نهاية اللعبة

تركز بصره على الراقصة الشرقية وهى تهتز بعنف خلف غلالات الضوء المتراقصة المختلفة الألوان، وضربات الموسيقى الصاخبة تختلط مع نبضات قلبه، ونسمات آخر الليل الباردة تهب على الملهى الصيفى الكبير على طريق الهرم.

وقال لصديقه الذى انتحى به جانبا بعيدا عن صحبة الرفاق:

ـ ترى ماذا كانت تعنى؟

لكن سؤاله تبدد وسط ضجة هائلة من التصفيق والصياح إثر انتهاء الرقصة. ماكان سؤالها العابر ليثير كوامن نفسك إلى هذا الحد لو لم يكن حبها لايزال نابضا فى قلبك. ومن خلال عينيها الخضراوين وابتسامتها الشفافة التى ارتسمت على وجهها الملائكى أطل خيالك على الماضى الذى جمعكما معا. وشعرت بنشوة عميقة مفعمة بالأسى، وخفق قلبك فى لهفة. ترى هل يعود الحب؟ وازدردت لعابك فى صمت ولم تقل شيئا.

ـ لم تقل لى أين ستمضى ليلة رأس السنة؟

عادت نبراتها المنغمة تهمس فى أذنيه بالسؤال.

عامان مرا. وكان حبك ذات يوم قنديلا ضوَّأَ أيام حياتى. وتفتحت عيناك الخضراوان فى مرفأ حياتى الساكن، فماج وصخب، وأحسست بأن للوجود معنى.

بدت ليلتها بالغة الجمال والرونق، وبدوت أنت وسيما على غير عادتك. كنتما كعروسين وأنتما تشقان الطريق وسط رواد الملهى إلى منضدة أمامية.

ـ إلى أين؟

تسأليننى؟ وأنى لى أن أعرف؟ ترى هل ضللتنى عيناك وشدتنى إلى بحار لاأتقن العوم فيها؟ لكم كان الطريق وعرا، لكن المنطاد كان يرتفع شيئا فشيئا. وهمس القبطان فى أذن الملاح قائلا: نصحتك بعدم الإقلاع لكنك تجاهلت نصيحتى، فهيا اربط حزامك لأننا على وشك السقوط.

وانفجر المنطاد فى وسط الطريق وهوى الملاح ساقطا فتحطم. وعلى بعد سحيق تراءى له القمر شاحبا حزينا. وعلت ضحكتك ليلتها على كل الأصوات. ترى هل كانت الملاحظة طريفة إلى هذا الحد؟

ـ صدقينى، هكذا يقولون عليه فى قريتى حينما يبدو على هذه الحال.

ـ ياحبيبى، لقد شربت اليوم كثيرا، هل يخنق القمر؟

بعينى هاتين بكيت ذات ليلة وأنا أقطع الحوارى بطول القرية وعرضها وسط أطفال القرية نغنى للقمر أغنية حزينة وخيالنا الطفولى يصور لنا أنه يتعرض لعملية تعذيب سماوية. “حاس حاس بطلوا خنق القمر واسمعوا دق النحاس”.

قالت أمى إن بنات الحور يحاولن خنقه لكنها لم تذكر السبب، وتبادلت مع أبى نظرات خبيثة وقالت: أدخل نام.

ليلتها لم تنم. ورحت تجرى فى حوارى القرية حافى القدمين. وجرحت زجاجة مكسورة بطن قدمك. ومع ذلك فقد ظللت تجرى وتجرى وتجرى..

ظننت يوما أنك جريت العمر كله كى تصل إلى قلبها. وشعرت بالإرتياح، ورضيت بالجائزة. لكن الجائزة سرقت منك مابين يوم وليلة. كانت العاصفة قوية والموج صاخبا. ولمحت نفسى فى عينيك عاجزا لاحيلة له. وتشـبثت بالأهـداب لكنا غرقنا معا.

وصاح الكمسارى:”كله ينزل..العـربية ح تدور..”.

وخطر له أن الكمسارى يضطهده فقرر ألا ينزل، وكر به الأوتوبيس عائدا.

أطلق ضحكة عالية مصطنعة، وسرعان ماكسا الجمود وجهه، وجحظت عيناه، وأطل منهما التعب الشديد. وقال له صديقه:

ـ أما آن لنا بعد أن نعود؟

فأجاب بلا اكتراث:

ـ ماأبعدنا الآن عن طريق العودة.

فى اللحظة الفاصلة بين العامين ضمها إلى صدره بقوة وهمّ بتقبيلها، لكنه صاح قائلا: “أين وجهك ياحبيبتى؟”

أزاحته عنها برفق.. أرجوك.. أكاد أختنق..

هل أغنى لك أغنية حزينة؟ حاس حاس بطلوا خنق القمر واسمعوا دق النحاس..

يومها انتهت اللعبة. وجمع النادل أوراق اللعب وأكواب الشراب، ومنحه بقشيشا كبيرا فأوصاه بمشاهدة الفقرة التالية.

على المنصة انتصب القاضى والمحلفون. وحملق أمامه فى دهشة. ولكز صديقه متسائلا: ماهذا؟ هل هى محاكمة؟ أفمذنب أنا أم غير مذنب؟ (الجوقة تصيح: غير مذنب).. وانعكست صورته على صفحة عينيها محدثة صوتا كصوت انهيار الجليد. ولمح نفسه بملابسه غير المهندمة وشعره المشعث وقدميه الحافيتين.. وقال على استحياء:”هأنذا قد عدت إليك وقد قضى المحلفون بأنى غير مذنب..”. ونظر إليه الحشد بعيون ملؤها الأسى والإشفاق فقال:

ـ لم تكن المعركة متكافئة، وطعنت من الخلف، وفوجئت بمنافسى وقد أخرج من كمه جوكرين، فهل أنا مذنب؟ (الجوقة تصيح:”غير مذنب”).. ولكنى لم أسلم، واستمت فى اللعب، لكنهم جردونى من كل شىء، وتركونى وحدى، ودنا النادل منى قائلا:

ـ لقد انصرف الجميع ، ونحن على وشك الرحيل..

وتشبثت بالنادل قائلا: لا. ليس غيرك من يدافع عنى. أنت تعرف كل شىء. وليلتها دنوت منى قائلا: منضدة أمامية مخصوصة لاتغلو عليك. أفمذنب أنا أم غير مذنب؟ (الجوقة تصيح:غير مذنب(.

فى طريق العودة دائما نحسب مقدار الربح والخسارة. كان الجيب فارغا والقلب محملا بالأحزان. وانطلق من الزجاج الخلفى للسيارة سهم طائش أصاب الرأس والقلب معا، وخلف إحساسا بالدمار والفناء.

وقال له صديقه مرة ثانية: هيا..

وانتصبت أمام عينيه الأشباح كأنها شواهد قبور.