خلف الله عليك يازين العرسان

أخرج الأوسطى أمين الحلاق منديله الأبيض من جيبه، ثم بسطه على يده اليمنى وهو يصلى على النبى داعيا الله أن يتم الفرح على أهله بالخير. ووسط المدعوين الذين التفوا فى دائرة أمام المنزل الذى تنتشر على واجهته اللمبات المضيئة بكل لون، راح الأسطى أمين يدور وعلى لسانه العبارة التقليدية التى ورثها أبا عن جد والتى يحيون بها ليلة كتلك.

“خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان.. خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان..” خمسة عشر عاما وأنت تردد هذه العبارة فى ليالى الأفراح، وكثيرا مابح صوتك وأنت تردد كلماتها المنغمة..

ومن كل مكان امتدت الأيدى إلى المنديل الأبيض محملة بقطع النقود محبة فى الليلة وأهل الليلة.. خلف الله عليك ياسى محمد يامندور وعقبال الفرح عندك.. خلف الله عليك ياسى عبد المنعم ياشراع وعقبال الفرح عندك.. خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان.. خمسة عشر عاما.. وكثيرا ماشاركت فى الأفرح بنقودك.. كان أبوك كريما.. ورثت عنه الكرم.. والستر أيضا. خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان.. خلف الله عليك ياسى نجيلى ياصاوى وعقبال الفرح عندك.. ياطالما رميت بنقودك فى كفوف الأسطوات من أمثالك.. “خلف الله عليك ياأسطى أمين يابو العلا وعقبال الفرح عندك”.. ضاعت تلك الأيام.. ضاعت.. “خلف الله عليك ياأسطى أمين أول وثانى وعقبال الغلمان”.. مرت ثمانية أعوام منذ أحيى المعلم جابر ليلتك..رحمك الله يامعلم جابر.. كانت ليلة أنس.. خلف الله عليك يارشدى أفندى يابصل وعقبال الغلمان.. خلف الله عليك ياحاج محمود يابو ليلة وعقبال الغلمان.. وعقبال الغلمان..وعقبال الغلمان.. مرت ثمانية أعوام.. ثمانية أعوام.. خلف الله عليك يامحمد أفندى ياهاشم وعقبال الفرح عندك.. خلف الله عليك ياسى على ياجمعه وعقبال الفرح عندك..خلف الله عليك ياسى محمد ياشعبان وعقبال الغلمان.. خلف الله عليك ياسى محمد ياشعبان أول وثانى وعقبال الغلمان.. خلف الله عليك ياابن عم العريس وعقبال الفرح عنك.. خلف الله عليك ياخال العريس وعقبال الفرح عندك.. خلف الله عليك ياابن عمة العريس وعقبال الفرح عندك.. خلف الله عليك ياأخ العريس وعقبال الفرح عندك.. خلف الله عليكم ياأهل العريس أول وثانى وثالث وعقبال الفرح عندكم.. زغرودة ياحبايب العريس.

وانطلقت زغاريد.. وثقلت يد الأسطى أمين بالنقود.. وعلا صوته وحمى وهو يدعو الله أن يخلف على الناس وأن يكثر من أفراحهم.. وظهر العريس وسط الأضواء المتلألئة.. وهتف الأسطى أمين بحماس وهو يتقدم منه: خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان.. أوسعوا الطريق وصلوا على النبى.. وأتحفه العريس بجنيه كامل.. لكم هى مباركة الليله ياعريس.. لأنك بنت حلال يازينب وسع الله على أبواب الرزق.. كان الله فى عونك وعوضك خيرا.. ليلتك أنس.. هذه الليلة سيكون فيها العوض بإذن الله.. خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان.. والغلمان هذه المرة سيكثرون ويكثرون..

] 2 [

خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان.. خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان.. كانت أصداء هذه الكلمات لاتزال ترن فى أذنى المعلم صابر بعد أن عاد من الفرح منهكا وقد هده الإعياء.. لقد رقص المعلم صابر الليلة كثيرا فى فرح أخيه عبد المعطى الموظف بالمصنع.. لكنه حينما عاد إلى بيته الصغير ووجد نفسه وحيدا فى حجرته الصغيرة تلفه الظلمة الداكنة وزوجته ممددة إلى جواره على السرير العتيق ذى الأعمدة السوداء شعر بهم ثقيل لم يستطع له تفسيرا..

واستلقى المعلم صابر على ظهره وراح يحملق فى سقف الحجرة الخشبى محاولا أن يبدد غيمة الهم التى ظللت وجدانه.. وقال لنفسه: لقد مرت الليلة على خير وفرحنا جميعا وجاملنا كل أصحاب الواجب، ففيم الغم والهم.. ونظر إلى زوجته التى كانت قد خلعت رداءها الأحمر الفاقع اللون الذى أعدته خصيصا لهذه الليلة وارتمت على السرير فى إعياء وراحت فى نوم عميق.. نرجس.. وعشرون عاما عاشاها معا.. ويوم علم الناس بزواجك من نرجس أقاموا الدنيا ولم يقعدوها.. وأمك ماتت حانقة عليك.. وأبوك كان يأمل فيك الكثير.. لكنه مات وأنت بعد فى العاشرة من عمرك.. وعبد المعطى تزوج اليوم.. والزوجة بنت أصل.. عشت عمرك تربى عبد المعطى حتى صار موظفا فى المصنع.. وتزوج من صفية كريمة الحاج محمود الريس تاجر الأقمشة.. وأنت يانرجس..حتى اليوم لاأعرف لك أبا.. لكنى مع ذلك أحبك.. وأحب حسن وعزيزة وأحمد الذين أخلفتهم لى.

وتناهت إلى سمعه أنفاس أبنائه الذين ينامون فى حجرة مجاورة.. ودعا الله بقلبه أن يبارك فيهم جميعا.. ثم استدار إلى زوجته منتشيا وذكريات الصبا تتداعى فى مخيلته..

عاش المعلم صابر طفولة شقية ولم يفلح فى المدرسة الأولية التى الحقه بها أبوه. وعمل مع أبيه فى المقهى الصغير الذى كان يمتلكه وقتها. أما أخوه عبد المعطى فقد استمر فى دراسته حتى حصل على دبلوم التجارة الثانوية..

وكان زواجه من نرجس نزوة من النزوات الكثيرة التى حفلت بها حياته.. ولا يزال الناس يذكرون كيف حلت نرجس وأمها بالبلدة ذات يوم من مكان بعيد ربما ظل سرا بعد ذلك لسنوات عديدة.. وعاشتا وحيدتين فى البلدة الصغيرة.. وسرعان مانسجت عنهما الحكايا وتكاثرت الأقاويل.. ولم يفلح عبد المعطى فى إثناء أخيه عن الزواج من نرجس.. ولعل ذلك أدى إلى شىء من الفتور فى العلاقة بينهما.

وفى هذه الليلة تزوج عبد المعطى.. وحضر المعلم صابر وزوجته الفرح كغريبين.. ورقص المعلم صابر كثيرا بين جموع المدعوين الذين احتشدوا أمام المنزل الذى تزين فيه العريس على عادة أهل البلدة والأسطى أمين يعلو صوته بين حين وآخر: خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان.. خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان.. وحينما خرج العريس من المنزل واستقل العربة المزينة بالورود ولمبات الكهرباء واندفع معه الكثيرون من رفاقه إلى داخل العربة لم يجد المعلم صابر لنفسه مكانا.. وألقى بنفسه على ظهر العربة وهو يهتف بحياة العريس والجميع يردون عليه

ولما زف العريس إلى منزله فى آخر الليل صحب المعلم صابر زوجته إلى داره وهو يحس بالسعادة لأن الله أتم الفرح على خير.. لكنه حينما وجد نفسه وحيدا أحس بالإنقباض.. وتنهد بصوت مسموع.. ودمعت عيناه وهو يتقلب حول نفسه.. واهتز السرير الحديدى القديم محدثا صوتا.. وقالت له زوجته وهى تفتح عينيها بعد إغفاءة طويلة: أما زلت مستيقظا؟ ونظر إليها المعلم صابر.. كانت عيناها تبرقان فى الظلام.. ووجهها الأبيض ينير مكانه.. وشعرها الأسود الناعم مبعثرا فوق الوسادة.. وتسللت إلى أنفه رائحة عطر باقية من أثر الفرح.. خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان..خلف الله عليك يازين العرسان وعقبال الغلمان.. وانفرجت شفتاه عن ابتسامة وقال: وأنت، أمازلت نائمة؟..

ولم تجب. لكن عينيها كانتا تنظران إليه وكأنهما تقولان له فى عتاب ودلال: هوه أنا كنت نمت؟