صنع الله ابراهيم

“ذات”
بين “مسخ” كافكا ونعى الحلم الضائع

“ حينمااستيقظ جريجورسازما ذات صباح بعد ليلة من الأحلام المزعجةوجدأنه تحول فى سريره الى حشرة بشعة. وتساءل بينه وبين نفسه:ماذا حدث لى؟ لم يكن ذلك حلما.”

بهذه البداية المخيفة والغريبة استهل فرانز كافكا رائعته الشهيرةThe Metamorphosis التى ترجمت الى العربية تحت عنوان”المسخ” أو “التحول” واعتبرت منذ صدورها فى مطلع هذا القرن أصدق تعبير عن غربة انسان هذا الزمان واصبح كافكا من الرواد المبدعين الذين جسدوا هذا الأغتراب فى معظم أعماله بصورة حادة ومكثفة ومؤلمة .

هذا التحول المؤلم والغريب هو الفكرة الرئيسية فى رواية صنع الله ابراهيم الأخيرة “ذات”. وطبيعى أن يتصور البعض لأول وهلة أن”ذات” ربما كانت سيرة ذاتية للمؤلف أو لأحدى شخصيات الرواية ، ولكن سرعان مايتبين القارئ (فى السطر الأول من الرواية) أن ذات هو اسم بطلتها التى يصور لنا المؤلف من خلالها(ومن خلال ماتعرضت له من مواقف فى حياتها) مرحلة من أهم مراحل التحول التى مرت بها مصر منذ منتصف الستينات حتى الآن.

فى ذلك الوقت تزوجت ذات من عبد المجيد حسن بعد مقدمات رومانسية شهدتها “بركة البط فى حديقة المريلاند” و “كانت تلك فترة الآمال العريضة والتطلعات الجسورة والأحلام:أحلام النوم وأحلام اليقظة بكافة أنواعها، الجاف منها والمتبل “.

وذات/الرواية هى قصة تحول ذات/البطلة وبقية أبطال أو شخصيات الرواية من أناس حالمين الى كيانات غريبة مضطربة تتدافع فى كل الاتجاهات فى جو فوضوى وفى مناخ مشحون بالخوف وانعدام الأمن الأجتماعى والتكالب على اللحاق بقطار الثراء والنزعة الأستهلاكية التى ميزت السبعينات فى أعقاب حرب1973 وحدوث طفرة البترودولار . ونجد أنفسنا أمام صورة بيكاسوية عبثية تذكرنا بكل الفزع والهلع الذى تصوره لوحته الشهيرة “جيرونيكا” التى تجسد العذاب الذى ارتسم عى وجوه سكان (وحيوانات) قرية اسبانية وهى تتعرض للقصف خلال الحرب الأهلية الأسبانية.

ويصور صنع الله ابراهيم هذه البشاعة من خلال “لوحات تقريرية” يعرضها علينا فى شكل مقتطفات من عناوين الصحف المحلية، فكأننا نجلس أمام”كاليدوسكوب” أو “صندوق الدنيا” ل “نتفرج كمان ياسلام” على عجائب هذا الزمان : التصريحات المتناقضة والسرقات وحوادث الأغتصاب وسوء استعمال السلطة وملايين الأموال المهدرة وظهورالأثرياء الجدد وحكايات شريهان والريان وونش مترو الأنفاق وسفح القطاع العام وكل مايخطر على البال من الظواهروالتقلصات الغريبة والطاحنة التى افترست المجتمع فى تلك الفترة العصيبة.

فى ظل تلك الظروف لم يكن يمكن لأحلام ذات أن تصمد. واذا كانت هذه اللوحات التقريرية تصور لنا “الماكروكوزم” أو العالم الكلى الذى تتحرك فى إطاره “ذات” البطله ومن معها، فإن ذات نفسها تشكل “الميكروكوزم” أو العالم الصغير الذى يتحرك كتابع لذلك العالم الكلى أو هى الصورة المصغرة له. وهاهى ذات منذ اللحظة الفاصلة فى حياتها “ليلة الدخلة” فى خضم أحداث وصدمات لم تخطر لها على بال وأثارت الأضطراب فى كل حياتها وخططها، وهى “صامتة، مبحلقة العينين، تتلقى الصدمة تلو الأخرى”.

لقد صدمت ذات ليلة زفافها على عبد المجيد (وصدم هو أيضا الى حد البكاء) بأنها لم تكن عذراء (ليس لسبب أخلاقى وربما لسبب خلقى(.

وبعد الزواج وتكوين عش الزوجية البسيط (فى عمارة العرسان) فى أحد أطراف حى مصر الجديدة بدأت الأحلام الصغيرة تتباعد شيئا فشيئا. لم يكن عبد المجيد قد أتم تعليمه الجامعى ، وسرعان ماأدرك كلاهما أنه لاحاجة لهاهىأيضاأن تستمر فى كلية الأعلام (كى تتفرغ لتربية الأبناء). لكنهما سرعان ماأدركا أن مطالب الحياة لن تسمح بهذا الترف فالتحقت بعمل ادارى فى احدى الصحف. وتحولت ذات الطموحة الحالمة الى ربة بيت مطحونة فى العمل وفى المنزل ، وأصبحت تواجه كل يوم بتحد جديد يباعد بينها وبين أحلامها. لقد كان وقع حركة طفرة السبعينات أشد مما تهيأت له ذات ومن معها (سكان عمارة العرسان :الضابط والمهندس والموظف بالزراعة ومدام سهير ساكنة الشقةالمفروشة ). وتموج العمارة بتغيرات سريعة وسكانها يلهثون وراء متطلبات التغيير . ودائما تتسع الهوة بين الحلم والواقع “فالحلم الرأسمالى الذى كان يبدو قريب المنال فى ظل اشتراكية عبد الناصر ، صار للعجب مستحيلا فى عهد رأسمالية السادات “.

وتتحول شخصيات ذات(الرواية) الى “ماكينات عاكفة على مضغ الفول والمخلل ثم ابتلاع الشاى “ أو “ماكينات بث” فى الغرف المكتظة بالمكاتب التى تعلوها الأتربة وتتناثر فيها الصحف والمجلات فى اهمال. ونمضى فى رحلة كابوسية مع شخصيات الرواية وهى تحاول جاهدة ان تتماسك وأن تصمد أمام التحولات المخيفة التى تحدث فى المجتمع . وهاهى ذات تجرى من مستشفى الى آخر ، مرة لتعالج ورما سرطانيا فى ثديها، ومرة لعلاج طفلها الذى ولد وهو يعانى من مشكلة فى النطق . وفى ظل المناخ السائد واعلانات التليفزيون وأسماء السلع والمحلات الجديدة (ذات الأسماء الأجنبية فى معظم الأحوال ) لم يكن غريبا أن يخطو الطفل خطواته الأولى نحو الشفاء بالنطق بالأنجليزية قبل أن ينطق بالعربية.

ذات هى تعبير عن المسافة بين الحلم وفقد الحلم، بين الرؤيا والكابوس ، بين الواقع والعبث الذى يعجز أفراده عن عمل شىء لتغييره ، ومن ثم يتحولون الى كائنات تبدو منعزلة عن هذا الواقع لكنها فى الحقيقة نتيجة طبيعية له. هذا الأنفصال المادى جسده المؤلف ببراعة فى “التكنيك” الذى ابتدعه لشكل الرواية بتقسيمها الى فصول سردية (تتناول الحياة اليومية لشخصيات الرواية) وفصول تقريرية (تصور ببراعة الخلفية والظروف والعوامل الأجتماعية التى أفرزت هذه الشخصيات). ولذلك فلا مبالغة فى القول بأن ذات هى رواية كابوسية ، صعبة ومرهقة ، ولا شك أنها أرهقت كاتبها الذى اعتصر فيها كل معانى الأحباط والمرارة والأذى والظلم الأجتماعى و”المسخ” الذى تصوره الرواية ، وهى المعانى التى تنتقل بقوة وبصدق الى وجدان القارئ ، وتجعل من “ذات” عملا كلاسيكيا يضاف الى روائع صنع الله ابراهيم ، واضافة جديدة الى فن الرواية العربية بوجه عام.