إدوار الخراط شاعرا‎

ديوان سبع سحابات‎‎

< style=”text-align: right;”>‎ بين العقيدة الإيروتيكية والخلاص بالحب‎ ‎يقتبس روبرت بوليموس في كتابه “العقيدة الإيروتيكية(1) عبارة جاءت ‏على لسان أحد أبطال روايات الأمريكي نورمان ميلر يقول فيها لمعشوقته: “إننا بقوة الحب يمكننا أن نصبح أكثر ‏من مجرد حالة”. ويقول بوليموس إن هذا التأكيد على قوة الحب العاطفي المشبوب هو مايمكن أن يسميه “العقيدة ‏الإيروتيكية”. ويفسر هذه العقيدة بأنها “قناعة عاطفية، تصل إلى حد الإيمان، بأنه من خلال الحب يمكن للمـرء ‏أن يجد للأشـياء معناها وقيمتها، ويمـكن له أن‎ ‎يشعر بالأمل وبتسامي الروح. ولا يقصد بوليموس بعبارة ‏‏”اٌٌلإيروتيكية” مجرد العشق‎ ‎الحسي، ولكن حالة الحب الفطرية التي تنطوي على الرغبة والعاطفة بل تلك التي ‏تنطوي أحيانا على علاقة رومانسية أو عاطفية بشخص ما على نحو يمكن معه القول بأن هذا الشخص في حالة ‏حب. وهؤلاء الرجال والنساء الذين يعيشون هذه الحالة من “العقيدة الإيروتيكية” يؤمنون بأن في الحب خلاصهم ‏وبأنه سبب بقائهم. وليس من العسير على أي متابع لأعمال إدوار الخراط أن يلمس تأثير هذه العقيدة بقوة على ‏أبطاله. ولقد جاء التعبير عن هذه “العقيدة” في أكثف وأعمق صورة في ديوان الخراط الأخير “سبع سحابات، ‏دانتيللا السماء”(2) وهو الديوان السادس(3) للخراط، الروائي والشاعر والناقد والمترجم والمتبحر في التاريخ ‏الفرعوني والقبطي‎. ‎ والذين قرأوا أيا من روائع الخراط الروائية (رامة والتنين، الزمن الآخر، ترابها زعفران، يابنات اسكندرية، ‏حجارة بوبيللو، حريق الأخيلة، يقين العطش، على سبيل المثال لا الحصر) لم يكن من الصعب عليهم أن يتبينوا ‏لغة الخراط الشعرية حتى في قصه الروائي. بل إن الخراط يشير في نهاية الديوان إلى أن بعض قصائد الديوان ‏مستوحاة أو مأخوذة من روايات معينة (مثل تباريح الوقائع والجنون، ويقين العطش وغيرها، مثل حريق الأخيلة، ‏كما سنشير إليه فيما بعد). وقد جاءت قصائد هذا‎ ‎الديوان تجسيدا وتكثيفا لبعض جوانب فكر الخراط وتجربته، ‏ولغته، ورؤيته، وتقنياته، مما يعطي لهذا الديوان أهميته ضمن إسهامات الخراط التي أثرى بها الساحة الأدبية ‏على مدى أكثر من خمسين عاما من الانخراط في مشروع أدبي واع عميق الجذور وراسخ الأسس‎. ‎ II ‎ يستمد الديوان عنوانه من قصيدتين تحملان نفس العنوان. فالديوان يبدأ بقصيدة بعنوان “دانتيللا السماء” يقول ‏الخراط في بعض أبياتها‎: ‎ أعرف أن الزمن تذروه الرياح‎… ‎ أعرف أن‎ ‎الخلود خواء‎… ‎ دقات الساعة ليست خرساء‎ ‎ لكن لا صوت لها‎ ‎ ‎”‎جاي يابوي جاي‎.” ‎ وأرجو ألا يجد القارئ غرابة في استخدام الخراط لهذه العبارة باللهجة العامية المصرية “الصعيدية” (نسبة إلى ‏صعيد مصر حيث ولد الخراط وتشبع بالتراث الفرعوني لهذه المنطقة من أرض الوطن)، لأنه في بقية الديوان ‏سوف يدهش القارئ بما هو أكثر من ذلك من استخداماته الفريدة للغة وللصور التعبيرية والمجازية التي تتسم ‏بالجرأة في التعبير، والبراعة في استنطاق الكلمات وتوليد المعاني بصورة ينفرد بها الخراط‎. ‎ أما قصيدة “سبع سحابات” فهي سبع مقطوعات “إيروتيكية” يمكن أن‎ ‎تحمل عنوان “وجوه إيروس السبعة”، ‏وتعبر عن تجارب عشق حسية حميمية يستخدم فيها الخراط لغة الجسد‎ ‎المباشرة المعبرة دونما اصطناع للحياء أو ‏التعفف الزائف عن عذابات الهوى وأحوال العشق والعاشق، فجاءت هذه القصيدة الرئيسية، مع قصائد أخرى ‏‏(وبالذات القصائد ذات الخلفية السكندرية) عاكسة لذهنية سافو شاعرة الاسكندرية الإغريقية، وأفكار كفافيس ‏وفلوبير. ويستخدم الخراط مجازية الجسد للتعبير عن قضايا أعم وأشمل من مجرد التركيز على الجسد كمدلول ‏جنسي. ففي “يقين العطش”، مثلا، يخاطب البطل معشوقته “رامه”، التي ستتجسد كثيرا على صفحات الديوان، ‏يخاطبها قائلا: “جسدك هنا ليس إلا جسد العالم، جسد كل الرجال، كل‎ ‎النساء، جسد كل الأشياء، جسد السماء ‏نفسها، جسد النجوم والقمر والأحد عشر كوكبا،… جسد الدلتا مفتوحة الساقين على البحر المختلط بالأوشاب ‏والأكدار والطمي الخصيب…”. وفي مكان آخر: “الجسد جميل. ليس هناك غير الجسد. لكنه ملتبس. البيد القفار ‏تعدو على نضرته. بداوة تغزو غضارته. عراقته الشامخة تتحات. أعمدة الكرنك مائلة وقبة البازيليكا الكبرى ‏مشروخة ينخر في أسسها سوس لا يعرف غير الظلمة مأوى ومتاعا. كيف أطوع جسدي ثنائيا بل متعدد الطوايا؟ ‏الاتساق لا الإلتياث مطمحي، لكن وهدة الوادي ترزح تحت حبوس سلفية” (يقين العطش)(4‏‎). ‎ في ديوان “سبع سحابات” نطالع قصيدة بعنوان “أنشودة إلى كيمي”، الإسم الفرعوني القديم لمصر، أو الأرض ‏السوداء. هل نقول إنها ترنيمة أو صرخة أو دعاء؟ أم هي تنبيه إلى واقع راهن يواجه أشباحا ظلامية تطل برأسها ‏من حين لآخر؟‎ ‎ فرسان محاكم التفتيش قديمة وراهنة‎ ‎ ‎”‎يحملون المشاعل لإبقاء المحارق حتى الآن‎ ‎ مازال أصحاب الطياليس والبيادق‎ ‎ والعمائم والقلانس والأقماع الشامخة‎ ‎ ‎”‎والفرجيات والجبب والزعابيط‎ ‎ ‎”‎والبنطلونات الجينز‎ ‎ ‎”‎يطوفون حول المحابس‎ ‎ ‎”‎وينقبون في بطون ماأراقته الأقلام‎ ‎ ‎”‎يتشممون ما وسمته المحابر‎ ‎ ‎”‎يَلِِغون فيما أجنته السرائر‎ ‎ ‎”‎مازال حاملو الحراب الطويلة والسيوف‎ ‎ ‎”‎رافعو الكلاشينكوف وعوزي‎ ‎ ‎”‎يشهرونها في وجه الصارخين في البراري‎ ‎ يحدقون بالجزر القلائل‎ ‎ ‎”‎يلوذ بها فتية وشيوخ‎ ‎ ‎”‎آمنوا بأن العقل هو الإمام‎ ‎ في‎ ‎الكتيبة الخرساء‎” ‎ IV ‎ على

صفحات الديوان يطالعنا في أكثر من قصيدة وجه “رامه”، العاشقة الأسطورية‎: ‎ ‎”‎صاحبة‎ ‎المكانة العليا‎ ‎ ‎”‎عند الغنوصي المتبتل العربيد‎ ‎ ‎… ‎ نهما إلى العب من ضروب المتع‎ ‎ ‎”‎متراوحا بين اليقين والعطش‎ ‎ ‎”‎الذي لا يريم‎” ‎ أفليس هذا الغنوصي المتبتل‎ ‎العربيد هو نفسه بطل رواية يقين‎ ‎العطش الذي يصف حبيبته/معشوقته في أحد مقاطع ‏الرواية بأنها‎: ‎ سيدة المتناقضات، متناقضة الأحزان والمباهج، متضاربة الأهواء والمنازع، متلاطمة المعاشق والمكابح، ‏إيزادورا إيزولده زمردة. هل أنت زامرة الحي أم ضحية حابي؟ هل أنت المتوجة‎ ‎الامبراطورة أم الغانية الهلوك؟ ‏هل أنت رمز العشق أم أنك واقعة من وقائع الحياة اليومية متجسدة ومحددة ومؤسية قليلا في كل أمجادها ‏المندثرة؟”(5‏‎) ‎ وهي رامة التي يناجيها في قصيدة بعنوان “ترنيمة إلى خنوم ـ رامة” قائلا‎: ‎ ياصاحبة الأيدي‎ ‎القادرة‎ ‎ ياصاحبة الأسماء الجلية الخفية‎ ‎ صاحبة الأصباح المظلمة‎ ‎ والليالي ساطعة السنى‎ ‎ ‎… ‎ عرفت في حضنك من النشوات والسكرات‎ ‎ مالم يعرفه بشر منذ‎ ‎الأزل‎ ‎ وإلى أبد الآبدين‎ ‎ ‎… ‎ هآنذا أهذي بحبك، مازلت‎ ‎ وبحزن القلب تنسحق الروح‎ ‎ لأنه مدينة منهزمة بلا أسوار‎ ‎ الرجل الذي ليس له سلطان على روحه‎ ‎ أسوار الروح قد سقطت‎. ‎ هذا التناص الذي يجمع بين “نثر” الخراط و “أشعاره” يتبدى أكثر وضوحا في المقتطفين التاليين، الأول فقرة من ‏رواية “حريق الأخيلة”(6)، والثاني من قصيدة بعنوان “ليلة هندية” في ديوان “سبع سحابات‎”. ‎ ‎”‎هل رأيتها تطل منها، شعرها الغزير الوحِيُّ، ملقى إلى جانب وجهها‎ ‎الأسيل. انهمار دفيء يدعو اليدين إلى ‏الغوص في غماره الوحفة الوثيرة، طيف ليلة هندية وهي تلقي الأشعار، حافية‏‎ ‎القدمين. أنفاس الناس ـ وأنفاسي ـ ‏معلقة بأنفاسها. رخيمة الجرس. أنثوية الإيقاع. صوتها فيه تمكن وحصافة ويبض بالنسوية وغلمة الشبق. كنت ‏ليلتها قد عانقتها وعرفت نعومة أغوارها. وكان بكاؤها بعد ذلك حارا وعنيفا‎.” ‎ هذه الصورة يعبر عنها الخراط شعرا في الأبيات التالية‏‎: ‎ بالأمس نسويتك الباذخة تحتي‎ ‎ تموجات الجانج والنيل معا‎ ‎ على ضفاف هوة من الشبق‎ ‎ ‎… ‎ الآن يتهدج صوتك الخصيب بأنثويتك‎ ‎ تقولين أشعار الآخرين‎ ‎ ‎… ‎ شعرك الليل الطويل‎ ‎ منسدل على جانب وجهك الأسيل‎ ‎ يصعد الآن بالمياه الملحة إلى عيني‎ ‎ بعد كل هذه السنين‎. ‎ V ‎ في الديوان تبصرات وتأملات “خراطية” عميقة: “عن الكتابة” (عنوان قصيدة)، التي هي‎: ‎ التحديق في عين الشمس‎ ‎ التحديق في الظلام‎ ‎ النظر بلا تورع إلى أشلاء‎ ‎الروح‎ ‎ سقوط في مهاوي الوقائع‎ ‎ التمرغ في حمأة الأحداث‎ ‎ فواجع الصحف اليومية‎ ‎ لا يعبأ بها أحد‎. ‎ ‎… ‎وعن أصدقاء رحلة العمر، أحمد مرسي وعدلي رزق الله: وفي قصائد عن أعمال هذين الفنانين التشكيليين ‏المرموقين يحوِّل الخراط لوحاتهما الفنية إلى قصائد شعرية ناطقة ونابضه حتى لكأنه استعار فيها ريشتيهما ‏وألوانهما مضيفا إلى ذلك رؤية فنية ثاقبة فإذا بالقارئ محاصر،‎ ‎باستمتاع، بين أضلاع المثلث الفني: العمل، ‏والفنان، والناقد‎. ‎ وفي السحابة السابعة (المقطوعة الأخيرة في قصيدة “سبع سحابات”) يتراوح العاشق بين‎ ‎الأسر والخلاص‎: ‎ عصفت الترانيم الإلهية‎ ‎ نورها غير الأرضي‎ ‎ لم ينقذ روحي‎ ‎ لم أجد فيها خلاصا‎ < /p> ‎ هل وجدت الخلاص في العشق؟‎ ‎ أم أن الروح مصفد أسير؟‎ ‎ هي الأسئلة الأزلية، أسئلة الروح والعشق والخلاص، التي يحفل بها الديوان، والتي تظل دائما بلا جواب. وهي ‏الجرح النازف بكل ما أشارت إليه سطور الديوان من آلام الآمال المحبطة، و”الشهوات غير المنقضية”، و”الحلم ‏المستحيل الذي لا وصول إلى حضيضه”، و”الحقائق غير النهائية وغير المفضوضة”، و”تباريح الوقائع ‏المبتذلة”، و”اللهفة التي لاريَّ لها”. فهذه العبارات جميعها مقتبسة من قصائد الديوان، وهي تعبر بصدق عن ‏عذابات شاعر وفنان ومفكر. وهاهو الشاعر العاشق، في لحظة صدق ومكاشفة مع الذات، يستغيث بنفسه من ‏نفسه‎: ‎ أيها‎ ‎العاشق الشيخ قديم الطراز‎ ‎ متى تبرأ من حبك ومن دموعك‎ ‎ ومن طفولتك؟‎ ‎ ‎… ‎ لا أحد يسمع سؤالك‎ ‎ لا أحد يسمع سؤالك‎. ‎ ‎——————————————————————————– ‎ هوامش‎ ‎ ‎(1) Erotic Faith, Robert Polhemus, University of Chicagho Press،‎ ‎ والمؤلف أستاذ للأدب الانجليزي بجامعة ستانفورد وله عدة مؤلفات نقدية‎. ‎ ‎(2) ‎سبع سحابات، دانتيللا السماء، شعر، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 2000‏‎ . ‎ ‎(3) ‎الدواوين‎ ‎الخمسة السابقة هي: تأويلات (1998)؛ لماذا؟ مقاطع من قصيدة حب (1996)؛ ضربتني أجنحة ‏طائرك‎ ‎ ‎(1996)‎؛ طغيان سطوة الطغايا (1996)؛ صيحة وحيد القرن (1998‏‎). ‎ ‎(4) ‎يقين العطش، دار شرقيات،‎ ‎القاهرة، 1996، ص 81‏‎. ‎ ‎(5) ‎يقين العطش، ص 254‏‎. ‎ ‎(6) ‎حريق الأخيلة، دار المستقبل، 1994، ص 210‏‎. ‎