عباس السقا

منتصف النهار، فى يوم من أيام الصيف، تناثر فيه عدد قليل من الناس فى الشارع الطويل، وحنفية المياه تبدو بعيدة علىعباس السقا الذى اتخذ طريقه إليها، وتراب الشارع الساخن يلفح قدميه الحافيتين المشققتين والمحملتين بالطين. وعباس السقا الذى يسير اليوم حافى القدمين، لايدرى به أحد، كان فى يوم من الأيام أكبر سقا فى البلد. وهو سيظل يلعن اليوم الذى فتح الله فيه عليها ودخلتها المياه المكررة. وهو أيضا حينما يطرق برأسه الملفوفة بالمنديل المحلاوى إلى الأرض، ويروح فى صمت كبير إلا من تمتمات خافتة غير مفهومة، يتذكر أيام زمان، أيام الرخاء والعز، عندما كان هو الذى يوصل المياه لبيت المأمور وضابط المركز ورئيس البلدية. وكل كبير فى البلد كان يعرف المعلم عباس السقا. ويتذكر عباس دائما تلك الأيام. حينما كان يمتلك عربتين ينقل عليهما الماء إلى البيوت، وكان يملؤهما فى اليوم أكثر من عشر مرات، وكان دخله أكثر من عشرين جنيها، أى أكثر من أى واحد معه ليسانس أو بكالوريوس من خريجى تلك الأيام. لكن المعلم عباس أصبح اليوم فقيرا جدا لايكسب فى اليوم سوى بضعة قروش. فكل الناس “تبندروا” وأدخلوا مياه مكررة فى بيوتهم. حتى بيت أم اسماعيل بائعة الطيور الذى لم يكن حمار عباس يرضى أن يسكنه أدخلت فيه أم اسماعيل حنفية مياه لتظل طول النهار “تبلبط” تحتها هى وطيورها. رحم الله أيام زمان أيام كان المعلم عباس يجلس على المقهى فلا يصرف أقل من نصف ريال ويقوم مثل السبع. ولم يكن يخفى عليه وقتها أن المياه المكررة ستدخل البلدة إن عاجلا أو آجلا. وقد يلمح له بذلك أحد زملائه السقائين فيشخط فيه عباس، ويقول: ـ ياراجل صلى على النبى، تف من بقك الكلام الفارغ ده.. ثم لايلبث عباس أن يتذكر أن هذا الكلام ليس فارغا، فيوصل كلامه بابتسامة عريضه، وينظر إلى السماء، ويقول: ـ هوه يعنى ربك ح يخلى بينا؟ دا كبير قوى ياجدع، أكبر من شركة الميه بحالها اللى حتيجى لبلدك دى، صلى ياجدع صلى. ويصلى الجميع على النبى، ويسكتون. ويلعن عباس هذه الأيام السود، ويتمنى لو أصبح الناس على حريق كبير يأكل شركة المياه، بل وشركة النور أيضا التى أوقفت حال أخيه الأسطى بيومى الذى كان يمتلك ماكينة نور يحيى بها الأفراح والموالد. والآن وقد دخل البلدة نور الشركة فقد باع بيومى ماكينته، وأصبح على الأرض، وراح يعمل زياتا فى الشركة التى يتمنى أن تقع على أصحابها. ويرفع عباس رأسه المطرق إلى الأرض. ويطوف بنظرة سريعة إلى ماحوله، ويبصق بكل جهده وهو يسب بصوت خافت: ـ تفو على دى بلد. بقى دى بلد؟ ويقترب عباس من حنفية المياه فى آخر الشارع الذى بدا الآن خاليا تماما. لاإنس ولا جان. وعندما يصبح أمام الحنفية، يفاجأ بوجود سيد، عامل البلدية الذى يطالبه بمليم عن كل دور، وهو جالس فى كشكه الصغير وفى يده “جوزة” يرص عليها كرسيا من الدخان. وقد يشاركه عباس بنفس أو إثنين. ثم يملأ صفيحتيه بالماء، ويلقى نظرة إلى الشارع الطويل الذى سيقطعه مرة ثانية. وينظر إلى سيد، زميله القديم، الذى بدا حزينا مكتئبا، والجوزة لازالت تدخن فى يده، ويقول له وعلى شفتيه ابتسامة ميته: ـ هوه يعنى ربك ح يخلى بينا ياسيد؟ دا كبير قوى ياجدع. أكبر من شركة الميه بحالها اللى جات لبلدك دى. صلى ياجدع صلى. ثم يصلى على النبى. ويسير.