التلصص

صنع الله إبراهيم في ”التلصص“:‏
‏ الحاضر في مرآة الماضي، ودرَّة للمبدع في عيده السبعيني

‏” بعض الأشخاص والوقائع في الصفحات التالية من صميم الواقع والبعض الآخر من ‏نسج الخيال، لهذا من الأفضل أن تُقرأ على أنها رواية“. بهذه العبارة، صدَّر صنع الله إبراهيم ‏روايته ”وردة“ الصادرة عن دار المستقبل العربي عام 2000. وأتصور أن هذه العبارة تنطبق ‏أيضا، وبقوة، على أحدث أعمال صنع الله، وهي رواية ”التلصص“ التي صدرت مؤخرا ‏‏(2007)، أيضا عن دار المستقبل العربي. ولأن أشخاص ووقائع ”التلصص“ تشير بوضوح إلى ‏أنها تتعلق بسنوات الطفولة الأولى للمؤلف، فقد اقتصر مراجعو الرواية على تناولها من هذا ‏المنطلق حصرا وعلى اعتبار أنها تشكل جانبا من سيرة ذاتية للكاتب. وقد أغفل تناول الرواية ‏من هذا الجانب فقط أهم ما تميزت به من جوانب إبداعية تضعها في مكان الصدارة من جميع ‏أعمال المؤلف. فالرواية من حيث شكلها ومضمونها هي خلاصة وتكثيف وتطوير لتقنيات ‏السرد التي ابتدعها المؤلف في أعمال سابقة، كما أن تركيزها على ”عالم الطفولة والشيخوخة ‏في مواجهة المرأة وفي ظل خلفية أحداث العام 1948“ حسبما لخص المؤلف نفسه محط ‏تركيزها في أحد أحاديثه المنشورة قد انطلق بالرواية إلى أفق رحب ومتعمق يعانق عالما إنسانيا ‏شديد الخصوصية من ناحية، لكنه أيضا عالم اجتماعي وتاريخي متعدد الأبعاد لمرحلة تاريخية ‏خصبة وهامة. ‏

تحكي ”التلصص“ وقائع من حياة طفل في سني عمره الأولى، ربما ما بين التاسعة ‏والحادية عشرة، يتقمص الراوي شخصيته ويحكيها بضمير الأنا المتكلم. يعيش الطفل مع أبيه ‏الذي أنجبه على كبر بعد أن تزوج أمه الشابة حينما ماتت أم ابنته الكبيرة التي تزوجت، وابنه ‏الكبير الذي هجره بعد زواجه على أمه المرحومة. لكن المشكلة الأهم من كل ذلك هي أن أم ‏الطفل، لأسباب لم يوضحها الراوي، أو لأنها لا تحتاج إلى توضيح، أُدخلت مصحة عقلية ‏وانفصلت عن الأب والطفل بعد في سنوات طفولته المبكرة. ‏

الفقرة الأولى في الرواية ترسم ببراعة المنطلق الذي تبدأ منه العلاقة الحميمة بين الأب ‏والابن، والتي سيعيشها القارئ لحظة بلحظة، على مدى 300 صفحة من القص البارع الذي ‏يشي بحنكة الراوي وعمق ودلالة وقائع القص، إلى أن تنتهي الرواية بواقعة تكاد أن تفسد هذه ‏الروح الحميمة بين الأب وابنه، حيث يكتشف الطفل، في واقعة من وقائع ”تلصصه“ التي ‏تحفل بها الرواية، والتي أعطت الرواية اسمها، يكتشف واقعة معاشرة أبيه للخادمة. وتكون ‏الصرخة الوحيدة للطفل الذي يأسر القارئ بوداعته وهدوئه وانكساره طوال الراوية: ”يلعن ‏أبوكم“. وتفتر العلاقة قليلا بين الأب والابن، إلى أن يحكي الطفل واقعة تلصص أخرى، دعاه ‏إليها بحثه عن أبيه، وكسر الجفوة التي اعترت علاقتهما الحميمة: ”أبحث عنه. لا أثر له. أنظر ‏من ثقب المفتاح. يطالعني جالسا فوق الكنبة. رأسه منحن. يتأمل الأرض. يرفع يديه إلى ‏وجهه. يجهش فجأة بالبكاء وينهنه كالأطفال.“ ‏

نعود إلى هذا المفتتح الهام في مطلع الرواية الذي يقول فيه الراوي: ”يتمهل أبي في ‏مدخل المنزل قبل أن نخطو إلى الحارة. يرفع يده إلى فمه. يتحسس طرفي شاربه الرمادي الملويين ‏إلى أعلى. يتأكد من أن طربوشه مائل قليلا ناحية اليسار. ينزع سيجارته السوداء المطفأة من ‏ركن فمه. ينفض رمادها عن صدر معطفه الأسود الثقيل. يبسط أساريره لتتلاشى تجاعيد ‏جبهته. يرسم ابتسامة على شفتيه. يقبض على يدي اليسرى. نتلمس طريقنا في ضوء ‏الغروب.“‏

بهذه السطور يبدأ الراوي الفصل الأول من فصول أربعة تضمها الرواية، كأنها ‏سيمفونية الفصول الأربعة (أستعير هنا عنوان سيمفونية أنطونيو فيفالدي الشهيرة) بكل ما ‏ينطوي عليه العزف (أو القص) السيمفوني من تنويعات وإيقاعات وسرعات، وبكل ما تثيره ‏من مشاعر البهجة والمرح والمتعة والحزن والتفكير، وبكل ما تصوره من حالات الرقة والغلظة ‏والهدوء والضجيج والصخب. وأحسب أن اختيار المؤلف لهذا العدد المحدد من الفصول (الذي ‏ينقسم كل منها إلى ما بين 8 و 10 فصول فرعية) إنما ليعكس أطوار الحياة من الطفولة إلى ‏الصبا والشباب والشيخوخة، التي هي أطوار العمر من ربيعه إلى صيفه وخريفه وشتائه. ‏

يسعى الأب، المحال إلى التقاعد، إلى توفير كل أسباب الراحة لابنه الذي فرح بميلاده ‏أيَّما فرح، كما يعبر هو بنفسه عن هذه الفرحة لأحد أصدقائه أصحاب المعاشات: ”لما ‏خلفت نبيلة واخوها كنت لسه شاب وأغلب الوقت بره البيت. المرة دي اتمتعت بالخلفة. ‏خصوصا بعد ما طلعت المعاش. عمري ما حا انسي منظره وهو بيحبي ويفتح الأدراج ويقطع ‏الكتب. كان كل ما يشوف حاجة يشاور عليها ويسألني؟ ده؟ وبعدين بقت: إيه ده؟ يحاول ‏يوريني انه بيفهم. لا يمكن أنسي منظره لما وقف على رجليه أول مرة. مشى خطوتين وبص لي ‏وصقف.حس انه عمل حاجة كبيرة.“ ‏ لكن هجمة الشيخوخة والوحدة وشظف العيش تؤثر في قدرة الأب على التحمل، ‏فنجده أحيانا يضيق بالتصاق ابنه به: ”تعبت.تعبت خلاص. أنا كان مالي ومال العذاب ده؟ ‏يزفر: كان يوم اسود يوم ما شفت وشك ووش أمك. ياريت ربنا ياخدك ويريحني منك“. ‏ويدخل الأب في زيجات فاشلة يبررها بأنه لجأ إليها بعد أن تعب من التعامل مع الخادمات ‏والطباخات. يقول: ”ياريت ألاقي واحدة طيبة بنت ناس ترضى بشيبتي وتربي‏
لي الولد. تعبت ‏من الخدامات والطباخات.“ لكن ابنته تقول له: ”بطل بأه يابابا. إنت محدش يقدر يتحملك.“ ‏وتكون آخر حكايات الأب التي يحكيها الابن ذلك اللقاء مع الخادمة، الذي يكون اكتشاف ‏الابن له سببا في عودة الأب إلى صوابه في ذلك المشهد الباكي المؤثر، الذي تعود العلاقة ‏الحميمة بعده إلى سابق عهدها بين الأب والابن الذي يحضر له كراسة الواجب المدرسي في ‏آخر صفحات الرواية، ليكتب الأب لابنه موضوع الإنشاء، ثم ينقله الطفل بخطه. ‏

غير أن ”التلصص“ هي قصة الابن أكثر مما هي قصة الأب. الابن الذي يتقمص ‏الراوي/المؤلف شخصيته فيحكي لنا من خلاله وقائع طفولة معذبة ومحرومة من حنان الأم ‏ووجودها وإن كان الأب لم يأل جهدا في أن يوفر لابنه كل أسباب الراحة. ومن خلال عيني ‏الطفل أيضا يضعنا الراوي في خضم عالم اجتماعي وسياسي موار بالتغيرات والتحولات، وهي ‏تغيرات وتحولات إذا جردت من شخوصها وتم اختزالها إلى معانيها المجردة لوجدنا أنها تنبئنا بأن ‏الحاضر هو ابن الماضي، وبأننا لم نبعد كثيرا، ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين، عن ‏الكثير من الأطماع والأوضاع والأوجاع التي كانت سائدة في منتصف القرن الماضي. ‏

لكن لنتعرف أولا على هذا الطفل. فهاهو يحدثنا عن إحدى الصور التي عثر عليها ‏ضمن مجموعة من أوراق أبيه، فيقول: ”الصورة الثانية لأبي جالسا بالطربوش والكرافت. بين ‏ساقيه طفل صغير في ”بارباتوز“ من قطعتين.الأولى تبدأ من الرقبة والثانية تصل حتى الركبتين. ‏الصورة غير ملونة فيما عدا ملابس الطفل. ألوانها أخضر بشريط أصفر حول الرسغين، وحول ‏الوسط. على ظهر الصورة اسمي واسم أبي أيضا. الخط لأمي.“‏

‏ هذه الصورة الفوتوغرافية هي صورة حقيقية للمؤلف بصحبة والده، وقد اختارها ‏بالذات الفنان الكبير محي اللباد كي تزين غلاف الرواية، مؤكدا بذلك هوية الطفل والراوي ‏والمؤلف والأب، ومؤكدا أيضا إحساسا لا بد أن يكون قد تولد لدى القارئ من خلال متابعته ‏لهذه الرحلة الحميمة مع الأب والطفل، وهو أن المؤلف يريد بهذا العمل/الجوهرة أن يكون ‏اعترافا بفضل الأب على الابن، وإكليل غار يقدمه المؤلف في عيد ميلاده السبعيني إلى الأب ‏الراحل. ‏

تشكل الفترة العمرية التي اختارها المؤلف في حياة الطفل في مرحلة ما قبل البلوغ ما ‏بين التاسعة والحادية عشرة وفي ظروف انفصاله عن أمه والتصاقه الشديد بأبيه الذي يعكس ‏خوفه وقلقه الدائم من الوحدة وعدم الأمان، يشكل كل ذلك تحديا خاصا في رسم صورة ‏الطفل. يضاف إلى ذلك أن الطفل لم يكن له من الأصدقاء من هم في سنه. والمرات القليلة التي ‏اختلط فيها بأبناء أخته المتزوجة كانت مرات عابرة خلال مناسبات وأعياد متفرقة. أما الذين ‏استلفتوا اهتمام الطفل ونضوجه المبكر فكن من بنات الجيران اللاتي كان يستل النظر إليهن ‏وهن رائحات غاديات. ”سهام أخت سلمى الكبرى على باب الشقة. ترتدي جلبابا منزليا ‏بغير أكمام. تحمل سبت غسيل فوق رأسها. تصعد السلم. أتابع اهتزاز فلقتيها حتى تختفي.“ ‏

لكن الشخصية التي تستأثر بجل اهتمامه، وتحل في وجدانه محل أمه المفتقدة هي الراقصة ‏‏”تحية“ جارتهم في الشقة المشتركة، التي تعيش مع الكونستابل الغائب دائما عن المنزل، والتي ‏يحزنها أن الحكومة قررت إلغاء البغاء وسحب رخص الدعارة.لكنها تستمتع بحياتها الخاصة، ‏وتمضي بعض الليالي في الرقص والغناء حتى وإن لم يكن في صحبتها سوى ذلك الطفل الصغير ‏واثنين من الأولاد الطبالين الذين كانت تستعين بهم في العمل في الأفراح. ”أرقبها مبهورا. ‏وجهها يزداد جمالا لحظة بعد أخرى. تلتقي عيناي بعينيها في المرآة. يتضرج وجهي. أندفع ‏نحوها بغتة قائلا: ماما تحية، إنت حلوة قوي. تحتويني بين ساعديها وتضمني إلى صدرها. تتسلل ‏إلى أنفي رائحتها النظيفة المختلطة برائحة صابون اللوكس. تملأ وجهي بالقبل فوق عيني ‏وخدي وفمي قائلة: وانت كمان حلو. تبعدني عن صدرها وتتأملني. تقول في صوت خافت: ‏أنا عندي ابن أصغر منك بسنتين. أسألها: هو فين؟ تقول: مع أبوه.تدمع عيناها. وفجأة تنفرج ‏أساريرها وتضحك.“‏

ولا يستطيع الطفل أن يفصل بين الواقع الحاضر ”المحكي“ والواقع الكامن في تلافيف ‏الذاكرة الغضة خلال السنوات القليلة التي عاشها مع أمه. وفي خضم سرده لوقائع حياته اليومية ‏تطل بغتة وقائع عاشها مع أمه، فتكرس لديه، ولدى القارئ، ذلك الإحساس المرير بفقد الأم، ‏وذلك الشعور الانفصامي بالوحدة وعدم الأمان. وتنعكس هذه الحالة على التحصيل المدرسي ‏للطفل فيرسب مثلا في اللغة الإنكليزية، وهو كثيرا ما يهرب من واقعه إلى كتب العلوم أو ‏الجغرافيا أو التاريخ فتضاعف من حيرته وعدم قدرته على الفهم: ”أستخرج كتاب التاريخ. ‏أفتحه على الدولة الإسلامية في عهد عثمان. أقرأ قصة الخلاف بينه وبين على بن أبي طالب ‏والنهاية المأساوية للإثنين.“ ‏

هذه الأحداث البالغة الخصوصية التي تغوص في عمق النفوس البشرية للشخوص التي ‏تحفل بها الرواية يطرحها صنع الله ابراهيم ببراعته المعهودة في ظل خلفية من أحداث الماضي التي ‏تحاكي الحاضر وتتمثله. ففي غضون الرواية، مثلا، نسمع آراء وتعليقات من قبيل: ”البلد ‏محتاجة انتخابات نزيهة وحكومة جديدة. الأحكام العرفية ضرورية علشان الاغتيالات السياسية ‏والحرب. لو اتلغت وحصلت انتخابات ح ييجي الوفد. طيب وفيها إيه؟ ح نرجع للرشاوي ‏واستغلال النفوذ. وحضرتك فاكر إن الوقت مفيش رشاوي واستغلال نفوذ؟ الوضع الحالي ‏مش نافع. الأسعار بتزيد كل يوم.“ هذه الآراء والأفكار كان يسمعها الطفل من والده ورفاقه ‏وهم يعلقون على تطورات حرب فلسطين عام 1948 ومظاهرات الطلبة الذين مزقوا صور ‏الملك فاروق ولقبوه بملك مصر والسودان وسامية جمال، والهتافات ضده التي تنادي ”أين ‏الكساء والغذاء يا ملك النساء“، وقيام إنجلترا بتهريب يهود اليمن إلى فلسطين. ‏

كل ذلك أيضا في ظل خلفية ثقافية خاصة عن آخر أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب ‏ورجاء عبده، وإعلانات الأفلام القديمة مثل ”العقل في اجازة“ لمحمد فوزي وليلى فوزي ‏وبشارة واكيم وعبد السلام النابلسي و”بلبل افندي“ لفريد الأطرش وصباح و”الصيت ولا ‏الغنى“ لمحمد عبد المطلب وعلى الكسار وهاجر حمدي وعبد الفتاح القصري واسماعيل يس. ‏ ‏”التلصص“ عمل بالغ العمق في إنسانيته وشفافيته. وهذه النزعة الإنسانية الصادقة التي ‏تصطبغ بها الرواية، والمكاشفة الجريئة التي يقتحم بها المؤلف عالم الطفولة والشيخوخة والمرأة، ‏ويغوص بها في أعماق النفس البشرية، مخترقا، ولاغيا، حجُب الزمان والمكان، في ظل خلفية ‏تاريخية وسياسية تعانق الماضي والحاضر، كل ذلك يضفي على الرواية قيمة لا تقدر، ويجعلها ‏بحق درَّة يتوج بها صنع الله ابراهيم مسيرته الإبداعية المتميزة والفريدة.‏

مقتطف من ”التلصص“‏

يقترب الوجه الأسود ذو العينين الحمراوين في بطء من خلف القضبان الحديدية التي تسد ‏النافذة. أتعرف على ”عباس“. ينفرج الباب ويظهر مصباح زيت بزجاجة رفيعة مستطيلة. ‏يقترب المصباح. تستطيل شعلته. يطل من خلفه وجه ”ماما تحية“ الأبيض المدوَّر. ”بوكل“ ‏الشعر فوق جبينها. الروج في شفتيها.الكونستابل خلفها يحاول ضمها لكنها تقاوم. تضرب ‏صدره بقبضتيها في قوة محاولة التخلص من ساعديه. تصيح: ده ابنك. ابنك يا كداب يا ‏نصاب. يدهشني أنها لا تتعرف عليَّ. أفتح فمي لأقول لها من أنا. لكن وجهها يتبدل بوجه ‏أمي. الدماء تسيل من شق شفتها السفلى. يتقلص وجهها ويتلوى. يختفي. يظهر مكانه ‏ذراعان كبيران مليئان بالشعر. يقتربان مني. أريد أن أصرخ لكن الصوت لا يخرج من ‏فمي. (الرواية، ص 144)‏