بهاء طاهر في واحة الغروب

نصف ثوار نصف خونة
الحياة غلطة في عمل نصف حداثي نصف تقليدي وأبطال

يقرر بهاء طاهر على لسان اثنين من أبطال روايته الأخيرة ”واحة الغروب“ أن ”الحكاية لا تكتمل بروايتها، وإنما يكملها من يسمعها. وأن الحكاية ”ربما تقصد أن ما نراه قد لا يكون هو الحقيقة. قد يخفي سطح الماء الرائق حياة لا نعرفها، وقد تغيب عنا الحقيقة تحت أي سطح.“(ص 196). هذه الرؤية التفسيرية، على بساطتها، تشكل جانبا رئيسيا من فلسفة هوسيرل الظاهراتية التي تعنى، في ما يقول سامي خشبة، بتطوير ”مفهوم معين للمعرفة من خلال ممارسة الإنسان للتعرف على ظاهرات العالم؛ فهي معرفة متحررة من الفروض المسبقة، وهي المعرفة التي لا تهتم بالمجتمع، أو بأثر التاريخ والعوامل الذاتية المسبقة على العقل العارف.“ وسيحتاج القارئ إلى التسلح بهذه الرؤية التفسيرية لفك رموز هذا العمل الذي آثر فيه بهاء طاهر أن يخرج عن أسلوبه الروائي التقليدي الذي ميز أعماله الروائية السابقة (التي حداه فرط التمسك بها إلى استصدار توصية أو قرار في أحد مؤتمرات أدباء الأقاليم في مصر برفض الحداثة)، أقول إنه آثر في عمله الجديد أن يتخلى عن قناعاته القديمة ضد الحداثة وتجلياتها، وأن يقدم للقارئ عملا مركبا حشد فيه، عامدا متعمدا، كل ما سمح له به موضوع روايته من أفكار ما بعد حداثية، بدء ا من الاستعانة بالكولاجات أو التجميعات السردية من سير ذاتية ومعلومات تاريخية، ومرورا بالمزج بين مختلف المواضيع الثقافية التي ميزت وما فتئت تميز عصر ما بعد الحداثة من أفكار نسوية وأنثروبولوجية وأدب ما بعد الاستعمار، وليس انتهاء بإعلان الرفض التام لموروثات الماضي ودعوته على لسان بطله الرئيسي في نهاية الرواية إلى القضاء على ”كل قصص الأجداد ليفيق الأحفاد من أوهام العظمة والعزاء الكاذب“، على نحو ما تكشف عنه القراءة السريعة التالية لأحداث ”واحة الغروب“.

تتناول الرواية ما يشبه سيرة ذاتية لبطلها محمود عبد الظاهر (لماذا عبد الظاهر وليس عبد الدايم أو عبد الموجود أو عبد النعيم؟ لم أشأ أن أربط بين اسمه وبين الاتجاه الفلسفي الذي أشرت أعلاه، لكن كل كلمة وكل عبارة وكل مضمون ينطق بقصدية بهاء طاهر لهذه الكلمة وهذه العبارة وهذا المضمون، ولا شك في أن ذلك كان أمرا شاقا ومرهقا بالنسبة للمؤلف على مدى قرابة 300 صفحة، لكنه كان كذلك أيضا بالنسبة إلى القارئ.

زمن ”واحة الغروب“ هو فترة ما بعد انكسار ثورة عرابي في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر. محمود عبد الظاهر ضابط مصري تم التحقيق معه بتهمة تعاطفه مع الثوار، وفي لحظة ضعف، إيثارا للسلامة والتمسك بلقمة العيش، وخشية المحاكمة العسكرية، ينطق بما يسحب تأييده للثورة. ويتم الإبقاء عليه في عمله، لكن شبح ذلك التحقيق يظل مخيما على حياته الوظيفية، فتتأخر ترقياته، ويتعرض لحالات مستمرة من تأنيب الضمير. ويقبل مضطرا تكليفه بالسفر إلى واحة سيوة كمأمور لها بعد أن قتل أهلها المأمور السابق. يصحب في رحلته إلى الواحة زوجته الإنجليزية كاثرين (التي اختار لها المؤلف أن تكون من أصل أيرلندي لكي يربطها بالبطل كرههما للاستعمار الإنجليزي). كاثرين هي أيضا باحثة الآثار تسعى إلى إثبات أن قبر الاسكندر الأكبر مدفون تحت المعبد الكبير في الواحة، ويستحوذ هذا الاهتمام على حياتها ونشاطها في الواحة مما يجر عليها وعلى زوجها حنق وغضب أهل الواحة، الذين يكرهون أصلا السلطة التي يمثلها محمود، خاصة وأنه جاء بمهمة محددة وهي إعادة الأمن إلى الواحة وجمع الضرائب من أهلها.

وبينما تشعر كاثرين أنها تسعى إلى تحقيق هدفها واكتشافها لمقبرة الاسكندر، وتجد في ذلك متعة كبيرة تنسيها كل مساوئ الحياة في ذلك العالم البدائي، تضيق نفس محمود بمهمته، وتتكثف أحاسيسه برفض واقعه الملبد بوقائع الخيانات الكبرى والخيانات الصغيرة. وتفتر علاقته بزوجته. ويكتشف أن المسؤولين في ”المحروسة“ قد دسوا عليه ضابطا صغيرا يزيف عنه التقارير ويسعى إلى الإيقاع بينه وبين أهالي الواحة.

وفي خضم هذه الأحداث تحضر إلى الواحة فيونا، أخت كاثرين، للاستشفاء من مرض صدري، فيقع محمود في حبها دون أن يكشف عن ذلك. ولكن صحة فيونا تتدهور دون حتى أن تعرف بحبه لها. وفي اللحظة التي تسقط فيها فيونا على فراش الموت، يقرر محمود في نفسه أمرا. ويتوجه إلى القسم. هناك يلتقي بغريمه الجديد الذي اكتشف خيانته. ويحاول هذا الغريم أن يبرر له أفعال خيانته والوشاية به، لكن محمود يقول له:

– لا تشرح أي شيء. لا أريد أن أسمع أي شرح. الغلطة في الحياة نفسها.

وفي الطريق إلى المعبد يردد محمود عبارات مماثلة: “لا شيء يصلح في هذه الدنيا الغلط إلا الغلط”، و “يجب أن نصفي الحساب بسرعة”، و “يجب أن تزول كل أشباح الماضي.”

وينطلق محمود إلى داخل المعبد الذي زرع فيه أصابع الديناميت. وتتفجر أركان المعبد ويرتطم حجر برأس محمود، الذي يحكي آخر لحظات موته: “توهج فجأة نور في داخلي. نعم، الآن يمكن أن أرى كل شيء. أن أفهم كل ما فاتني في الدنيا أن أعرفه. أحاول أن أرفع رأسي فلا أستطيع. يخبو النور وتحل هجمة السبات الثقيل.

بهذه الخاتمة التي تمثل لحظة لفقدان الوعي، أو عودته، تنتهي أحداث ”واحة الغروب“ على لسان محمود نفسه. البطل يحكي قصة موته. تماما مثلما فعل بهاء طاهر مع بطل روايته ”الحب في المنفى“ التي تختتم بمشهد مماثل ينتهي بموت بطلها، وإن كان في ظروف مغايرة.

وإذا كان هذا هو أحد الخيوط ”الظاهرة“ في وقائع ”واحة الغروب“، فإنها تخفي تحت السطح خيوطا أخرى كثيرة أرهق بهاء نفسه في نسجها، وأرهق القارئ في تتبعها ومحاولة فك شفراتها.

خط الموت الذي يشكل خطا عميقا ينتظم الرواية منذ بدايتها (موت أبيه وموت أمه، والموت الذي يتهدده بالبقاء في ذلك الجو المعادي من أهالي الواحة).ذكريات مقبضة تقبع في داخله، يحملها معه إلى الصحراء التي تدرك كاثرين جمالها، بينما لا يرى هو فيها سوى ماض ميت. تلومه كاثرين: ”قد لا يكون للصحراء ذنب في هذا. ربما تكون تلك أشياء حملتها أنت معك إليها.“ ويقول محمود: ”تمنيت الموت من قلبي. فليأت. هو مؤلم، لكنه ليس مخيفا. فليأت بسرعة. أود النهاية كراحة جميلة من عبء لا يحتمل. فليأت.“

خط الخيانة، خيانة الثورة، وخيانة الصديق الذي وشى به بعد أن كانا رفاق سلاح. ”أي سلاح كان يمكنني أنا مثلا أن أشهره في وجه الدنيا بعد أن أغمد الجميع السلاح؟ أسأل نفسي طول الوقت عن الخيانة. سألت نفسي كثيرا لماذا خان الباشوات والكبار والذين يملكون كل شي؟ ولماذا يدفع الصغار دائما الثمن – يموتون في الحرب ويسجنون في الهزيمة بينما يظل الكبار أحرارا وكبارا؟ رأيت بعيني ”الوِلْس“ الذي كسر عرابي. جنب بيتي بالضبط في الميدان الذي شهد المجد والفرح وعرابي فوق حصانه شاهرا سيفه يعنف الخديو الذي طالما أذلهم: ”لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا وعقارا ووالله الذي لا إله إلا هو إننا لو نورث ولن نستعبد بعد اليوم.“

وخط حب قديم لا يفارق مخيلته. ”لماذا لم أدرك قيمتها عندما كانت ملك يدي؟“ نعمة السمراء، اشتراها أبي من سوق الجلابين. كنت أول رجالها، ولم تكن أول نسائي. كانت صاحبتي وكانت تردني بحكاياتها طفلا وتستردني بالعشق رجلا. أحببتها كما لم أحب سواها لكني لم أدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان. هربت نعمة من البيت بعد أن سألته مرة: سيدي محمود هل تحبني؟ زجرتها: ما هذا الكلام الفارغ يا بنت؟ لو عدت إلى هذا الكلام سأرميك في الشارع. ضحكت وهي تقول معك حق يا سيدي. لكنها بعد ذلك خرجت بنفسها إلى الشارع واختفت. هي خيانة أخرى. خيانته لنفسه، وخيانته لحبه.

ثم ذلك الخط التاريخي الهام، الذي لا يمكن لأي قراءة لـ “واحة الغروب” أن تغفله. ذلك الربط، الذي لا وجود له، وإن كان واضحا كل الوضوح، بين ثورة عرابي وثورة يوليو. نفس الخيانات، ونفس الهزيمة. ”بقيت خيانة طلعت زميلك وصديقك القديم. عقد صفقة مع المأمور الإيطالي ومع رؤسائه في الإسكندرية. خائن لكنه واضح مع نفسه. كذب عني لكنه لم يكذب على نفسه. كأنَّ كل حماسه للثورة أيام الإسكندرية كان مجرد نزوة. وحماسي أنا أيضا وحماس البلد كله – مر كنزوة طيش عابرة أفقنا من رعونتها بالهزيمة.“ سيتبين قرب نهاية الرواية أن طلعت (الخائن) أصبح وكيلا لحكمدار الاسكندرية بينما محمود عبد الظاهر منبوذ في واحة سيوة في ما يشبه العقاب أو العزل.

وفي فصل مطول عن الإسكندر نلمح دلائل على التقابل بينه وبين محمود. فهو أيضا لا يذكر فيمن أحب سوى زوجته الفارسية روكسانا، وهو أيضا يتحدث عن الخيانة. يعترف بأنه طاغية حكم الرعية بالخوف فأفرخ الخوف الطاعة كما أردت، لكنه أفرخ معها الخيانة. خانني أقرب الناس إلىّ، وتآمروا على المرة بعد المرة. وفي قصة الاسكندر أيضا هناك إشارة إلى صبي خان زميله ووشى به وببقية زملائه وهو يعرف أنه يدفع بهم إلى التعذيب والموت. ويتساءل الراوي على لسان الإسكندر: ”فكرت طويلا فلم أعرف أين نقطة البدء في سلسلة الطغيان والخوف والخيانة. أيها يلد الآخر؟ وهل كنت أنا بالفعل صانعها أو واحدا من ضحاياها.“

حكاية مليكة الأرملة الشابة التي تسرد جانبا من التراث الشعبي والأنثروبولوجي لأهل الواحة. فقد قضي عليها بحكم عادات الواحة وتقاليدها أن تلزم بيتها ولا تخرج إلى الناس إلى أن يحين أجلها، وإلا فستحل الكارثة بالواحة وأهلها. تهرب مليكة ذات يوم مستنجدة بكاثرين. وفي لحظة ضعف تتشبث مليكة بكاثرين، وتدفن رأسها في صدرها، وتحس كاثرين بلذة غريبة، وتصرخ: ”أنا لست سافو، أنا لست سافو“، وتطرد مليكة التي يحكم عليها بالموت من أهل الواحة.

خيوط متداخلة لا نهائية كالأسئلة التي يطرحها الراوي على لسانه ولسان شخوصه: ”لماذا ما زلت حتى الآن أسأل الأسئلة التي عذبتني في شبابي؟ اقتربت النهاية ولم أعرف طمأنينة القلب“.

ومع اقتراب النهاية، يحاول محمود عبد الظاهر أن يضع يده على المشكلة الحقيقية في حياته:”المشكلة هي أنت بالضبط يا حضرة الصاغ! لا ينفع في هذه الدنيا أن تكون نصف طيب ونصف شرير. نصف وطني ونصف خائن. نصف شجاع ونصف جبان.نصف مؤمن. نصف عاشق. دائما في منتصف شيء ما. تحمست فترة للوطن والثوار، وعندما جاءت لحظة الامتحان أنكرتهم ثم توقفت في مكاني. لم اكن أبدا شخصا واحدا كاملا في داخله. طلعت كان أوضح مع نفسه. ما دام قد خان فليكمل الطريق إلى نهايته. باع نفسه وقبض الثمن الذي يريده. أما أنا فبعت بلا ثمن، وبقيت قانعا بالسخط على نفسي وعلى الانجليز وعلى الدنيا كلها دون أن أعرف ماذا أريد. حتى الحب اكتفيت منه دائما بالمتعة ثم وقفت لا أكمل الطريق. تركت نعمة التي أحببتها لتضيع مني.“

ويبقى تساؤل هام. لماذا قرر محمود أن يموت؟ يروي بهاء طاهر على لسان كاثرين أن الغرب أو الأفق الغربي عند المصريين هو مملكة أوزوريس، مملكة الموتى وأرض الحساب التي اعتقد المصريون أنها في مكان ما في الصحراء الغربية. وبما أن سيوة هي أقصى الغرب من مصر فلعلهم اعتبروها أيضا آخر محطة تغرب فيها الشمس عن الدنيا. وبالتالي، فالأفق الغربي هو عالم الخلود. فهل كان هذا هو ما سعى إليه محمود عبد الظاهر؟ سؤال آخر يضاف إلى سلسلة الأسئلة اللانهائية التي طرحها بهاء طاهر.

مقتطف من ”واحة الغروب“

”السرادق واسع وأنا واقف أتقبل العزاء في محمود عبد الظاهر لكن كل المقاعد خالية ولا أحد يأتي. يجلس شيخ قارئ على دكة عالية لكنه يفتح فمه ويغلقه دون صوت ولا أحد يأتي. ثم السرادق حديقة واسعة مزدحمة بالناس يلعب فيها كثير من الأطفال وأنا أسير وحدي أحمل طيات من قماش أبيض، أستوقف رجلا عجوزا وأسأله عن مكان المقابر فيشير بيده دون أن يتوقف ويقول استمر فأتبع إشارته وأجدني على شاطئ نهر تحف به أشجار لبلاب تتدلى غصونها في الماء وأنا أمسك بيدي فتاة جميلة ونضحك معا، وأقول لها تصوري كنت ميتا لكني عشت من جديد فتقول بفخر هذا بفضلي أنا، ونركب قاربا في النهر وأكتشف أنها نعمة فأضحك وأسألها منذ متى غيرت لون شعرك؟ وترد منذ تركتني. لكنها تصرخ فجأة وتشير بيدها خلفي ويظهر ناس كثيرون عل شاطئ النهر يشيرون بأيديهم إلى حيث تشير، وألتفت فأجد تمساحا هائلا فاغرا الفم يهجم على القارب. أمسك بيد نعمة ونقفز معا من القارب، نجري بسرعة فوق الماء فنكون مرة أخرى في السرادق وسط المقاعد الخالية وصوت القارئ لا يخرج لكنه يفتح فمه ويغلقه. تقول نعمة في سخط لماذا لا يقرأ هذا الشيخ على الأقل؟ أتقدم منه غاضبا فأكتشف أنه لا يقرأ لكنه يضحك. عرفته من عينيه فأمسكت بتلابيبه وقلت ثائرا أنت يا شيخ… ثم صحت: أدخل. أيقظتني فزعا طرقات إبراهيم على الباب. (الرواية، ص 264/265).