الهوة

إختلطت فى رأسه الصغيرة مئات الصور وصوت أبيه يرن فى أذنيه باللوم والعتاب. وفجأة أجهش بالبكاء.

الدموع الغزيرة تغرق وجهه الصغير. إثنا عشر عاما لم يتعداها. وكثيرا مالامه أبوه لأنه يمضى كل وقته فى اللعب. وشكا منه الكثيرون من أهل الشارع ومن أهل المدرسة. ماذا يريد هؤلاء القوم؟ المدرسة صباحا والمدرس الخصوصى بعد الظهر وبقية اليوم مشاوير منزلية. وبعد ذلك يلوموننى، رغم أننى لست أبلد التلاميذ. يقولون شقى. ألا يفهمون معنى أن يستمتع المرء بحريته. ويستكثرون علىّ أن أشاهد فى المساء فيلما فى تليفزيون المقهى المجاور. وآه لو يفهموا سر غيابى عن المدرسة. خمسون تلميذا يتكدسون فوق الأرائك الخشبية العتيقة. الضجيج وكتمة الأنفاس. والمعلم المعقد ذو العصا الغليظة المضلعة الجوانب.

وكثيرا مالمحه زملاؤه يتلكأ فى وسط فناء المدرسة المشمس فى أى وقت. وكثيرا ماضاق بالمدرسة ومن فيها. ذلك البناء الكالح اللون. وهؤلاء التلاميذ الأشقياء الذين يجعلون من فناء المدرسة كل فسحة حلبة للمصارعة. والتراب. فى كل مكان. فى الهواء. وعلى المناضد. وعلى وجه ذلك المعلم الذى يأتى من قريته متأخرا كل صباح فيلقاه الناظر بوجه أغبر ينعكس أثره على أفعال المعلم طيلة اليوم.

فما أجمل الخضرة إذن حينما تنتشر فوق رقعة واسعة من الأرض. وما أجمل أن تتسلق شجرة التوت فتأكل ماطاب لك من ثمرها. أكثر من مرة طاردنى فى الحوارى لأننى شئت أن أمضى ليلة جمعة فى القرية المجاورة.

خفت ضوء المصباح البترولى ذات ليلة حينما قارب الليل منتصفه. كان أبوه جالسا يدخن نارجيلته بعد أن عاد من نوبة المساء فى المصنع. وفى طريقه إلى المنزل أخبره المعلم أن إبنه لم يذهب إلى المدرسة منذ يومين.

تفحص أركان المنزل فى صمت فلم يجد له أثرا. كظم غيظه. وبعد منتصف الليل استقل دراجته إلى القرية المجاورة.

القمر. لؤلؤة تبتسم للكون. فوق أحمال الأرز المحصود لتوه كان الأطفال يمرحون ويجرون هنا وهناك.

“أنا الغراب النوحى النوحى.. قعدتك على سطوحى ..

“يابونا.. ضربونا.. يابونا.. ضربونا..

“هيــــــه…هيــــه.”

سقط على وجهه إثر صفعة على قفاه. وشعر بيد غليظة تجره من خلف قميصه. وأطبق الصمت على المكان.

تبعثر رفاقه بعيدا عنه. وغاب القمر.

لفحه الهواء البارد والدراجة تشق طريقها بسرعة. وانكمش خلف أبيه مدركا أن شوطا جديدا من الصفعات ينتظره فى المنزل.

توقف أبوه على قارعة الطريق. أمام قسم الشرطة. ماأعجب ذلك.

ـ إنزل.

ـ يهرب من المدرسة، لم يعد لى معه صبر.

هوت على وجهه صفعة قوية. وصرخ بشده “حرمت يابا”. وهوت صفعة أخرى. تشبث بيد الشرطى التى ألهبت وجهه، ونظر إلى أبيه: اللعنة على كل العالم.

أبى؟ محال أن تكون.

وأحس بجسمه الضئيل يفقد كل قواه فى يد الشرطى. ماجدوى أن تقاوم؟ وتحجرت عيناه على الأب الذى وقف بجوار الشرطى لايحرك ساكنا: “آية غربة تلك التى تفصل بينى وبينك الآن. لم تعد أبى.”

الهوة السحيقة تفصل بينى وبينك. لاتجادل. ومهما تعالى صراخك فى السب واللوم والعتاب فلن يجدى صراخك بشىء. ولو جريت مابقى لك من عمر كى تقطع تلك الهوة الواسعة التى تفصل بيننا فلن تصل. أبدا. لن تصل.

الشرطة؟ وعلى قارعة الطريق؟

ماأظن أنك سترى الإبتسامة المشرقة تملأ وجهى يوما ما. لم تعد لك سوى أسنانى. عبثا تحاول استمالتى. وفانوسك الرمضانى الصغير، ليتحطم. إنى أرفضه. إنى أرفضك. عبثا تحاول استمالتى.

وذات يوم ضربنى بعنف. وبكيت. قلت لجدتى: أتدرين معنى أن يطفش الإنسان؟

ضربت بيدها على صدرها بشده وقالت:

ـ إياك أن تتفوه بذلك أمامه. سيقتلك.

وذات يوم قتلنى.

كانت شهادة الفترة الثانية مليئة بالدوائر الحمراء. وقلت لابأس اليوم من مشادة جديدة وبعض الصفعات. لم أتوقع أنه سيركلنى. تهاويت. كان القمر يطل علىّ من الشرفة. وأغمضت عينى على مرأى دموعه.

وتعالى حولى صراخ وضجيج. مات الولد. مات. وحملتنى جدتى وهى تبكى. وتعالى الصراخ. ودبت على سلمنا الخشبى أقدام ثقيلة. مات الولد. هل تجىء الشرطة لتأخذه؟ وهل يهوى ذلك الشرطى الكئيب على وجهه بالصفعات واللكمات كما هوى على وجهى ذات يوم؟

مات. قليل من الماء.

فى الجنازة لم يكن أبى سائرا خلفى. كان يطل على نعشى من خلف قضبان الزنزانة.

هدير من البكاء يصم أذنى. ماأبأس أن يبكى الرجال. ولدى.. ولدى.

أفقت لأجد نفسى أحتضنه ويحتضننى. آية معجزة تلك؟ فى اللحظة التى تقتلنى فيها أعود إليك.

كان الليل يقترب من منتصفه حينما اختلطت فى رأسه الذكريات. وأجهش بالبكاء. كان وحيدا. والمصباح البترولى يتنفس ببطء. مسح دموعه عن وجنتيه، وشعر بشىء من الإرتياح. ونظر من النافذة. كان القمر يبتسم.