

ـ أبدا، مفيش حد، ياالله بينا.

ومد يده فى جيب بنطلونه، وأخرج قطعة من فئة القرشين ألقاها بلا مبالاة فى صينية الشاى التى أمامه، واستطرد محذرا:

ـ بس تانى مرة معدتش آجى من بحرى عشان أشرب شاى فى سيدى جابر.. سامع؟

ترك الإثنان المقهى. ووقفا برهة على ناصية الحارة. كانا طويلين يرتدى كل منهما بنطلونا وقميصا أبيض اللون. لم يدر أحد منهما إلى أى طريق يتجهان. ونظر كل منهما إلى الآخر فى ملل، ثم تقدم أحدهما خطوة فتبعه الآخر، وخرجا من الحارة إلى الشارع الكبير، وسارا تجاه الترام فى آخر الشارع فعبراه، ثم انعطفا يمنة بجوار معسكر مصطفى باشا الذى يحاذى الترام.

كان الشارع خاليا تقريبا، أو على الأقل لم تكن فيه زحمة الغادين إلى البحر أو العائدين منه فى يوم حار كهذا. وسارا جنبا إلى جنب ناحية الشرق. سارا فى صمت. لم يكن يطرق آذانهما فى هذا الوقت سوى وقع خطواتهما على الأرض السوداء وأبصارهما مسلطة على ظليهما اللذين امتدا أمامهما امتدادا بعيدا. انعطفا ناحية اليسار بعد أن شعرا بالتعب يشل أقدامهما، ووجدا نفسيهما على طريق الكورنيش. كانت حدة الشمس ساعتها قد بدأت تخف قليلا. وجلسا على أول مقعد حجرى صادفاه على الطريق. وقطع أحدهما الصمت الطويل قائلا:

ـ حنروح فين يااحمد؟

قال أحمد شاردا:

ـ أيوه صحيح، حنروح فين؟

ـ ناخد أوتوبيس ونرجع البيت..

_ لأ .. لأ .. البيت بلاش أرجوك.

ـ طيب نروح سينما؟

ـ كنت فى السينما امبارح..

قالها أحمد وهو ينظر إلى الأفق البعيد وعيناه تعانقان أحزان الشفق. لكن صديقه أحس بالكذب فى عينيه. فهو يدرى أنه لم يكن فى السينما، بل إنه لايحب السينما بالمرة. وبالأمس بالذات سلم أحمد عهدته فى شركة النور كى يتسلم فى أول الشهر عمله الجديد فى ديوان المحافظة. بالأمس عاد أحمد من شركة النور حاملا هم الدنيا والآخرة على كتفيه. فقد ودع هناك كل أصدقائه. وهناك أيضا، وربما فى مكان آخر بعيد، ودع “آنا” صديقته فى العمل التى عمل معها ثلاثة أعوام كانا فيها أكثر من مجرد زميلين فى عمل.

وقال له صديقه وهو ينظر إليه فى خبث:

ـ والفيلم باين عليه كان مؤثر قوى. ده إنت لسه زعلان من إمبارح..

لم يلق أحمد بالا لسخرية صديقه، وأجاب باقتضاب:

ـ مش قوى.

وأحس صديقه بأنهما يبتعدان أكثر من اللازم عن سبب الضيق الذى يلم بأحمد، والذى كان عليهما أن يناقشاه قبل أن يغادرا مسكنهما فى بحرى ليشربا الشاى والملل على المقهى البلدى فى حارة مأفونة فى سيدى جابر. وهم بأن يفاتح أحمد فى موضوع آنا، لكن أحمد قطع عليه الفكرة وقال ببرود:

ـ كان فيلم بايخ..

ولم ينتظر أحمد أن يطلب منه صديقه أن يحكى له قصة الفيلم. لكنه تململ فى مكانه، ثم اعتدل فى جلسته واضعا ساقا على ساق، وبدأ يحكى قصة الفيلم وعيناه تتابعان موجة عالية تكسرت ببطء على رمال الشاطئ مخلفة زبدا أبيض تلاشى فى لحظه.

ـ دارت حوادث الفيلم كلها فى ملهى ليلى بولاية أمريكية صغيرة. قصة حب وأدتها الظروف. سيدنى، المغنى الزنجى ذو الشخصية الجذابة والصوت الرخيم، يقع فى حب رولا، المغنية البيضاء زميلته التى اشتهرت بجمالها فى الولاية بأكملها، والتى حاول الكثيرون من أثرياء هذه الولاية وغيرها التقرب إليها والنيل مما لها من جمال أخاذ. ويستمر سيدنى فى العمل مع رولا أكثر من عامين بلغا فيهما درجة من النجاح لم يحلم بها أى منهما. وفى أحوال كثيرة كان سيدنى يعبر لها عن حبه. وكانت تبتسم له دائما وتقول له بخفة:

ـ ستموت يوما من تمثيلك هذا ..

وكانت رولا تتمسك دائما برأيها بأن مابينهما ليس سوى زمالة فقط.

ـ “نعم يارولا” قال لها سيدنى ذات مرة ” أنا أدرى ذلك، الأمر بالنسبة لى أيضا ليس أكثر من ذلك، لكن الزمالة عندى ارتفعت درجة حرارتها بشكل أصبح يؤرقنى. لقد أصبحت حمى. رولا ياحبيبتى، هلا خففت آلامى؟

وأحست رولا بالأسى الذى كان ينسكب من عينيه، وأحست برعشة مفاجئة كالحمى، وغطت عينيها الخضراوين سحابة من الدموع. لحظتها انقلبت الشاشة إلى مهرجان ضخم. كانت أجراس الكنيسة تدق وأسراب الطير تملأ المكان بألحان الحب. وفى المساء، وتحت الأضواء الساطعة، وقفا سويا على المسرح يتغنيان بالحب الذى “لاتعوقه عوائق، ولا تحول دون الوصول إليه آية حوائل.” وكان أحمد يترنم بهذه الكلمات فى هدوء واتزان عجيبين كأنه يلقى الحكمة الوحيدة التى استخلصها كل الحكماء والأحبة على مر الدهور. وكانت عيناه تستقران بعيدا بعيدا… عند النقطة التى تلتقى فيها السماء بالأرض. وتساءل فى نفس هدوئه واتزانه:

ـ ولكن، هل تنطبق السماء على الأرض حقا؟

وقام حسين من مكانه بتكاسل وهو ينظر إلى ساعته، وقال:

ـ وتزوجا طبعا.

قام أحمد أيضا من مكانه. وبدأ الإثنان يشقان طريقهما إلى بحرى. وبدأ أحمد يحس بالغيظ تجاه صديقه الذى كان يسير إلى يمينه مديرا وجهه ناحية البحر وبيده سلسلة مفاتيح قديمة راح يلفها على سبابته بلا مبالاة، وقال بعد فترة صمت نسى فيها كل منهما أين توقف بهما الحديث:

ـ ماتكمل.

وقال أحمد بقرف:

ـ ماليش نفس.

لكن لم تمر فترة صمت أكبر من الأولى حتى كان أحمد يتابع حديثه:

… وذاعت بين أهل الولاية حكاية حب سيدنى ورولا. وأحس سيدنى الأسود بأن المجتمع يترقبه ويتابع حكايته، ولم ير المجتمع فى حبهما التكافؤ الذى يجب أن يكون. وأحس سيدنى بأن المجتمع يضطهد حبه، ووجد أن عليهما أن يرحلا إلى عالم آخر حر ، ويتزوجا هناك. لكن رولا، وكانت الورقة الأخيرة لديه، لم تحس بحماس تجاه تلك التضحية. وزادت الحمى فى قلب سيدنى، وقرر أن يرحل وحيدا.

… وليلة الرحيل كانت آخر شىء فى الفيلم. ظهر كلاهما على المسرح. كانا يانعين كعروسين فى ليلة زفاف. وكان ممسكا بيده عود فل. أما هى فقد كانت تحتضن إلى صدرها فى حنان زهرة بنفسج. وتغنى الإثنان بأغنية الوداع. وكانت دموعهما تتساقط على وجهيهما بغزارة وهما يكرران كلمات الأغنية كأنهما فى كنيسة يرفعان الدعاء إلى ربهما الذى فى السموات راجيين الخلاص.

كان الصديقان لايزالان يشقان طريقهما إلى بحرى. وعندما انتهى أحمد من حكايته نظر إليه حسنين باهتمام: كان يبدو مجهدا، وكان الحزن يغلف عينيه الضيقتين فى قسوة. ولحظتها تأكدت فى ذهن حسنين الفكرة التى خطرت له منذ اللحظة الأولى حينما كذب أحمد عليه قائلا إنه كان بالأمس فى السينما. لحظتها أدرك حسنين أن أحمد يحب آنا حبا عميقا، وأن خياله خصب..

ولم يشأ حسنين أن يستثير صديقه ويلهب حواسه أكثر من ذلك، فعرض عليه أن يستقلا أى شىء يوصلهما إلى بحرى. وتبعه أحمد فى هدوء واستسلام. وكانت الشمس ساعتها قد غربت تماما مخلفة وراءها خيوطا صفراء سرعان ماطمسها الليل.