نهاية التاريخ

الأهرام 2003ديريدا ونهاية التاريخ:

عن التفكيكية وأزمة المشروع الغربي”

في هذا الوقت الذي يدور فيه جدل كثير حول الحداثة وما بعد الحداثة بكل ماتتخذهما من أشكال وما تطرحهما من أفكار، تتأكد دائما أهمية جاك ديريدا باعتباره من أهم الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين إن لم يكن أهمهم وأشهرهم جميعا. وقد ترجمت أعماله إلى العديد من لغات العالم، وكان لها تأثيرها في مجالات تعدت الفلسفة إلى مجالات العلوم الانسانية من قبيل الدراسات الأدبية والثقافية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ والدراسات القانونية.

وفي سلسلة الدراسات العديدة التي نشرت عن هذا المفكر الكبير، صدرت مؤخرا في لندن ونيويورك دراسة بعنوان: “ديريدا ونهاية التاريخ” من تأليف البروفسور ستيوارت سيم، الأستاذ بجامعة سندرلاند البريطانية. وتركز هذه الدراسة على دحض ديريدا لفكرة نهاية التاريخ كما طرحها المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما منذ بضع سنوات. لكن أهميتها تكمن أيضا فيما تلقيه من ضوء على بعض الجوانب الأساسية لفكر ديريدا كرائد لحركة التفكيكية كنظرية نقدية وثقافية وارتباطها الوثيق بمذهب مابعد الحداثة الذي لايزال يثير جدلا واسعا في الأوساط الأدبية والثقافية.

وكان فوكوياما قد طرح فكرة “نهاية التاريخ” في مقال له نشر في عام 1998 (طوره فيما بعد إلى كتاب نشر في عام 1992 بعنوان “نهاية التاريخ وإنسان آخر الزمان” أو “وخاتم البشر”، إذا اقتبسنا ترجمة الأستاذ حسين أحمد أمين،). وكانت فحوى نظريتة أن التاريخ وصل إلى نهايته نتيجة لانتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية على الشيوعية، وبالتالي على الماركسية. ورأى فوكوياما أن الأهم من ذلك هو انتهاء الصراع الايديولوجي إذ أن الديمقراطية الليبرالية بلغت حدها الأمثل.

وبادئ ذي بدء، يشير المؤلف إلى أن فوكوياما لم يكن أول من تحدثوا عن “نهاية التاريخ”. فقد تناول هذه القضية قبله مفكرو مابعد الحداثة الفرنسيون، من قبيل جان بودريار وجان فرانسوا لويوتار، نظرا لارتباط مفهوم “نهاية التاريخ” بمفهوم مابعد الحداثة. وأوضح المؤلف ان جذور هذا المفهوم تعود إلى ماركس وهيجل، وأشار إلى بعض الدراسات التي تناولت هذا المفهوم (لم يشر، بطبيعة الحال، إلى الكتاب الهام بعنوان “نهاية التاريخ” للدكتور عبد الوهاب المسيري الصادر عن الأهرام في عام 1971، والذي تناول فيه بنية الفكر الصهيوني وارتباطه بالمفهوم الهيجيلي القائم على رؤية التاريخ من وجهة نظر نهايته).

ويرد ديريدا بقوة على فوكوياما متسائلا: “أي خطاب هذا يحاول طرحه الذين يحتفلون بانتصار الرأسمالية الليبرالية وحليفها الطبيعي الديمقراطية الليبرالية لالشيء إلا لكي يخفوا ، وبالذات عن أنفسهم، أن هذا الانتصار المزعوم لم يكن في أي مرحلة من مراحله أكثر هشاشة وضعفا، بل إنه ينذر بعواقب وخيمة، وهو في أحسن الأحوال خال من أي معنى.

ويصف ديريدا نظرية فوكوياما بأنها “حيلة أيديولوجية لبث الثقة بالنفس”. فالقول بـ “نهاية التاريخ” إنما يعني قيام القوة أو القوى التي ستنشأ عن ذلك بقمع أي معارضة سياسية لها. فهل المقصود بنهاية التاريخ هو نهاية مفهوم معين للتاريخ وليس التاريخ ذاته؟ في رده على هذا التساؤل يقوم ديريدا، حسب تعبير المؤلف، باصطحاب القارئ في “جولة سحرية غامضة” عن الماركسية ومذهب “النهايات” الذي يتعرض لدعاة نهاية “أي شيء”: نهاية التاريخ، نهاية الحداثة، نهاية الأيديولوجية، نهاية الفلسفة، وما إلى ذلك. ولا مانع أن يخرج ديريدا في تناوله لهذه المسألة الى الحديث عن شكسبير وعن العديد من القضايا الأدبية والفلسفية مما يضفي على الجولة ذلك الطابع التفكيكي، نسبة إلى الحركة الفلسفية التي أسسها ويتزعمها ديريدا.

على أن ديريدا يقبل بفكرة انتهاء التاريخ باعتباره “مفهوما معينا”، أي التاريخ من حيث كونه موقعا للصدام الأيديولوجي بين نظم عالمية متنافسة. ويعلن ديريدا رفضه لنظرية فوكوياما من منطلق أن ماركس لايمكن ببساطه “شطبه” من التراث الثقافي، وأي محاولة لذلك ستجعل شبحه يعود من جديد (في إشارة إلى مطلع البيان الشيوعي “إن شبحا يؤرق أوروبا هو شبح الشيوعية”).

ويخلص ديريدا إلى أن فوكوياما أساء قراءة الحالة السياسية المعاصرة، وأن المثال الليبرالي الديمقراطي الذي يزعم بانتصاره النهائي لايزال في عزلة عن العالم، ويعاني من البطالة الشاملة والمشردين وتجارة السلاح واستغلال الأمم المتحدة (والمنظمات الدولية الأخرى).

ويبين المؤلف أن الفكر القائل بنهاية النظريات والمفاهيم يرتبط ارتباطا وثيقا بنظرية مابعد الحداثة التي تقوم على التحرر من سلطة التقاليد، وسيطرة الماضي على التفكير والسلوك. ورأى دعاة هذه الحركة أن الاعتقاد في الوسائل القديمة الثابتة في النظر إلى الأشياء هو أمر انتهى أوانه ولم يعد قائما. أما منظِّر مابعد الحداثة الأشهر فرانسوا لويوتار فيقول إن السمة التي تحدد هذا المذهب هي “النظر بعين الشك إلى النظريات الكبرى والشاملة، كالماركسية مثلا”، وبالتالي فإنه يطرح شكا صحيا في التقاليد الثقافية المترسخة. ويؤكد لويوتار الخطاب العلمي لما بعد الحداثة موضحا أن العلم في هذه الحالة هو العبور إلى عالم المجهول حيث لايمكن للتقاليد أن تقدم الكثير لمساعدتنا على فهم استفساراتنا. إن هذه النظريات لايمكنها أن تفسر لنا المستقبل، أو كيف سيكون. ومع أن هناك بالفعل أمورا يمكن أن نتعلمها من الماضي (فالتاريخ، كما يراه لويوتار، يتألف من طبقات متناوبة من الحداثة وما بعد الحداثة)، فإننا لسنا ملزمين بالأخذ بنظرياته العتيقة.

وقد صور لويوتار في كتابه “المجتمع اللاإنساني” عالما تعمل فيه قوى العلم والتكنولوجيا (أو الرأسمالية المتقدمة) على إطالة أمد الحياة البشرية إلى مابعد انتهاء الكون (إثر انفجار الشمس بعد 4,5 بليون سنة). في ذلك الوقت ستكون الحياة البشرية مختلفة عن حياتنا الراهنة وسيكون التركيز على وجود الفكر بدون الجسد. ويجسد لويوتار رؤية كابوسية تتمثل في استيلاء العقول الالكترونية على الحياة البشرية، ويصبح الجسد الانساني مجرد جهاز بال، ويصبح الفكر هو “برمجيات” العقل الإلكتروني. ومن هنا يرى لويوتار أن نهاية التاريخ كما تتوخاها “قوى العلم والتكنولوجيا” ستنتهي بالبشر إلى حالة “لاإنسانية”. وهذا المشروع العلمي ـ التكنولوجي هو النظرية الكبرى التي ستقضي على كل النظريات السابقة، ولن تجد لها رادا أو نقيضا مع غياب العنصر الإنساني.

واعتبر بعض النقاد أن لويوتار بذلك يقدم رؤية سلبية للعلم والتكنولوجيا، وأكدوا أن الوعي الإنساني هو جزء من الكون وليس مراقبا له. وسيكون الوعي الإنساني قادرا على تطوير مستقبل البشرية ربما إلى الحد الذي سيمكن معه تفادي انفجار الشمس وفناء الكوكب الذي نعيش عليه.

ويذهب مفكر آخر من مفكري مابعد الحداثة، وهو جان بودريار، خطوة أبعد من ذلك فيقول إن التاريخ هو (مصدر) مشـاكل الإنسـانية، وليس مجرد سجل لها. ويدعو صراحة إلى إلغاء التاريخ: “فالتاريخ هو مصدر اغترابنا على وجه التحديد، وتخلينا عنه هو سبيلنا إلى التخلي عن هذا الإغتراب.”

وأدى ارتباط ديريدا بمذهب التفكيكية إلى غموض وتعقد الأفكار التي يطرحها، ويقول كريستوفر نوريس أحد أساتذة نظريات الثقافة: “إن أسلوب ديريدا مغرق في الميتافيزيقية لتناوله قضايا معقدة وخطيرة تتعلق بخطاب البحث عن الحقيقة. وقد اتخذ بعض النقاد موقفا عنيفا ضد ديريدا فوصفوه بالتشاؤم المفرط ومحاولة القضاء على الفلسفة ذاتها.

وإلى جانب التأكيد على أهمية ديريدا الفكرية، يكاد يكود هناك إجماع على صعوبة وغموض فكره بسبب المفاهيم التي يطرحها والحجج التي يسوقها. وقد عزيت صعوبة فلسفة ديريدا إلى أنها ليست فلسفة “منهجية”، بمعنى أنها لاتقدم للقارئ نظاما فلسفيا “جاهزا” وكاملا تكون فيه جميع الأفكار والمصطلحات محددة من البداية إلى أن يخرج بنظرية شاملة. لكن معظم تحليلات ديريدا تقوم على الحوار مع غيره من المفكرين وعن طريق قراءة دقيقة لفكرهم والاستشهاد به والتعليق عليه. وتتمثل صعوبة هذا النهج في أنها تتطلب من القارئ أن تكون لديه معرفة مسبقة بآراء هؤلاء المفكرين لكي يتابع ويتفهم آراء ديريدا فيهم. ويزيد الأمر تعقيدا صعوبة أسلوب ديريدا وغموضه لما يقوم به دائما من نحت كلمات جديدة ومركبة مما جعل أيضا ترجمة أعماله إلى لغات أخرى مهمة صعبة.

ويمكن فهم جانب كبير من عمل ديريدا في إطار مشروع فردناند دي سوسير، مؤسس علم اللغويات الحديث. فقد حول سوسير هذا العلم من دراسة يغلب عليها الطابع التاريخي والمقارن إلى علم راسخ يقوم على برامجه المحددة وطرق التحليل الخاصة به. ورأى سوسير أن اللغة “نظام” تقوم فيه العلاقات بين عناصر اللغة وليس العناصر نفسها بتحديد المعاني. واعتبر سوسير أن مهمة اللغوي هي فحص البنى العميقة الأغوار التي تحكم العلاقات المتباينة بين العناصر التي تتكون منها اللغة وليس ماتعبر عنه هذه البنى في شكلها اللغوي العادي.

ومع أن ديريدا يصر على أن مذهب التفكيكية لايقوم على أي مفاهيم، فإن كتاباته تتضمن سيلا من التعابير والمصطلحات التي تقوم بدور هذه المفاهيم. ويرى ديريدا أن هناك دائما ثغرات في الاتصال، وأن المعنى لايمكن أبدا أن يوجد بصورته الكلية في أي مرحلة. المعنى هو عملية دائبة التغيير وكل أشكال الخطاب هي أشكال بلاغية وتقوم على اللعب بالكلمات. ولذلك، فالفلسفة نفسها لايمكنها أن تدعي مكانة أعلى من الأدب ـ من حيث الصدق ـ لأنها يمكن أيضا أن تحتمل وتواجه نفس فرص عدم الدقة في المعنى.

ويلقي المؤلف بعض الضوء على حركة التفكيكية التي أسسها ديريدا فيقول إنها تتميز بثلاث سمات رئيسية، وهي أن اللغة فيها يغلب عليها تماما طابع الغموض وعدم الثبات؛ ويترتب على هذه السمة أنه لن تكون هناك طريقة تحليل (فلسفية أو نقدية) يمكن أن تكون لها سلطة معينة في تحليل النص؛ ومن هنا تأتي السمة الثالثة وهي أن التحليل أو التفسير يصبح عملية مفتوحة وحرة على عكس ماهو معروف من أساليب التفسير. وقد جلبت هذه السمات انتقادات شديدة على التفكيكية رغم الاعتراف بجانبها الإيجابي المتمثل في إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها طرق التفسير المعتادة والتي لاتقوم غالباعلى سند قوي. فالتفكيكية إذن هي شكل شامل من أشكال الشك الفلسفي يدعو إلى التشكيك في كل الافتراضات القائمة.

ولعل هذا هو أحد الأسباب الرئيسية وراء الجدل الشديد حول هذا المذهب ومذاهب الحداثة عموما، والذي ربما سيظل مستمرا إلى وقت بعيد في المستقبل.