آخــر الأحزان

فتح عليه باب مكتبه فجأة ، وجحده بنظرة كسيفة ملؤها الحزن، وقال له فى نبرة يغلب عليها العتاب:

” هيا ياأستاذ ، ألن تسير فى جنازتى ؟ “

انتفض في مكانه مندفعا الي صديقه ، لكنه سرعان ماكان قد جذب الباب خلفه واختفى.

لملم أوراقه على عجل ووضع رأسه بين كفيه فى حيرة وبؤس شديدين.

مات المغازى ضرغام.

وبعدك أيها الصديق كيف ستكون الأيام؟ وقد كنت رفيق العمر فى رحلة الغربة الطويلة. منذ أيام قليلة كان قد نقل إلى المستشفى فجأة. ذلك الجسد المسجى.. وتلك الغيبوبة الصاعقة التى دهمتك على غير توقع. وحولك التف الأهل والأصدقاء..المغازى ضرغام.. المغازى ضرغام.. ردد إسمه وهو ينظر اليه فى كمد.. كان مغمض العينين وقد وضعت فى أنفه وشرايين ذراعيه أنابيب طبية.. وحول السرير أجهزة تتحرك فيها مؤشرات وتومض فيها أضواء خضراء وحمراء.. هاأنت تباغت الجميع بالغياب الأبدي.

واقتحمت العقل آلاف الذكريات فتعطل لحظة.. أتلك نهاية الغزوات أيها الرفيق ؟ وهل ثقلت عليك الأحزان وفاضت بك الغربة والنوى؟

“الحزن فاض الحزن فاض.. عبد الناصر بعد رياض”.. لماذا أتذكر الآن هتافك الذى انطلقت به فى ذلك اليوم الذى عصر فيه الحزن قلوب الملايين من البشر.. وكنا نسير فى شارع 26 يوليو متجهين إلى ميدان العتبة حيث قامت قومة الأمة لتأبين بطلها.. وكنا خارجين لتونا من نوبة عمل فى الصحيفة التى جمعتنا.. أتذكر تلك الأيام؟ صوتك الجهوري وضحكتك المجلجلة وفوران الصبا؟ لم يشفع لك ذلك حينما وشى بك الواشون.. وبدأت رحلة الإغتراب الطويلة مرغما..

وكان حزنك الشخصي قد فاض واشتد وصار نصلا طاعنا بعد أن أفجعك موت الأحبة على البعد وصارت ضحكتك المجلجلة دمعة أبدية تترقرق على مدى آلاف الأميال وأنت تتلمس أصوات من بقي منهم عبر الأثير الذى يبعث على الإنقباض ويوحي بمجهول طاغي الظلمة والغموض..

وكثيرا ماسمعت تعازي الرفاق وتمنياتهم بأن يكون مصابك الأخير هو “آخر الأحزان”.. وكنت تتعجب قائلا: كيف؟ وقد أصبح الموت زائرا مقيما والحزن طلا شغاف النفس بالقتامة ونصب فيها مأتما أبديا؟

فى عمق السنوات الغائر.. خمسون عاما.. ربما أقل، وربما أكثر.. الطفولة البريئة والشقية والمحرومة والخائفة والمسئولة أحيانا..كان النهر صديقنا.. استظللنا أشجار الصفصاف على ضفته.. وبمحاذاته سرنا أميالا على مدى سنى العمر الأولى.. وعلى صفحته ركبنا قوارب الصيادين.. وأحيانا كنا نعوم على شاطئ جزيرة صغيرة تتوسط النهر قرب بلدتنا.. إلى أن كان ذلك اليوم الذى غرق فيه حودة الخراشي، زميلنا. قبل أن تغرب الشمس كان الغطاسون قد استخرجوا جثته من باطن النهر وعادوا بها إلى البلدة وسط الصراخ والنحيب.. هل كرهنا النهر من يومها؟ أم أظننا كنا قد شببنا عن الطوق. وهاأنت تتفوق على أبناء قريتك الصغيرة وتظهر من ضروب النبوغ والذكاء ماأبهرهم جميعا.. وأصبحت أديبا يشار إليه بالبنان، فقد كنت تؤلف وتخرج وتمثل المسرحيات المدرسية فى إجازة نصف السنة وفى مولد النبي ثم فى الحفلة الكبيرة، حفلة آخر السنة.

وذات يوم سألك أستاذ اللغة الإنجليزية فى أحد مدرجات كلية الآداب عن معنى “المغازى”.

سعيدا وباسما، وعيناك ترنوان إلى مستقبل وضاء، شرحت له مايعنيه اسمك: المغازى، الفاتح، صاحب الغزوات، المحارب، كأنما كنت تتمنى لنفسك هذه الصفات جميعها.. وعشقت القلم والكتاب والفن.. وأجدت فى كل درب سارت عليه خطاك. إيقاع العمر السريع، وقوة دفع النبوغ المبكر، دفعا بك إلى مصاف صفوة كانت لها الحظوة حينا من الزمن.. لكن تبدل الأحوال دفع بك ذات يوم إلى الشارع..

وبدأت رحلة الغربة والشتات فى شرق الأرض وغربها. وكنا مهما بعدت بنا شقة المسافات نجد أنفسنا فجأة ودونما ترتيب وقد التقينا فى بلد ما. وجمعنا العمل فى مراحل مختلفة من العمر إلى أن استقر بنا المقام فى آخر محطات الغربة.

هل كانت جنازتك تلك التى خرجت من قريتنا الوادعة على ضفة النيل منذ أكثر من خمسين عاما أم كانت جنازتنا جميعا.. وهل كانت رحلة العمر الطويلة قدرا محتوما نحو السراب الأبدى الذى لايزال يشد إليه ملايين البشر. “وسترجع يوما ياولدى مهزوما.. مكسور الوجدان.. وستدرك بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان..” صدق الشاعر والمغنى.. وكان لنا البكاء ليلتها ونحن نستمع إلى اللحن كأنه جنازة جيل..

الطريق إلى المقابر طويلة ومملة ومقبضة. رتل من السيارات تقل المعزين الذين كست وجوههم الجهامة والإنقباض. فى غمرة الحزن والشرود التى احتوتنى وأنا جالس على المقعد الخلفى وجدتك تندس إلى جانبى متدثرا كفنا شديد البياض والشفافية. كانت النظرة الكسيفة الحزينة قد تبددت وحل محلها إشراق نورانى له سحر غريب. وعادت إليك ابتسامتك المجلجلة وأنت تمسك بأطراف كفنك قائلا فى سخرية:

ـ كفن ناصع البياض، يصلح إعلانا عن منظف صناعى جديد..

ولكن سرعان مااكتسى وجهك بوقار صارم ذكرنى بصورة لكونفوشيوس على أحد الكتب التى كنتَ دائب الإطلاع عليها. والتقطت صحيفة ملقاة على أرض السيارة وطالعت بعض عناوينها، وقلت فى بؤس:

ـ لافائدة. لن ينصلح حالنا.

وألقيت بالصحيفة من نافذة السيارة فى ضيق.

على البعد بدت شواهد القبور وهى تقترب شيئا فشيئا وتكاد أن تحيط بنا من جميع الجهات. ونظرت إليك والدمع يكاد يطفر من عينى. ورأيت فى عينيك نظرة إشفاق علىّ، وقلت لى:

ـ هون عليك. أفليس هذا هو آخر الأحزان؟ نعم ياصديقى، موتى هو آخر أحزانى.

تباطأ سير الركب شيئا فشيئا حتى توقف تماما قرب قبر مفتوح فى بطن الأرض، وإلى جواره رافعة كهربائية جاهزة لحمل الغطاء الرخامى الذى سيغطى به القبر بعد انتهاء مراسم الدفن. نظرت إلى جوارى. كان صديقى الفقيد قد اختفى.

ران السكون فجأة، وارتفعت همهمات وأدعية:”اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبَرد، ونقه من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنه، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار.”

آمين، آمين، آمين.

فى اللحظة التى وورى فيها التراب تعلق به بصرى ولوحت له بيدى مودعا، لكنه لم يرنى. وبدا عليه أنه راح فى سبات عميق. وكانت آخر خيوط للشمس قد توارت خلف الأفق البعيد. وقفل الجميع عائدين. عز علىّ كثيرا أن أتخيلك وقد أوليناك جميعا ظهورنا. إستدرت نحوك فى حزن وإشفاق. لمحتك هناك رافعا يدك كأنما ترد تحيتى. كانت السيارات قد بدأت طريق العودة. وظل بصره معلقا بصديقه إلى أن استحال المكان قطعة من سواد.