حلم كراكيبو

فى اللحظات الفاصلة بين الغسق والغروب وقف فى شرفة بيته القديم يرقب حدثا اعتاد رؤيته كثيرا.

فى تلك الفترة بالذات كانت البلدة ، بشوارعها وحوانيتها وسكانها، تستأنف نشاطها لفترة مابعد الظهيرة . ومن شرفة منزله الصغير كانت تتناهى إلى سمعه الأصوات الصادرة عن أبواب الحوانيت والتى كان معظمها قد استبدل من أبواب خشبية إلى أبواب مصنوعة من الصاج وكان أصحاب الحوانيت يسعدون بصوت “كركرة” هذا الباب الجديد الذى يفتح من أسفل إلى أعلى.

ومن مكانه فى الشرفة أيضا كان يشاهد أصحاب الحوانيت أو صبيتهم وهم يرشون الماء أمام حوانيتهم التماسا لنسمات الهواء الرطبة. وسرعان ماتدب الحركة فى المقهى المجاور ويلتئم شمل صحبة من الأصدقاء )الأفندية( على مقربة من المقهى وقد جذب كل منهم مقعدا وراحوا يشغلون أنفسهم بالحوار بصوت عال أو بتبادل النكات أو مطالعة الصحف أو بمجرد تناول المشروبات وتدخين “الشيشة” والفرجة على خلق الله الرائحين والغادين .

فى لحظات قليلة تكتمل عناصر الصورة ويبدو المسرح مهيئا لحدوث شىء ما. وفى جزء من الثانية يبرز كراكيبو من إحدى الحوارى. ولبضع ثوان تالية يخيم الصمت التام . لقد توقف الجميع عن الحركة انتظارا للخطوة التالية.

لم يكن أحد يدرى على وجه التحديد من سيقوم بالخطوة التالية ومتى وأين. ولكن سرعان مايسمع صفير خافت من مكان ما يتبعه صوت ناب من مكان آخر . كراكيبو يقف على ناصية الحارة متأهبا. وهاهى اللحظة الفاصلة ، لحظة المواجهة. من بعيد وفى نغمة رنانة ومستفزة يصله الصوت “كاراكيبوووو” . كراكيبو يضع ذيل جلبابه بين أسنانه ويستعد للإنطلاق جهة الصوت. فى هذه اللحظة تتعدد الأصوات من جهات كثيرة.

وسرعان مايتحول الشارع إلى ساحة يتبادل فيها كراكيبو قذف الحجارة مع الصبية والجرى وراءهم وهو يسبهم بأقذع السباب.

أصبح المنظر مألوفا لدرجة أنه لم يعد يشد انتباهه كثيرا. عدا أنه فى هذه المرة كان يشعر أن قطع الحجارة التى كان الصبية يقذفون بها كراكيبو تكاد أن تصيبه هو. وكان يشعر بالألم فى كل مرة يرى فيها كراكيبو وقد ضيق عليه الصبية الخناق بمشاكساتهم العنيدة. وقفز من الشرفة وهو يشعر بأنه يطير فى الهواء متوجها إلى حيث حاصر الصبية كراكيبو. لم يتمكن من اختراق الحصار الذى ضربوه حوله. حاول باستماتة. شعر بالعرق يتصبب منه وهو يحاول أن يشق طريقه إلى داخل الدائرة. تمكن أخيرا من تشتيت الصبية الذين كانوا قد التفوا حول كراكيبو. فجع لمرآه وقد تكوم فى جانب قصى من الشارع وحوله آثار دماء. اندفع نحوه وأمسك بكتفيه لكى يستند به إلى حائط مجاور، وكانت الصدمة الأخرى التى أصابته بهلع شديد وراح يحملق بشده فى وجه كراكيبو وهو لايصدق مايرى. لقد خيل إليه أنه أمام مرآة مجسمة وأن الشخص المصاب والمكوم فى ركن الشارع وتغطى الدماء وجهه ليس كراكيبو وإنما هو نفسه وقد سالت الدماء من وجهه ولطخت ثيابه. تحسس جسده فلم يشعر بشىء ، ونبت عنه صرخة مكبوته، واستيقظ من نومه فجأة على يد زوجته وهى تهزه برفق وتطلب منه فى صوت خافت أن يعتدل فى نومته.

حملق فى سقف الحجرة المظلمة وتمتم قائلا فى دهشة: هذا الحلم العجيب مرة أخرى!.. لقد مرت سنوات عديدة منذ آخر مرة زار فيها بلدته. وهو لايدرى متى بالضبط مات كراكيبو، لكنه فى سنوات الغربة الطويلة كان دائم السؤال عنه. وعلم أنه حينما مات خرجت المحمودية كلها وراءه، وبكاه الكثيرون.

وفى غمرة الشعور بالإرتياح راح يسترجع تفاصيل الحلم. وهاهو يعود بذاكرته إلى سنى الطفولة الأولى حينما كان يقف فى تلك الشرفة فلا تكاد قامته تصل إلى حافتها. ومن بين أعمدتها الحجرية وفى ساعة الأصيل كان يرقب دائما هذا الحدث الغامض. وكان يسمع عبارات استعصى فهمها على عقله الغض: كراكيبو، ياعمتى ، ياإيد الكانون. ماذا كانت تعنى هذه العبارات، ولماذا كانت تستفز كراكيبو وتكاد أن تفقده صوابه.

وفى ليالى السهر الطويلة المعبقة بصوت أم كلثوم ودخان الحشيش وحكايات ألف ليلة وليلة وأدهم الشرقاوى والتى تنطلق من الراديوهات العتيقة التى كانت تدور بالبطاريات السائلة كانت تنسال إلى وجدانه الطفولى حكايا مثيرة عن بطولات خياليه حير بها كراكيبو ألباب البشر.

سمع أباه يقول ذات يوم: كراكيبو كان “زينة الحتة” وخيرة بنيها، الله يجازى أولاد الحرام.وسمع أمه تقول : لو كان كراكيبو بعافيته لما جرؤ أحد على أن يمسه بكلمة أو أن يتعرض له بسوء. ولم تفسر له هذه الكلمات شيئا.

حاول أن يعود إلى النوم مرة أخرى لكن خيل إليه أن مجموعات من الصبية كانت لاتزال تحتل أركان الغرفة وهى مدججة بقطع الحجارة