فقيدنا العزيز

رفرف الطائر بجناحيه المجهدين وهو يقترب بصعوبة من السور الأعلى للبرج. وحط فجأة على مقدمة المنظار المكبر وهو لايزال يرفرف بجناحيه، وصرخت الفتاة التى فوجئت بالقلعة تتعرض لهجوم طائر أسطورى.

الطائر الأسطورى لم ينعم بلذة الوصول. دار دورتين حول السور، وشعر بحبات العرق تتسلل إلى عينيه. ألقى نظرة إلى أسفل. الرحلة الطويلة المضنية. ثم أدار محركات الهبوط.

رفعت الفتاة رأسها لبرهة فى صدر الشاب وهما يرمقان الطائر وهو يهوى صوب الأرض. ورفعت عينيها إلى عينيه اللتين كان يغلفهما الأسى ويطل منهما الرجاء. “اعطنى الحب!”. ونظر إلى الأرض البعيدة ومرارة الفشل تحفر نفسها على ملامحه الحزينة. “اعطنى الحب!”.. واتسعت حدقتا عينيها شيئا فشيئا. واكتنفت الدائرتان الخضراوان كل أحلام الماضى والمستقبل.. ورأيت فى عينيك كل المدائن التى حلمت بغزوها لكنى حينما تحسست جنبى أدركت أن سيفى قد علاه الصدأ خلال رحلة الصعود المريرة، وكان الغمد يترنح مع الريح كجيفة معلقة.

قالت له وهما يهبطان السلم الضيق متجهين نحو المطعم المتحرك:

ـ لم أقصد أن أجرح مشاعرك..

أطرق ناحية الأرض وهو يرقب أقدامهما تهبط الدرج درجة درجة، وحينما رفع رأسه اصطدم بصره بالنادل الضخم وهو يبرز له أسنانه البيضاء ويفسح له الطريق إلى منضدة قريبة.

وجلسا وجها لوجه. وللحظة واحدة اصطدمت نظراتهما بعنف، فأدار رأسه ناظرا إلى الأفق البعيد من خلال الحاجز الزجاجى. وشعر بأشياء كثيرة تتحطم فى داخله، وبغيمة كثيفة من الحزن تلفه وتبعث ببرودة الموت فى كل جسده. وثبت بصره على السحب البعيدة المتحركة، واستحالت السحب نعوشا مزركشة تتراقص أمام عينيه، شالته وحطت به فى مكان بعيد.. على طريق الهرم.

تفتحت كل زهور الحديقة، ورفرفت فى سمائها أسراب من الحمام الأبيض، ونظر فى عينيها نظرة عميقة.. أحلام الماضى والمستقبل.. كل المدائن ترفع أعلام السلام، والأميرة تلوح بمنديلها الوردى لطائر الشباب الذى بدا على بعد سحيق يرفرف بجناحيه القويين متجها صوب مدينة الأمل..

ودفن وجهه فى راحتيها وهو يقبلهما. إحتضنته بعينيها وتناولت راحتيه، ونظرت إليهما وبدت على ملامحها امارات التفكير..

ـ أتقرأين الطالع؟

ـ قل لى إلى أى مدى تقدر نفسك أقول لك من أنت..

ـ لست أدرى ولكنى أظن أنها لاتساوى كثيرا..

وضغطت على راحتيه برفق. فوجئ بالنادل الضخم الذى كان لايزال ثابتا فى مكانه وقد أبرز أسنانه البيضاء. وقالت وهما يرتشفان القهوة بعد وجبة مقبضة:

ـ لم أكن أتصور أنك ستتأثر إلى هذا الحد..

ـ لاعليك، فأنا الملوم الوحيد.. هكذا قالت لى العرافة ذات يوم .. “سأريك الخوف فى حفنة من تراب”.. وذات يوم سينصبونك أميرا على مملكة الرعاع، لكن إياك أن تنسى الرعية والزم حدود إمارتك.. ستكون الملوم الوحيد..

ـ لم يدعوا لى فرصة للخيار.. أتعذب من أجلك أنت.. لم أسبب فى حياتى أذى لأحد..

وانفجرت فى البكاء.

أشعر بأحزانى تطفو فوق دموعك.. أنا أيضا لم يدعوا لى فرصة للخيار. وفى كل صباح تطالعنى عيناك الحزينتان وأنا أبدأ رحلة النهار باحثا عن فقيدنا العزيز فى شوارع المدينة المحاصرة. وحينما أعود بعد رحلة النهار المضنية صفر اليدين تشيعنى نظراتك المتسائلة وأدفن وجهى فى وسادتى. وفى الرحلة الليلية الكئيبة يعجز الفكر عن الرد على تساؤلات القلب الحزين.. فقيدنا العزيز..حرمنا حتى من البكاء عليه..

وقال له صديقه:

ـ غارت عيناك وتقوس أنفك وأنهكت قواك، أفلم أحذرك من المجازفة؟

ـ كانت اللعبة صعبة حقا، ولم أكن قد أتقنت قواعدها بعد، فخدعت، ومثل بى، ووجدت نفسى فى حلبة المبارزة بلا سيف.. وحينما لم يجدوا المباراة مثيرة انصرفوا عنى جميعا، ووقفت وحدى فى الخلاء ألعق أحزانى كالكلب.. وغدا سأعلن عن بيع نفسى فى عامود البضائع المستهلكة..

ببطء شديد كان المطعم يتحرك ناحية الغرب. وعانقت عيناها آخر خيوط ضوء مختنقة للشمس التى كانت قد استحالت قرصا من الصفيح المحمى.. وشعر بكل أمنيات العمر معلقة بالخيط الواهى الذى يربط بين عينيها وبين القرص الصفيحى.. وأسبلت رموشها فجأة فتوارى القرص خلف الأفق الداكن. وشعر بالمطعم يدور ويدور ويدور..

استجمع نفسه قليلا وقال لها:

ـ هلا انصرفنا؟

ـ لكنا لم نتحدث بعد..

ـ ….

لم يعد هناك مايمكن أن يقال.