الحب في مصعد معلق

أسند ظهره إلى جدار المصعد، ورفع بصره إلى أعلى يتابع بعينيه تتالى الأدوار من خلال الأرقام المضيئة باللون الأخضر. ووقفت هى قبالته وقد خفضت وجهها ناحية الأرض وخصلة من شعرها الأسود الفاحم تغطى جبهتها.

توقف المصعد فى الطابق الأخير من المبنى ذى الأدوار الثلاثة عشر. إتجها إلى حديقة السطح الخاصة بالفندق الكبير الذى يشغل المبنى. ألقيا نظرة شاملة على أرجاء الحديقة. إتجها إلى ركن قصى، واستقلا مقعدين متقابلين تحت ضوء خافت.

شعر بالصمت يحك ظهره ويقتحم عليهما المكان ويتخذ مقعدا بينهما، فأبرز أسنانه ووضعها على المائدة، وقال لصديقته:

ـ ماأجمل الليلة..

مدت يدها إلى المائدة، وتناولت أسنانه ورمت بهما فى فمه فشعر بالإهانة، ولزم الصمت.

كان صوت المصعد فى صعوده وفى هبوطه كصفارة الإنذار التى تقطع الصمت بينهما بين لحظة وأخرى. حينما ضمهما المصعد لأول مرة منذ بضعة شهور، لم يتمالك نفسه. إحتضنها بعنف، وقبلها وهو يشعر بنشوة متصاعدة وهما يرتفعان شيئا فشيئا إلى الطابق الثلاثين.

… تعودنا على ارتياد المصاعد فى العمارات الشاهقة. رقعة صغيرة من الأرض، وأربع حيطان متقاربة، والحب لثوان فقط.

ومع اختلاف الفصول، صعدنا كثيرا وهبطنا كثيرا.

كان يحلو لهما الهبوط فى أواخر الليل حينما تخلو حدائق السطح تماما من الرواد، وحينما تبدو على وجه النادل الأسمر الذى يرقبهما من بعيد دلائل الرغبة فى النوم. … حينئذ نمتلك المصعد.

قال وهو يرفع عينيه عن قدح الشراب ويلقى بنظرة خابية إلى أسفل المبنى:

ـ لقد خلا الميدان..

قالت بلهجة ساخرة:

ـ إلا من اثنين فقط، أليس كذلك؟

ـ نعم، إثنان فى مصعد.

إفتر ثغرها عن ابتسامة مقتضبة، وأشعلت سيجارة، فقال لها:

ـ لم نلتق منذ زمن..

قالت بعد برهة صمت:

ـ بل يخيل لى أننا لم نلتق أبدا..

ـ أراك متعبة الليلة..

هزت رأسها فى أسف، واغرورقت عيناها بالدموع..

خفت صوت المصعد. أحقا ماتقولين ؟ يالها من حقيقة تبعث فى القلب الأسى. تمسحت بقدميه قطة صغيرة، لكنه حينما هم بالتقاطها فرت بعيدة عنه.

رفعت صديقته ياقة معطفها الجلدى حول رقبتها وقالت:

ـ هيا بنا..

توقف أمام المصعد، ونظر إلى جانبه. لم تكن هناك. نظر حواليه. كانت تهبط الدرج فى هدوء وهى منكسة الرأس.

إنفتح باب المصعد فجأة. تردد برهة فى الدخول. أغلق الباب، وهبط المصعد.

وجد نفسه وحيدا. وهبت نسمة باردة. ألقى بنظرة من أعلى السلم. لمحها هناك تتدحرج على آخر درجات الطابق السفلى.

ضغط على الزر. وتابع ببصره المصعد وهو يرتفع إليه كأنه نعش.

تردد برهة فى الدخول إلى المصعد، لكنه سرعان مادفع بنفسه إلى الداخل مغمضا عينيه. وهز رأسه لامباليا وهو يقول:

ـ لامفر..