أحزان العم خميس

لم يكن كثيرا على الله أن يشفى للمعلم حسن السيوفى إبنه الصغير.. وحيده الذى أهل عليه بعد مجموعة لايحسد عليها من البنات.. ولم يكن كثيرا على المعلم حسن أن يفى بنذره وأن يقيم ليلة لأهل الله ويحضر فيها الشيخة صفية صاحبة الصوت الرائق الرنان العذب وهى تمدح الرسول أو ترتل آيات القرآن الكريم..

وكانت تلك الليلة من الليالى القليلة جدا التى تغمر فيها الأضواء حارة النجيلى ويزدحم فيها الناس حول السرادق الصغير الذى أقامه المعلم حسن السيوفى للوفاء بنذره..

ولم تكن ليلة شتاء.. لكنها كانت ليلة من ليالى الخريف الغامضة التى لاتعرف فيهاماإذا كنا فى الصيف أو فى الشتاء.. أو حتى فى الخريف.. وكانت فى الجو نسمة باردة وفى السماء غيوم.. وتجمع الناس فى الحارة الصغيرة بعد آذان المغرب ينتظرون الشيخة صفية وهم يشربون الشربات التى يوزعها عليهم المعلم حسن بنفسه حلاوة شفاء ولده..

وعلى ناصية من ناصيتى الحارة كانت ماكينة النور تبعث النور والضجيج.. وعلى الناصية الأخرى عربة صغيرة عليها بعض أقفاص فيها بقايا فاكهة وخضروات.. وبجانبها عم خميس يلعلع بصوته على جوافته القشدة..

وعم خميس رجل عجوز وطيب ويعرفه كل من فى الحارة.. ويعلمون أنه رجل إبن حظ ولا تفارق النكتة فمه.. والنكتة حينما تعن له فهو يقولها حتى ولو كان أمام مأمور البلد.. ويعلمون أيضا أنه صاحب مزاج وأنه يصرف على مزاجه هذا كل مايتبقى من ثمن العيش والغموس.. هكذا عرفه كل من فى حارة النجيلى.. وكثير من سكان الحارة أصدقاء عم خميس.. ويجلسون معه على مقهى غانم يدخنون المعسل.. والجلسة على مقهى غانم لاتحلو إلا قرب منتصف الليل عندما يطفئ غانم الكلوب ويشعل الفحم.. ويسهر الجميع فى الخلاء مع الدخان والقمر..

ولكن حال عم خميس تغير هذه الأيام.. فهو دائما بجانب عربته الصغيرة.. صامت، لايضحك كعادته مع هذا أو ذاك، بل ولا حتى يتكلم..

مسكين عم خميس فقد أنساه مرض إبنه كل شىء.. حتى مزاجه. وعندما داهم المرض إبنه فى البداية أخذ عم خميس المسألة ببساطة وقال إن الله لابد أن يكرم ولده ويشفيه، فهو أعلم بالحال.. ولكن المرض طال بالولد واشتد عليه..

وعندما شفى إبن المعلم حسن السيوفى وأضيئت الأنوار على طول الحارة، وجاءت الشيخة صفية لتجلجل بصوتها بمدح الرسول، استبشر عم خميس خيرا وقال لنفسه: “ليس كثيرا على الله أن يشفى لى ولدى”.. وطاف ببصره على السرادق.. والشيخة صفيه.. والناس.. والشربات.. وتمتم: “ولا يعنى لازم العملية دى كلها..”

وكأنما أركب نفسه ذنبا بهذا الخاطر فعاد يستغفر الله ويصلى على النبى وهو يهش بيده على ماأمامه من أقفاص.. وانطلق صوته ينادى على الجوافة: “الصلا ع الزين والطيب بالعين ياقشطه”..

وفى السرادق كان صوت الشيخة صفية قد انجلى وعلت الأصوات تطالبها بإعادة ماتقول.. وتنبه عم خميس لليلة وجمال الليلة.. ليلة الله لأهل الله..

وعلى رأس الشارع بدت له زوجته قادمة من بعيد.. ولم تكن تحمل فى يدها الصرة التى اعتادت أن تحضر له فيها عشاءه البسيط..لعلها تريده أن يأكل معها فى الدار .. ولعلها طبخت له اليوم شيئا.. وغمرت السعادة عم خميس.. وصفق بيديه محييا الشيخة صفيه قائلا:”والنبى انت ولية مبروكة ياست الشيخة.. عسى الله أن يوسع عليك الرزق..”

وعندما كان عم خميس فى طريقه إلى منزله مع زوجته كانت الشيخة صفية لاتزال تعيد وتزيد فيما بدأت به ليلتها.. والناس يصيحون.. والأطفال يلعبون حول ماكينة النور ولايهمهم إذا كان الليل قد انتصف أو أن الفجر قد اقترب.. والجالسون على مقهى غانم فى ضوء القمر تدور عليهم الجوزة وهم شبه نيام..

وبدأ الجو يزداد برودة ورطوبة..

وكان الوقت يمضى..

وعندما عاد عم خميس من داره كانت الشيخة صفيه قد انتهت من مديحها.. وانفض الناس.. وغادرت ماكينة النور ناصية الحارة تاركة المكان للقمر الذى كان يلوح بين وقت وآخر خلف السحب البيضاء الخفيفة.. وكان هناك خطان من الدموع على وجه عم خميس ودموع تترقرق فى عينيه لم يستطع أن يمنع نزولها وهو يدفع عربته إلى الأمام فى ضعف ومسكنة عائدا إلى منزله