حدث في يوم الحصاد

لكأنما مرت عليه آلاف السنين وهو جالس فى السرادق الضخم، وآلاف المعزين يقبلون ويدبرون ، وقد اكتست وجوههم بملامح مختلطة من الحزن والهلع والجهامة والترقب. وانتشر أفراد عائلته الذين يفوق عددهم الحصر فى أرجاء السرادق يتلقون العزاء فى فقيدهم وكأنما أصابهم الذهول لفقدهم المفاجئ لرب العائلة. هاهو الموت يصفعهم ويصعقهم جميعا. من كان يتوقع أو يتصور أن يحدث ماحدث؟

“…. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام”، صوت المقرئ الشهير يصدح فى سكون المساء مخترقا حجب الظلمة التى تلف القرية، ومتجاوزا حدودها إلىماحولها من قرى أخرى صغيرة.

وطافت بذهنه آلاف الصور وهو مطرق الرأس دامع العينين. “إنطفئى.. إنطفئى أيتها الشمعة الضئيلة.. ماالحياة إلا ظل عابر.. ممثل بسيط، يقضى ساعته على المسرح فى خيلاء، ثم لايسمع له صوت.. إنها حكاية يرويها معتوه، حافلة بالضجيج والضراوة، خالية من أى معنى.” وتراءت له تحت جنح الظلام ساحرات أسطوريات متشحات بالسواد وقد انفجرن فى الندب والعويل. وكاد صوتهن أن يغطى على كل ماحوله من أصوات. ورفع بصره بتثاقل. كان الصوت صادرا عن بيت العائلة الذى لم يكن بعيدا عن السرادق. وشعر بقلبه يهوى بين ضلوعه وهو يرى الظلمة تكتنف البيت وما حوله. هذا البيت العظيم.. تربت فيه أجيال وأجيال.. وكان يوما قبلة لكل القرى المجاورة. إنه بيت له تاريخ. وتخيل أمه متشحة بالسواد مرة أخرى. كانت قد خلعته بعد سنوات قليلة من وفاة أبيه الذى أحبته حبا عظيما. وكان يظن أن أباه آخر الأزواج، كما كان يتوهم أنه آخر الأبناء. لكن ماأن مضى وقت قصير على وفاة أبيه حتى تزوجت أمه من جديد. إنه كثيرا مايتساءل هل أن أمه مزواجة حقا، أم أن حظها سيء؟

ولم يكن زوج أمه غريبا عن البيت وأهله. كانت هناك دائما صلة ما بينه وبين أبيه، رغم أنه لم يعرف حقيقة عمله تماما. آخر مايذكره عنه قبل زواجه بأمه أنه اختلف مع أبيه، ربما حول أمور تتعلق بالأرض أو بالقرية عموما. ولكن حينما وقعت المحنة، وسقط أبوه ذات يوم وهو يجلس بين شيوخ العائلة، وقف زوج أمه بجانبها وقفة عظيمة شهد بها الجميع. قال البعض ساعتها إنه أغراها بمعسول القول، وقال البعض إنه طامع فيها وفى ثروة أبيه. لكن أمه تغاضت عن كل ذلك واحتضنت الرجل. وكان عند حسن ظنها به، وأظهر فى البداية من ضروب التفانى والرغبة فى التضحية ماخيب ظنون الشامتين والمتقولين. لكن ماأن مرت سنوات قليلة حتى بدأت الأمور تأخذ طابعا مختلفا. أصيب البيت بشروخ خطيرة. وغادره أبناء كثيرون إلى المدينة أو إلى الخارج إلتماسا لرزق أو معرفة، واكتظ بكثيرين غيرهم من الأبناء والأحفاد الجدد. وكثرت المسئوليات، ولاحظ أهل القرية أن رب البيت أصبح يوليه ظهره. وعادت الأقاويل تملأ القرية من جديد. قال الناس إن الرجل لم يعد يأبه بشىء بعد أن حصل على كل شىء: الزوجة والبيت والأرض والثروة. وأصبحت له اهتمامات أخرى غير البيت ومن فيه. وضاقت القرية بمطامحه، وتجاوزت أحلامه حدود الزمان والمكان، وأصبح يحلم بمجد عظيم. وكثرت عنه الحكايات الغريبة. وفوجئ به الناس ذات يوم يحاول إشعال النار فى البيت. قيل يومها إنه اختلف مع الأم، ربما أيضا حول البيت والأرض وأقاويل الناس. لكن الأم طيبت خاطره، هكذا قيل، ومنحته كل ماأراد.

وظن الجميع أن العاصفة قد مرت، وأن الأمور هدأت فى البيت الكبير. إلا أن الرجل منذ ذلك الحين لم يعد أبدا كما كان. ويوما بعد يوم تعمقت خلافاته وعداواته ليس فقط مع أهل بيته ولكن مع كثيرين من أهالى القرى المجاورة. وشيئا فشيئا وجد نفسه وحيدا، فاقد الود مع الأهل والعشيرة، وشعر بأسى شديد، وانطوى على نفسه فى حزن وعناد ومكابرة، وازدادت تصرفاته خشونة وجفاء.

وبالأمس طيّر الخبر إلى جميع الأبناء أن أباهم قد قتل. وكان للخبر وقع الصاعقة على الجميع.

كان قد توجه مع الجميع إلى حقول القمح. وكان يوما من أيام الحصاد. كان يروق له دائما أن يقف على رأس الحقول الممتدة على مدى البصر، يشاهد الحصادات الحديثة تجوب الحقول وتحصد السنابل الذهبية وتحولها إلى تلال من الخير.

ولا يدرى أحد حقيقة ماحدث.

باغته عيار ناري فى لحظة. وأعادوه إلى البيت ملفوفا فى عباءته السوداء وقد رسمت دماؤه خطا قانيا متقطعا مابين الحقل والبيت.

….

ولكأنما مرت عليه آلاف السنين وهو جالس فى السرادق الضخم يضطرم ذهنه بآلاف الصور.

“…. هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكّر أولوا الألباب”.. ووجد نفسه يجهش بالبكاء، وشعر بآلاف الأيدى تربت على ظهره، وآلاف العيون تحدجه من كل صوب. وراح يتفرس الوجوه من حوله كأنما يبحث عن شخص ما. كان الليل قد دنا من نهايته، لكن الصبح أيضا لم يكن قد ظهر بعد. فقط، هناك، بعيدا بعيدا، على بعد بلايين الأميال، ربما عند النقطة التى تلتقى فيها السماء بالأرض، كانت أمارات الفجر توشك على الظهور. وتعلق بصره بتلك النقطة فى استماته أملا فى أن يرى أول شعاع للصبح.