ادوارد سعيد

إدوارد سعيدأسئلة الهوية والهيمنة الغربية ودور المثقف

حينما يحاول المرء التقاط صورة من قريب لصرح شامخ، يكون من الأمور البالغة الصعوبة اختيار الزاوية التي يمكن التقاط هذه الصورة منها، وهذا بالضبط هو الموقف الذي يواجهه المرء أمام شخصية شامخة كشخصية المفكر البارز إدوارد سعيد وما يمثلها من قيمة فكرية مشهود لها على الساحة العالمية.

في أول نوفمبر الماضي احتفل إدوارد سعيد بعيد ميلاده الخامس والستين. ولعله من قبيل الصدفة أن تأتي هذه المناسبة في خضم ما يشبه المهرجان الحافل من الكتب التي صدرت مؤخرا عن حياة المفكر الكبير ودوره المؤثر في النظريات النقدية والثقافية العالمية.

ففي الولايات المتحدة وبريطانيا بالذات صدرت عدة دراسات هامة منها، على سبيل المثال، كتاب “إدوارد سعيد: مقدمة نقدية” لمؤلفته فاليري كينيدي، والصادر ضمن سلسلة كبار المفكرين المعاصرين التي تصدر في بريطانيا والولايات المتحدة؛ و”إدوارد سعيد وإنجاز الناقد: مجابهة السلطة بالحقيقة” تحرير بول بوفي؛ و “إدوارد سعيد والآثار الدينية للثقافة” الصادر عن جامعة كامبريدج؛ وكتاب “إدوارد سعيد: تناقضات الهوية، من تأليف بيل أشكروفت وبال أهلواليا، فضلا عن إعادة إصدار العديد من مؤلفات إدوارد سعيد نفسه وآخرها سيرته الذاتية “خارج المكان”، وكتاب آخر بعنوان “إدوارد سعيد: مختارات من أعماله”.

وركزت هذه الأعمال على السيرة الذاتية لإدوارد سعيد، الذي ولد في القدس في عام 1935، ورحل مع أسرته إلى القاهرة غداة نكبة فلسطين، ثم سافر إلى الولايات المتحدة حيث أكمل تعليمه الثانوي ثم الجامعي في جامعتي برنستون وهارفارد، إلى أن انتهى به المطاف أستاذا للأدب المقارن في جامعة كولومبيا الشهيرة في نيويورك.

ونشر إدوارد سعيد أول أعماله النقدية عن الروائي الانجليزي جوزيف كونراد في عام 1966. ولكن صدور كتابه الثاني بعنوان “البدايات” في عام 1975 رسخ مكانته كواحد من أعظم النقاد الأمريكيين المعاصرين، حيث فتح سعيد في هذا الكتاب آفاقا جديدة أمام النظرية الأدبية تجاوزت حدودها التقليدية إلى أسس تاريخية ونظرية أوسع نطاقا، تربط الأدب بالفلسفة وعلم النفس ونظرية النقد والثقافة.

وفي عام 1978 أصدر إدوارد سعيد كتاب “الاستشراق” الذي أصبح منذ لحظة صدوره وحتى الآن من أهم النصوص في النظرية الأدبية المعاصرة، بل إنه أصبح يشكل الأساس الذي تقوم عليه أحدث النظريات النقدية المعاصرة، ربما آخرها حتى الآن، وهي نظرية مابعد الكولونيالية، أو مابعد الاستعمار. وأوضح د. سعيد أن الاستشراق مرآة تعكس سلطة الغرب وشهوته الامبريالية. وتطورت هذه المعرفة جنبا إلى جنب مع توسع الاستعمار الأوروبي. وأصبح التعبير عن المجتمعات والشعوب الأخرى ينطوي على عمل سلطوي يصورهم كمجتمعات وشعوب يتعين حكمها والسيطرة عليها وليس ككيانات يتعين فهمها والحكم عليها بطريقة نزيهة وموضوعية وعلمية. وأصبح الاستشراق هو الخيط الأول لبداية أي حديث عن الخطاب الاستعماري أو خطاب الاستشراق. ويتناول د. سعيد الاستعمار الأوروبي كخطاب أو مشروع لتمثيل ذلك الشرق “المارق” وتصويره واحتوائه وإدارته من خلال رموز وأقانيم نصية.

وكما تقول فاليري كيندي في مقدمتها النقدية عن إدوارد سعيد، فإن الدراسات الأدبية المعاصرة وبالذات نظرية ما بعد الاستعمار ما كان يمكن أن تحقق ما حققته أو أن تصل إلى ما وصلت إليه بدون الأعمال الفكرية لإدوارد سعيد وبالذات كتاب “الاستشراق”.

وأصبح من السمات الأساسية والمثيرة في عمل إدوارد سعيد عدم إمكانية الفصل بين اهتمامه بالشواغل والقضايا السياسية، كاهتمامه بقضية فلسطين وقضايا الهوية وهيمنة الغرب والاستعمار عموما، من ناحية، وتحليلاته وتنظيراته الأدبية والثقافية، من ناحية أخرى. ومن خلال عمل إدوارد سعيد تكرس وضع قضية فلسطين كجزء من تاريخ الاستعمار الأوروبي، وكجزء من الواقع المعاصر لمقاومة قوى مابعد الاستعمار التي تتخذ مختلف الأشكال في مجتمعات شتى.

وقد انصب عمل إدوارد سعيد على تحليل العلاقات بين الأدب والسياسة والثقافة. واتخذ هذا التحليل ثلاثة أشكال أو محاور رئيسية في مشروع إدوارد سعيد الفكري. ويشكل أول هذه المحاور كل من الكتاب/النظرية “الإستشراق”(1978)، وكتاب “الثقافة والاستعمار”(1993)، الذي سار على نهج سابقه واعتبر مكملا له. ويتناول هذان الكتابان العلاقة بين الشرق والغرب في السياق الكولونيالي وما بعد الكولونيالي.

وفي هذا المجال يركز إدوارد سعيد على الآثار السياسية للسيطرة الاستعمارية الغربية على الشرق، أو على كل ما هو غير غربي. وفي “الاستشراق” يبحث د. سعيد في تطور المفاهيم والتصورات الغربية للشرق منذ القرن الثامن عشر حتى الآن. ويطرح الكتاب عددا من المنظورات عن أشكال خطاب الاستشراق في مجالات متعددة ومتباينة كالأدب واللغويات وأدب الرحلات والأنثروبولوجيا والإدارة الاستعمارية. وفي أحد فصول “الثقافة والاستعمار” يركز إدوارد سعيد على الجغرافيا السياسية لعالم ما بعد الاستعمار، مع التركيز على دور الولايات المتحدة.

أما المحور الثاني فيتمثل في القضية الفلسطينية وصراع الشرق الأوسط والقضايا العربية الإسلامية الأوسع نطاقا ورؤية الغرب للإسلام والعرب. ومن كتب إدوارد سعيد في هذا المجال “قضية فلسطين” (1979)، و “تغطية الإسلام” (1981)، و”إلقاء اللوم على الضحية” (1988)، و “سياسة الاغتصاب” (1995).

وعلى المحور الثالث يكرس إدوارد سعيد عمله في تحديد دور ومسئوليات المثقف في عالم اليوم. ومن أهم الكتب التي تتناول هذا الجانب “العالم، والنص والناقد” (1983)، و “أدوار (أو تمثيلات) المثقف” (1994)، و “القلم والسيف” (1994). وفي هذه الكتب وغيرها يتناول إدوارد سعيد مهمة النقد في العالم المعاصر، وبالذات مسئولية المثقف والمفكر. ويهاجم إدوارد سعيد النظريات الأدبية الحديثة (مثل الشكلانية والنقد الجديد، والبنيوية، والتفكيكية، على سبيل المثال) باعتبارها منبتة الصلة بالواقع ومشاكله. ويرى إدوارد سعيد في الشك، والذاكرة، والحس النقدي أدوات هامة يجب أن تتوفر لدى المثقف. وعلى المثقف ألا تغويه السلطة أو الموافقة الرسمية، ويجب أن يظل مستقل الرأي وعلى استعداد للتصدي للمواقف الجامدة والأفكار الجاهزة وأن يكون قادرا على تغيير العالم. وشكل ترابط وتشابك هذه المحاور الثلاثة في فكر إدوارد سعيد أحد الأسباب التي أعطته المكانة الخاصة التي يتمتع بها في الحياة الفكرية الغربية المعاصرة.

ولم تكن هذه الإصدارات العديدة التي تناولت إدوارد سعيد وفكره هي التحية الوحيدة التي حظي بها في عيد ميلاده الخامس والستين. فقد كانت هناك أيضا تحية معنوية بالغة الدلالة وتعد انتصارا جديدا لإدوارد سعيد في معركته المتجدده ضد جماعات الضغط “اللوبي” الصهيونية التي أقض إدوارد سعيد مضجعها منذ أن سطع نجمه في جامعة كولومبيا في الستينات، وخاصة بعد نكسة عام 1967، حينما برز كمدافع قوي عن القضية الفلسطينية وعن صورة العرب والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية.

فقد أعلن مجلس جامعة كولومبيا رفضه لشكوى قدمها بعض أعضاء اللوبي الصهيوني ضد إدوارد سعيد، مطالبين بالتحقيق معه و توجيه اللوم إليه لقيامه أثناء زيارة له إلى لبنان في الصيف الماضي بإلقاء الحجارة على موقع للجيش الاسرائيلي. وكان إدوارد سعيد (وهو متزوج من لبنانية) قد توجه إلى الحدود اللبنانية مع إسرائيل عقب الانسحاب الإسرائيلي. والتقط أحد المصورين صورة لإدوارد سعيد وهو يشارك جموع اللبنانيين فرحتهم ويلقي بحجر على أحد المواقع الإسرائيلية. وقامت الدنيا ولم تقعد بين صفوف الأكاديميين الصهاينة الذي رفعوا الأمر إلى إدارة جامعة كولومبيا. وبعد شهرين تقريبا من الأخذ والرد أعلنت الجامعة مؤخرا أن ما قام به إدوارد سعيد يقع في حدود حريته الشخصية والأكاديمية. وحفظت الشكوى، ولكن ظلت صورة إدوارد سعيد تعبيرا مكثفا عن إرادة المفكر الملتزم الذي يقرن الفكر بالعمل وبالمواقف الصريحة والجريئة. ذلك أن الحجر الذي صوبه إدوارد سعيد تجاه الموقع الإسرائيلي لم يكن موجها فقط نحو سلطة استيطانية لا تزال تحتل وطنا فلسطينيا عربيا، ولكن أيضا ضد صنيعة استعمارية خلقها الاستعمار وما بعد الاستعمار، وذلك هو صلب القضية التي يكرس إدوارد سعيد حياته وعمله لفضحها وكشفها.