بقايا العمر

بقايا العمر
أو أيام الشيخ حسين أبو الجود الأخيرة

…ونادى مناد فى القرية معلنا أن الشيخ حسين أبو الجود قد مات وأن الصلاة عليه العصر. وترحم  عليك القوم . تمنوا لك ألف رحمة. ردت الروح لخالقها. ورجعت النفس المطمئنة لربها راضية مرضية.

قد كنت تعلم إذن بدنو النهاية. ومنذ أقعدك المرض قبل سنوات بدا الأمر وكأنك فى نزال يومي مع الموت. يراوغك وتراوغه. يدنو منك ويحاورك. وربما قضيتما معا ليال طويلة تتحاوران وتتساومان. أفهل استسلمت أم سلمت الروح طائعا؟

لم تكن عالما أو شيخ طريقة أو صاحب جاه. ولم تكن هتلر أو موسولينى أو تشرشل كي تسجل أيامك الأخيرة فى  حوليات الزمان. وكنت واحدا من بسطاء كفر نكلا: إحدى آلاف القرى التى احتضنها النيل عبر آلاف السنين فوهبها الحب والحياة  ورواها بالكرم والعطاء. وكالنيل كنت معطاء كريما. هكذا عرفك أهالى قريتك الطيبون فى رحلة عطاء الثمانين عاما. وعشقت الحياة فى عمرك المديد الذى ربما استكثره عليك البعض. ورن فى أذني عزاء ذلك الصديق الذى لم يعرفك:”ثمانون عاما ؟” ده عمر كويس”،  قالها برضى متجرد وقد زالت علامات التأثر التى رسمها على وجهه حينما شد على يدى معزيا، وخلته يقول بلغة هذه الأيام:”ثمانون ألفا؟ ده سعر مش بطال أبدا”. وابتسمت رغم حزني الطاغى عليك.

وقد كنت أراك قابعا فى مكانك على تلك الأريكة العتيقة تسبح بحمد الله فى صمت. وربما كان يتراءى لى أيضا فى زاوية من زوايا الغرفة المظلمة شبح خصمك جالسا القرفصاء ممسكا بمنجل كالح قديم قدم البشرية ماكنت أظنه عاد يستخدمه فى قبض أرواح العباد. لكن هكذا كانت صورته المحفورة فى مخيلتى منذ حلمت به ذات ليلة فى أيام مرضك الأولى.

كانت قد مرت بضعة شهور على وفاة أحد رفاق عمرك المديد. فى غربتى حلمت به ذات ليلة ممسكا ذلك المنجل الكئيب بإحدى يديه ، وأمسك بالأخرى عرجون نخل ذابل جاف وراح يكنس هذه الغرفة التى شهدت أيامك الأخيرة. كان يقوم بذلك فى حمية عجيبة وهو يجلس القرفصاء وقد تجهم وجهه وتناثر الغبار فى أرجاء المكان. رأيت فيه الموت مجسما. وكان حلما مقبضا ومؤرقا.

وقد كنت أراك قابعا فى مكانك على تلك الأريكة العتيقة تلقى ببصرك من خلف نظارتك الطبية السميكة على أحفادك القادمين  من “بلاد بره” وهم يرطنون بالإفرنجية. وترتسم على طاقم أسنانك الذى أصبح موضع شكواك الدائمة فى السنوات الأخيرة ابتسامة حائرة غير قانع ولا راض بما تسمع: “سارة معها الجنسية وحسين معه الجرين كارد.أحمد يبحث عن عقد فى الخليج وطارق تزوج من هولندية “. تنزلق الكلمات على ذاكرتك الواهنة لاتريد أن تسمع المزيد عن البعد والغربة والفراق. فقد كنت أعلم ماينزل بك من حزن وألم كلما ودعت واحدا من الأبناء حتى لو كان السفر إلى مدينة مجاورة. وترتل بصوت خفيض:”وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم”.
</p><p>
وقد رأيتك كثيرا تركز بصرك فى طبق الطعام تقلب بلا اهتمام ولا شهية ماتناثر فيه من فتات وكأنك تقلب بقايا أيامك. وتبدو أحيانا غير واع بما يدور حولك. لعلها جولة أخرى من جولات النزال مع الغريم. يستحيل الطبق رقعة شطرنج باتساع العمر. يتوه بصرك الكليل فيها فلا ترى سوى قفر أجدب، لاجنود ولا بيارق. اختفى الفرسان من الساحة وتكسرت فى زواياها الرماح. لاأحد. لاأحد. فقط أنت وهو. وتضيق الرقعة عليكما شيئا فشيئا. اللعبة تدنو من نهايتها. يتأهب الغريم للإنقضاض. ترفع رأسك بغتة. يرتد الغريم  وتكسو ملامحك نشوة الإنتصار.

شامخا تقف بين المعزين تتلقى العزاء فى نفسك. وحولك مابقي من الأبناء والأحفاد. والليل يمضى، والسرادق يكتظ بالمعزين من أحبابك ومن مريديك. ويصدح صوت القارئ بدعاء ابراهيم الذى كنت تعشقه وترتله ترتيلا.

“رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى، ربنا وتقبل دعاء”

“ربنا اغفر لى ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب.”

تبكى من فرط التأثر، وترتل مع القارئ:

“وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال”.

تتعلق بك العيون فى حب وإشفاق وأنت تردد :

“ألم أقل لكم ؟ ألم أقل لكم ؟”.

حينما انفض السرادق وانصرف المعزون، لجأ إلى الأريكة  العتيقة. إعتلاها كأنها سفينة نوح. لفه الصمت والظلمة وشجن الفراق. “أتذكّر العام الذى لن يراك ولن تراه. ترى من منكما فقد الآخر؟” تدفق فى العقل شلال جارف من الذكريات. وراح فى غفوة. وحينما أفاق على صوت الآذان، شعر بنسمات الفجر تحيطه من كل جانب كأنها مرايا مكللة بالسواد.