خيرى شلبى

“وكالة عطية”
نموذج أصيل فى أدب المعرفه

حينما يعمد الكاتب إلى تجاوز حدود الإبداع الفنى المجردة مضمنا عمله الإبداعي بعدا آخر عمليا يتناول، على سبيل المثال، التطور التاريخى الإجتماعي لفترة من الفترات أو عصر من العصور فإنه يكون بذلك قد مزج بين التجربة الإبداعية والتجربة المعرفية التاريخية-الإجتماعية وأعطى لعمله عمقا يجعل تقييمه والحكم عليه لاينصرفان فقط إلى الرؤية الإبداعية للكاتب ولكن أيضا إلى المضامين الفكرية والمعرفية التى عكسها عمله فى نهاية المطاف. وهذا هو النهج الذى تكشف عنه رواية “وكالة عطية” للأستاذ خيرى شلبى.

ولإيمانى الشديد بما يمكن أن أسميه عبق الأمكنة وعبق الأزمنة، ولمعرفتى المباشرة بهذه اللغة الخاصة التى آثر المؤلف أن يصوغ بها هذا العمل الملحمي (خاصة وأننى من بلدة المحمودية التابعة لمحافظة البحيرة، وعاصمتها دمنهور، التى استوحى منها خيرى شلبى عمله العظيم)، فقد استوعبنى هذا العمل حسا وفكرا، ليس فقط بما عكسه من إبداع مؤلفه، ولكن أيضا بكل مايعرضه من شخصيات ومواقف وأخلاقيات، وبما ينطوى عليه من نظرة تاريخية واستكناه للشخصية المصرية فى حقبة السنوات الأولى لثورة 1952.

بطل رواية “وكالة عطية” لم يشأ أن يعرفنا بإسمه وقرر أن يحكى لنا قصته بضمير المتكلم. وخلال الرواية يتأكد لنا إصراره على عدم الإفصاح عن إسمه حتى فى المرات التى كان يسهل على المؤلف أن يعطيه إسما ما نراه يغفل ذلك عمدا فيناديه أحد أصدقائه فى الشارع، مثلا، بقوله “ يافلان”. وأيا كان الأمر فإن بطل رواية “وكالة عطية” صعلوك “بحق وحقيق”. وأنا أستعير هذا التعبير الجازم الذى يشى بشيئ من العامية من الراحل العظيم يوسف إدريس الذى أسس خطابا روائيا فريدا ومتميزا هيأ له المكانة التى احتلها فى ميدان القصة والرواية. وأذكر أن هذا التعبير قد “عشش” فى ذاكرتى منذ قرأته فى إحدى قصص أو روايات يوسف إدريس، ربما قصة “الغريب” أو رواية “البيضاء”. وهذا التعبير فى حد ذاته ليس مشكلة وقد يقول قائل إنه مجرد تعبير جار وللكل الحق فى استخدامه. ولكننى أذكر فى ذلك النصف الأخير من عقد الخمسينات وفى أوائل الستينات كيف بهرتنا تلك اللغة الأدبية التى ابتدعها يوسف إدريس والتى تميزت بالسلاسة والبساطة وأسست مدرسة حديثة فى تاريخ القصة العربية. وربما أغرانى على استخدام هذا التعبير أيضا هو أنه استلفت انتباهى فى أحد سطور “الوكالة”. وما أرمى إليه من إثارة هذه النقطة والتركيز عليها هو أننى تصورت- وسعدت بتصورى- أن لغة الرواية ستكون عموما على هذه الشاكلة، تلك اللغة البسيطة والوسيطة مابين العربية والعامية، والمزخرفة من حين لآخر، وكلما سمح النص والموقف والمضمون، بتعبير فولكلورى سواء أكان مثلا شعبيا أو موالا أو أغنية شعبية، وهى الأشكال الفولكلورية التى تحفل بها بالفعل لغة الخطاب الروائى فى هذه الرواية. ولكن واقع الأمر هو أن لغة “وكالة عطية” جاءت على عكس ذلك تماما. وربما أراد المؤلف لها أن تكون تعبيرا حيا ومطابقا للغة أهل الوكالة، وربما قرر من البداية ألا يتدخل فى الحوار وألا ينمقه وألا يخضعه لقدرته الإبداعية التى تتجلى فى فقرات كثيرة من الرواية. ربما لكل ذلك بدت تلك اللغة فى أحيان كثيرة نابية وفى حاجة إلى صقل. إن التجارب التى تحكيها رواية “وكالة عطية” هى تجارب جد ثرية وعميقة وهى تشكل بالفعل عناصر أساسية تجعل من هذه الرواية عملا كلاسيكيا عظيما كان يمكن أن يرقى إلى مرتبة درة عبد الرحمن الشرقاوى “الأرض” من حيث أن كلتا الروايتين هما من النوع الذى يمكن اعتباره جزءا من السيرة الذاتية للمؤلف فى ظل خلفية الواقع السياسي – الإجتماعي لفترة معينة.

يتحدث المؤلف عن الوكالة قائلا:”لم أكن أتصور مطلقا أنه يعنى تلك الوكالة الشهيرة؛ ربما لأنها كانت ذات وجود أسطوري فى داخلى يحول بينى وبين الإرتباط بها أو الإقتراب من شفير هاويتها؛ فإذا بى فجأة مساقا إليها بإرادتى كاننى أسعى لشىء جديد لم أكن أعرف عنه من قبل شيئا، أى شىء؛ فما أن رأيتها الآن رأى العين استوعبتنى فى الحال كواقع قائم بذاته مثير للإنتباه. استيقظت الأسطورة القديمة لتلتحم بالواقع. خيل لى أن الوكالة على وضعها هذا أقل بكثير جدا من صورتها فى الأسطورة ؛ أقل سحرا ربما؛ لكننى مع ذلك شعرت برغبة عظيمة فى الإنغماس فيها حتى النخاع. إن الأسطورة التى كان من المفترض أنها تمنعنى عن الوكالة وتكرهنى فيها، هى نفسها التى تكرهنى عليها ، تغرينى بالدخول فيها؛ بل إنها لتزرعنى فيها زرعا، بكل مافى السحر من قوة، وبكل مافى نفسى من استجابة ورغبة فى الرؤية والكشف والممارسة.”(ص16(.

لقد اخترت هذه الفقرة بالذات من فقرات الرواية لاعتقادى بأنها بالغة الأهمية والدلالة فيما يتعلق بالقضيتين الرئيسيتين اللتين تثيرهما هذه القراءة ل”وكالة عطية”. أما القضية الأولى فهى قضية اللغة، ويعبر عنها هذا التناقض الصارخ بين مايتجلى فى هذه الفقرة من عذوبة لغوية وإبداع بنيوى فى الأفكار والعبارات، ومن ناحية أخرى بين المستوى النابي للغة الخطاب الروائى فى معظم الرواية، والتى أوثر الا أختار منها شيئا إذ تحفل بها معظم صفحات الرواية ولن يستعصى على القارئ التقاطها بسهولة. إلا إننى أريد أن أكرر ماأشرت إليه فى البداية وهو أن تلك اللغة تدنت أحيانا إلى مستوى “جارغون” أو لهجة محلية ربما يفهمها أهالى البحيرة وما حولها لكنها ستستعصى بالتأكيد على قارئى العربية عموما. وهذه هى نقطة الضعف الرئيسية فى الرواية.

أما القضية الرئيسية الأخرى التى تعطى لهذه الفقرة بالغ الأهمية والدلالة فهى أنها تعبر بالفعل عن جوهر الرواية وتشكل أساسها المنطقى الذى يقوم عليها بناؤها كاملا.

إن الأسطورة والواقع اللذين تشير إليهما الرواية ليسا سوى “وكالة عطية” من ناحية بوصفها الأسطورة، أو اليوتوبيا، المجتمع المثالى، ذا القوة الساحرة، فى مقابل الواقع الذى يمثله المجتمع الدمنهوري خارج الوكالة. لقد وجد الراوى فى وكالة عطية المجتمع المأمول، مجتمع العدالة الإجتماعية والمساواة والحب والتراحم بعد رحلة أوليسية فى مجتمع الواقع الدمنهورى (نسبة إلى شخصية أوليس أو أوديسيوس الأسطورية بما عرف عنها من غزوات ومغامرات وبما أوحت به لقريحة الكثيرين من الكتاب والشعراء)، حيث ذاق الراوى كل أشكال المهانة والذل بعد فصله من معهد المعلمين وهو على وشك التخرج.

ومما له مغزاه أيضا أن فصله من المعهد وضياع مستقبله قد حدث بسبب أنه رزئ “بمدرس للرياضة كان سخيفا وسمجا وابن زانيه] لاحظ اختيار المؤلف للصفات[: لم يعجبه أن أبناء الفلاحين المعدمين القادمين من القرى والعزب أشبه بالجرابيع الحفاة، يمكن أن يتفوقوا فى التعليم على أبناء المدارس الأصلاء من أبناء الذوات والناس الطيبين، فصار يتصدى لى فى كل امتحان.” وحينما طرده هذا المدرس من لجنة الإمتحان وجد نفسه ينط فى كرشه “حتى تركته كومة من الخرق الممزقة مبقعة بالدم، دمى ودمه”(ص10(.

بطل “وكالة عطية”، كما أشرنا، صعلوك باختياره. وتبدأ الرواية بحادثة فصله من معهد المعلمين، وتنتهى بالشرطة وهى تداهمه فى غرفته بالوكالة حيث “الشلة” وزجاجات الكحول والحشيش وورق اللعب والنساء شبه العاريات: “مبروك عليك! قضية لابسة لانقض فيها ولا إبرام !! إدارة المسكن للعب القمار وشرب المخدرات والخمر وتسهيل الدعارة!!”(ص414). وما بين هاتين الحادثتين نعيش مع “أوليس” خيرى شلبى عالم الوكالة السلس والممتع والصحى، حيث “كان كل شىء يغرى بالإنصات والتأمل والإستغراق”، وحيث “رأيتنى أستسلم لنوم عميق لم أعهده فى حياتى من قبل حتى على الفراش الوثير. ثم رأيتنى أمشى متسكعا بمزاج رائق وبلا أدنى خوف داخل غابة كثيفة الأشجار لاأول لها ولا آخر. وكانت الذئاب والثعالب والكلاب والسباع والنمور نائمة تحت جذوع الأشجار تتثاءب فى ملل غير عابئة بخطواتى النشوانة الحمقاء. وكان يبدو أننى أعرف كل هذه الوحوش معرفة شخصية وأنها هى الأخرى تعرفنى حق المعرفة وأن بيننا ودا قديما لعله رابطة البحث عن لقمة فى النهار ومأوى فى آخر الليل؛ بل خيل إلى أن بعضها يكاد يعزم على بنظرة جانبية، يكاد يترك العظمة التى ينهمك فى نهشها ليقول لى: تفضل والحس لك لحستين.”(ص21(

هذا هو عالم الوكاله كما تراءى للراوى فى حلمه بعد رحلة التيه فى مجتمع الواقع الدمنهورى حيث “يلفظنى الشارع المزدحم ذو البلاطات العريضة المتشققة بأخاديد المياه القذرة … حتى إذا ماأقبل الليل احتوانى الظلام فضغطنى بين جنبيه فى قسوة شديدة إما بالبرد أو بالخوف أو بالضياع” (ص12(.

يظل بطل “وكالة عطية” متأرجحا بين هذين العالمين إلى أن يبلغ مجتمع الواقع نقطة الإنكسار. هذا المجتمع يصحو ذات يوم على “فجر أسود” من الإعتقالات والسجون والتعذيب. تتلون صفحات الرواية بصور القمع والمهانة والعسكرى الأسود واغتصاب النسوة أمام أزواجهن والموت كمدا أو تعذيبا أو شنقا:”ماهذا الذى يجرى للناس فى عهد الثورة؟ هل يتركهم الله يفعلون بالناس هكذا؟”(ص322(.

لكن بطل وكالة عطية فى تشتته بين الواقع والحلم ، وفى دوامته بين “البحث عن لقمة فى النهار ومأوى فى آخر الليل” كان غائبا عن ذلك وغير واع به إلى أن صدم به هو شخصيا ذات يوم. فقد التقى ابنة عمه الثرية بدرية (التى ود الزواج منها لولا أنها ورثت وجه أبيها فى غلظة الشفتين وتكور الجبهة)، وكانت متشحة بالسواد. قالت باستنكار ردا على تساؤله عما حدث: “أنت إذن غائب عن الوعي! لاتعيش فى الدنيا”(ص408). على مقهى قريب حكت له مأساتها: فقد شنقوا زوجها لأنه من مؤسسى الجهاز السرى. قبل ذلك، تعرضت للتهديد والتخويف والإغتصاب. كادا أن ينفطرا من البكاء فى ركن المقهى وهما يحاولان إخفاء دموعهما عن الجرسون الذى كان يتابعهما بنظرات العزاء والمواساة حتى اقتحم عليهما المنضدة ببسمة عذبة كأنه يمس بها على رأسينا قائلا:”وحدوا الله بقى حرام اللى بتعملوه فى نفسكم ده.” وبالمناسبة، فإن هذا هو أحد المشاهد البالغة التعبير والصدق فى الرواية والتى تدلل على قدرة المؤلف على سبر غور مايسمى بالروح أو النفس البشرية أو السلوك الإنسانى، باختصار “الروح” التي تتسم بها شخصية “ابن البلد” المصرية.

إن قراءة خيرى شلبى الإجتماعية-السياسية لهذه الحقبة الزمنية التى تمثلها الرواية هى شكل من أشكال المعرفة التى يقدمها إلينا فى إطار معرفى مدعم بالوقائع والأسماء والأحداث والأماكن داخل إطار آخر هو الإطار الإبداعى الذى تقوم عليه الرواية. وكأنما يصادق خيرى شلبى عمليا على مقولة تيودور أدورنو بأننا نلجأ إلى الأدب المعرفي حينما ندرك أن “الحقيقة هى نقيض المجتمع القائم”، وأننا نتحرك على هذا الطريق تحدونا الرغبة فى تغيير مانعتقد أنه خطأ وفى إصلاح ماانكسر واستعادة مافقد. ومن هنا يصبح العمل الفنى تعبيرا عن الرغبة فى تصور وتنفيذ خيارات أخلاقية معينة والعجز عن تحقيقها. وهذا يفسر ماشعر به بطل “وكالة عطية” فى أول مواجهة له مع الوكالة من “استجابة ورغبة فى الرؤية والكشف والممارسة”.

آخر فقرات الرواية تعبير إبداعي وصورة تشى بالفوضى الناتجة عن فقد التوازن الدقيق بين مجتمع الواقع اللاحقيقى ومقابله الطوباوى المتمثل فى وكالة عطية. “وفى الظلام الدامس”، يقول بطل الرواية، “رأيت قمرا شاحبا مخنوقا يتمرد على جحافل السحب ليلقى على الأرض نظرة: كانت بدرية تمضى أمامى فى خط مستقيم تتأبط قرطاسا من زهر البنفسج، فلا أرى سوى ظهر شبحها الملتف بالسواد يمضى نحو شاهد قبر بدا فى رمشة القمر كقالب من الرماد الأبيض فوق فيل خرافي بارك على الأرض.” لكنها فقرة توحى فى نفس الوقت بأن ملف “وكالة عطية” لايزال مفتوحا، ربما لتعطينا الأمل بأن ننتظر من المؤلف أجزاء أخرى مكملة لهذا العمل العظيم أو مماثلة له.