ليلة فرح مجاهد

وانا دخلى إيه فى الحكاية دى يا “أسطى” جواهر؟

– دخلك إيه؟ بقى ده كلام ياأستاذ؟ دا إنت الأستاذ وأي واحد من تلامذتك بظفر اللى مايتسمى ده.

انفجر مختار فى الضحك متسائلا:

– – انتى بتقولى إيه ياجواهر؟ أستاذ إيه وتلامذة إيه؟ إنتى عايزه إيه بالضبط؟

– لأ. إنت بقى عايز تكسفنى وتسود وشى قدام الناس. هو يعنى فؤاد صوته أحسن من مين؟ حبايبك شكرى وعاطف وأيوب ولاّ حتى ابن إمام اللى ماطلعشى من البيضة. لاعليك سوى أن ترسل إلىّ واحدا منهم. ولسوف أقدمه على أنه فؤاد المصرى نفسه، وخللى ابن عزيزة يتدلل علىّ بعد الآن.

– ياست جواهر ده مش ممكن. إحنا كده نروح فى داهية!

جواهر بإصرار وعناد شديدين مغلفين بدلال ونعومة:

– ياأستاذ مختار، وهل أهل “المسعده” فاهمين حاجة ؟ وهل كانوا رأوا فؤاد أو سمعوه؟ إبعث إلىّ بشكرى، ده صنعة إيدك ياأستاذ وسترى كيف “سيلعلع” فى الفرح.

بدت على مختار علامات التصديق.

– “وانا مالى”، كاد أن يقولها، لكنه هز رأسه فى ثقة وقال:

– أنا ياست جواهر سأرسل لك شكرى، وأنت حرة معه.

لم تكن جواهر فى حاجة إلى وقت طويل لإقناع شكرى بالقيام بدور فؤاد المصرى. كان قد رآها من قبل عدة مرات فى أفراح مختلفة. لكنه فى تلك المرات كان يراها من بعيد أو على المسرح. وكانت لقاءات عابرة. هاهي الآن تستقبله فى بيتها وتحييه بود شديد كما لو كانت تعرفه منذ زمن. أدهشه لأول وهلة أن جواهر لم تكن هى تلك المرأة التى تعود على مرآها على خشبة المسرح وقد برزت مفاتن جسدها وغطت وجهها المساحيق ونكشت شعرها فوق رأسها وعلى كتفيها وهى تقوم بحركات كثيرة مصطنعة لإسترضاء جمهورها. لقد بدت هذه المرة أصغر من حجمها الطبيعي ومن سنها الطبيعي. وبدت كما لو كانت خارجة لتوها من الحمام. وفى ردائها المنزلي البسيط وبشرتها الخمرية الغضة وشعرها المنسدل على كتفيها وهو لا يزال مبتلا بدت له فتاة وديعة جديرة بالحب والإهتمام. وامتلأت الغرفة بعبير صابون معطر. وحينما دنت منه واجهته بنظرة مباشرة وجادة. وحكت له المسألة باختصار. تكاد عيناها السوداوان لاترمشان. وأردفت طلبها بالإطراء عليه وعلى صوته وقالت له إن قبوله لطلبها هذه المرة سيكون فاتحة خير عليه وعلى فرقة البلابل.

يبدو أن شكرى نفسه لم يكن فى حاجة إلى إقناع. وقد قال لنفسه من هو فؤاد المصرى فى نهاية الأمر. لقد كان شكرى يقلد عبد الحليم حافظ فلا يستطيع أحد أن يميز بين صوتيهما. وكان أيضا يحفظ بعض أغانى الأفراح المشهورة فى ذلك الوقت مثل قولوا لمأذون البلد ييجى يتمم فرحنا، ودقوا المزاهر يالله يااهل البيت تعالوا، ووالله فرحنا لك ياولد وأمك داعيالك، وغيرها. كانت جواهر لاتزال ترمقه بنظرة ثاقبة وقد انفرجت شفتاها عن ابتسامة واثقه بأن طلبها لن يرد. وقال شكرى:”على خيرة الله”.

فى “الجرن” الكبير فى عزبة “المسعدة” – وهو ساحة فسيحة يقوم فيها الفلاحون بدرس المحاصيل كالقمح والأرز – إكتظ أهل القرية من رجال ونساء وأطفال، ولعلعت أضواء الكهرباء الساطعة الصادرة عن مولد كهرباء متنقل، فالكهرباء لم تكن قد دخلت القرية بعد. وفى مقدمة الساحة نصب مسرح صفت عليه مقاعد للعروسين وأفراد الفرقة الموسيقية.

شعر شكرى بهيبة الموقف. فتلك أول مرة يغنى فيها على مسرح أمام جمهور كبير. ثم إنه سيغنى باسم مستعار أو بمعنى أصح باسم منتحل. يعنى انتحال شخصية مطرب. وهذه قضية يمكن أن تؤدى إلى السجن. فى خضم الأفكار التى دارت فى رأس شكرى كانت جواهر قد أعلنت فى مكبر الصوت: “والآن مع المطرب الفنان الأستاذ فؤاد المصرى.”

وشعر بالأيادى تدفعه من خلف الستار الذى كان يغطى مكانا أعد كغرفة يقوم فيها الفنانون بإعداد أنفسهم للظهور على المسرح.

موجة عارمة من التصفيق والتهليل والزغاريد استقبلت شكرى وهو يحاول أن يتماسك أمام الميكروفون. والعازفون يلعبون بأوتار آلاتهم الموسيقية لضبطها. وأمسك بالميكروفون وراح يتطلع فى وجوه الحاضرين فى الصفوف الأمامية، ويتنحنح، ثم ينظر إلى الوراء حيث الفرقة الموسيقية والعروسان. لكنه شعر أن من بين الجالسين فى الصف الأمامى من يبحلق فيه بشكل غير عادى. توجه مرة أخرى إلى الفرقة الموسيقية وشغل نفسه مع أفرادها لبضع ثوان محاولا أن ينسى ذلك الشخص الذى يحملق فيه. لكنه ماأن عاد ببصره إلى الصفوف الأمامية حتى رأى نفس الشخص الذى بدا أنه يتفحص وجه شكرى باستغراب. ثم راح يتبادل الحديث مع المدعوين عن يمينه وعن يساره وهو يشوح بيديه كما لو كان يقسم بأيمان مغلظة. وفجأة ترك مقعده وتوجه إلى خشبة المسرح. كان صوت الموسيقى والطبول قد بدأ يطغى على كل الأصوات. وبدأ شكرى يدندن باللحن الذى سيتغنى به، لكنه شاهد ذلك الشخص قادما نحوه وخلفه بعض الأشخاص يحاولون التهدئة من روعه وربما منعه من التوجه إلى خشبة المسرح. وتناهى إلى سمع شكرى صوت الرجل وهو يردد:

– وكتاب الله ده شكرى ابن عم أحمد.

وفجأة وجده أمامه وجها لوجه. وحملق فيه الرجل قائلا:

– “وكتاب الله إنت شكرى ابن عم أحمد”، ثم موجها حديثه إلى الناس الذين التفوا حوله وفى صوت مرتفع يحاول أن يغطى به على الضجه التى أثارها:

ـ شكرى ابن عم احمد الجناينى ياولاه، هو أنا تايه عنه؟ أقطع دراعى إذا ماكانش شكرى ابن عم أحمد.

فى هذه اللحظة هرب الدم من وجه شكرى ابن عم احمد وقرر الهروب. وفى دوامة الهرج والمرج التى سادت المسرح بين مؤيد ومعارض، أفلت شكرى وراء خشبة المسرح، ثم انطلق إلى الحقول متوجها إلى الطريق الزراعية على أمل أن يجد سيارة تقله إلى بلدته. لايدرى كم من الوقت مضى وهو يجرى بصحبة عدد من أصدقائه الذين انقسموا بين من يحاول إقناعه بالعودة وبين مؤيد لقرار الفرار.

بعد لحظات بدت الأنوار الساطعة كبقعة مضيئة فى قلب ذلك الظلام المحيط بقرية “المسعدة” بعيدة عنهم. لكن صوتا قويا كان يشق السكون ويصل إليهم عبر مكبر الصوت:

ـ الأستاذ فؤاد المصرى يعود إلى خشبة المسرح ! الأستاذ فؤاد المصرى يعود إلى خشبة المسرح!

وأدرك شكرى أن تلك كانت محاولة أخيرة من جواهر لإعادته إلى الفرح، لكنه لم يكن وقتها فى حالة تسمح حتى لصوته بالظهور. وغطى الطريق ضوء سيارة قادمة من بعيد، حينئذ تنفس شكرى الصعداء. ولم يهدأ إلا حينما انطلقت السيارة من جديد قاصدة بلدته.