نجيب محفوظ

ليالي ألف ليلة
حينما يصبح الواقعي أغرب من الأسطوري*

صدرت رواية “ليالي ألف ليلة”، إحدى شوامخ إبداع نجيب محفوظ، بالعربية لأول مرة في عام 1982، وإن كانت هناك إشارة من المؤلف في آخر الرواية إلى أنها “تمت في 27/11/1979”. ولهذين التاريخين أهميتهما في تحديد السياق التاريخي الذي كتبت فيه الرواية والذي نشرت فيه وهو سياق حقبة مابعد كامب ديفيد حتى اغتيال الرئيس أنور السادات في أكتوبر/تشرين الأول 1981.

ويدعوني إلي تقديم هذا العمل العظيم أمران. الأول هو صدور الرواية بالإنكليزية في ترجمة قام بها دينيس جونسون ديفيز، البريطاني الذائع الصيت الذي أثرى المكتبة الغربية بأكثر من عشرين مجلدا من الأدب العربي المترجم رواية وقصة وشعرا. وسنلاحظ من مجرد استعراض وجيز لتقديم الرواية المنشور على غلاف الطبعة الإنكليزية مدى تقدير الناقد الغربي لرواية محفوظ حيث قال إن الكاتب الكبير، بما اشتهر به من براعة في فن القص، أن ينتج عملا لايقل عظمة أو إبهارا عن العمل الذي أوحى به وهو قصص ألف ليلة وليلة الشهيرة. وجاء في ذلك التقديم أن الرواية تعد خروجا ملحوظا على الشكل التقليدي الذي عودنا عليه نجيب محفوظ الذي عرف بتسجيله لوقائع عصره. لكنه في هذه الرواية “يبعث روحا جديدة في الرواية العربية.” ورغم أن زمن الرواية يعود إلى العصور الوسطى، سيجد القارئ أن أحداث الرواية موحية ومألوفة بصورة مدهشة.

ويمضي التقديم فيشير إلى أن الرواية تصور مدينة اجتاحها الفساد والإضطراب الإجتماعي وانعدام الأمن. وكبير الشرطة مشغول دائما بمتابعة الأنشطة السرية لمختلف الجماعات الدينية التي أعلنت عزمها إسقاط الحاكم. ووسط هذا الجو المضطرب، وكما تصور لنا حكايات ألف ليلة وليلة الأصلية، تخرج الجان من قماقمها وتسيطر على مصائر الناس فتحركهم كما يحلو لها.

وحسب هذا المنظور النقدي الغربي للرواية، فإن الشكل الروائي المقتبس عن حكايات ألف ليلة وليلة وفر للمؤلف إطارا ووسيلة لانتقاد المجتمع الذي يعيش فيه. “فالجماعات الدينية في رواية محفوظ لاتختلف كثيرا عن الجماعات والحركات الدينية المتطرفة التي تجتاح المنطقة مطالبة بتغييرات سياسية جذرية.”

وبذلك أصل إلى السبب الثاني الذي يدعونى إلى إعادة تقديم هذا العمل العظيم. وهذا السبب هو رأي نجيب محفوظ نفسه فى هذه الرواية. ففي إحدى المقابلات التي أعقبت فوزه بجائزة نوبل سئل محفوظ عما إذا كان هناك عمل معين يعتز به ولم يلق ماتوقعه له هو من نجاح. وخلافا للردود التقليدية التي يعلن فيها المبدعون أن أعمالهم تحظى بنفس الإعزاز وما إلى ذلك، كان الأديب الكبير صريحا ومباشرا وقال على الفور: ليالي ألف ليلة. ولم يزد حرفا. ولكن كان في هذا الرأي مايكفي. لقد كان نجيب محفوظ يدرك تماما قيمة الدرة التي أبدع صنعها.

في ختام الرواية نقرأ هذه الكلمات التي جاءت على لسان أحد أبطالها:” من غيرة الحق أن لم يجعل لأحد إليه طريقا، ولم يؤيس أحدا من الوصول إليه، وترك الخلق في مفاوز التحير يركضون، وفي بحار الظن يغرقون، فمن ظن أنه واصل فاصله، ومن ظن أنه فاصل مناه، فلا وصول إليه، ولا مهرب عنه، ولابد منه.”

تنتهي الرواية بهذه الكلمات بعد رحلة طويلة مذهلة وشيقة بحثا عن الحق والخير. وهي رحلة بالغة الإمتاع نشتم فيها رائحة الملاحم الشهيرة في الأدب العالمي. ويعطي هذا الإنطباع الملحمي القالب الذي صيغت فيه الرواية وهو قالب حكايات ألف ليلة وليلة الأسطورية. إنه قالب الخيال، لكنه خيال لايفصل بينه وبين الواقع سوى خيط دقيق لايكاد يرى، أو حادثة ما تنقلنا فجأة من أحداث واقعية محضة تقع في زمن ما وفي مكان ما إلى عالم آخر أسطوري. هذا المزج البارع بين الواقع والأسطورة هو مايجعل من “ليالي ألف ليلة” قمة أدبية عالمية.

ومسرح الرواية حي صـغير يذكرنا بـ “حارات” نجيب محفوظ الشهيرة. والحي تجسيد لمدينة أو أمة تسلطت عليها العفاريت فأحالت أيامها إلى سواد، وقلبت عاليها أسفلها، وفي خلال زمن قصير: “مات كثيرون فشبعوا موتا، وولد كثيرون لايشبعون من الحياة، هبط من الأهالي قوم وارتفع قوم، أثري أناس بعد جوع وتسول آخرون بعد عز، وفد على مدينتنا عدد من أخيار الجن وأشرارهم، وآخر أخبارنا أن ولي حكم حينا معروف الإسكافي.” وهاهو أحد أشخاص الرواية يرثي للحال التي وصلت إليها المدينة قائلا:”استشهد الشرفاء الأتقياء، أسفي عليك يامدينتي التي لايتسلط عليك اليوم إلا المنافقون. لم يامولاي لايبقى في المزاود إلا شر البقر؟”

إننا في عالم خيالي ـ واقعي، عالم السلطان شهريار، وحاكم الحي، وكاتم السر، وكبير الشرطة. وهناك أهل الحي الذين ينقسمون إلى سادة وعامة، وفيهم التاجر وصاحب الملايين ومضحك السلطان، وفيهم الحمال والحلاق والسقاء. وتموج الرواية بأحداث عظام تحرك الحي في مد وجزر عنيفين يهزان الطبقة الحاكمة هزا، وتثير في أعماق أهله البسطاء الآمال والمخاوف، وتولد فيهم الإتجاهات المختلفة. وفي زمن قصير يتعرض الحي لأحداث جسيمة يعترف المسؤولون عنها بأنهم دفعوا إلى ارتكابها بأمر الجان. وبالطبع لاتؤخذ اعترافاتهم مأخذ الجد ويساقون إلى ساحة الإعدام. ولكنهم لايموتون. فالجان أيضا تجد لهم سبيلا إلى الخروج من مآزقهم.

ويتناول نجيب محفوظ حكاية كل شخصية من الشخصيات في فصل من فصول الرواية. ومع ذلك، لايبدو أن هناك أي انفصال في التتابع الدرامي لأحداث الرواية التي تشد القارئ من البداية إلى النهاية. ويشهد بناء الرواية على “صنعة” محفوظ كنحات بارع في هذا المجال. فنحن أمام بناء هندسي فريد تتناسق فيه الأشكال الإستاتيكية والديناميكية في تناغم رائع. وتشكل الجانب الإستاتيكي الخلفية الأسطورية لليالي ألف ليلة وليلة التي أمتعت البشرية قرونا ولا تزال منبعا فريدا لخيالاتها. هناك أيضا “الأساس” الذي يقوم عليه بناء الرواية، وهو الحي الذي تدور فيه الأحداث. أما الجزء الديناميكي في هذا البناء فهو يتألف من عدة دوائر متشابكة تتحرك في إطار الخلفية الإستاتيكية. ومن الحركة الدائبة لتلك الدوائر تصدر إشعاعات ومضامين فكرية أصيلة ولمحات إنسانية رائعة. وفي هذه الحركة الدائبة أيضا يموج حي نجيب محفوظ بتفاعلات صاخبة وسريعة في تيار عنيف من التآمر والقتل والبطش في ظل سلطان “متأرجح بين الهدى والضلال”. ويسابق هذا التيار تيار آخر من الحب والصفاء والتسامح والإيمان.

من شخصيات الرواية الرئيسية شخصية جمصة البلطي، كبير الشرطة، الذي “كلما وقع حادث جديد قبض على عشرات بلا دليل أو قرينه وعذبهم بلا رحمة، وخفت متابعته للشيعة والخوارج فضاعفوا من نشاطهم وحرروا الصحائف السرية تطفح بتجريم السلطان والولاة وتطالب بالإحتكام إلى القرآن والسنة. وجن جنونه فاعتقل الكثيرين حتى خيم الخوف على الحي جميعا ومادت به الأرض.”

ولأن الواقع القائم في الحي أصبح من المستعصي على البشر إصلاحه، فإن عفاريت محفوظ تتدخل لتفرض إرادة التغيير. فظهر العفريت “قمقام” لكبير التجار صنعان الجمالي واستخدمه أداة لقتل رئيس الحي. وكذلك ظهر العفريت “سنجام” لكبير الشرطة وأمره بالتخلص من رئيس الحي الجديد. يقول العفريت قمقام لصنعان الجمالي: “إني عفريت مؤمن، لذلك آثرتك بالخلاص.” ويقول العفريت سنجام لجمصه البلطي: “إني عفريت مؤمن ولا أتجاوز حدودي أبدا.” ويقول السلطان متهكما بعد سماعه باعترافات القاتلين:”سنجام جمصة عقب قمقام الجمالي. أصبحنا في زمن العفاريت الذين لاهم لهم إلا قتل الحكام.” وقمقام وسنجام هما نموذج “أخيار الجن” في الرواية، ولكن هناك أيضا “سخربوط” و”زرمباحة” اللذان يمثلان “الكفر والشر” حتى في نظر قمقام “المؤمن”. وهما لايكفان عن بث شرورهما وتنفيذ مكائدهما في البشر في جانب كبير من الرواية. وتصبح العفاريت الأسطورية شخصيات واقعية فاعلة. ويستمد البعد الأسطوري عمقه من الواقع الجديد للشخصيات في عالمها الحالي، وتصبح الأسطورة تعبيرا رمزيا عن المطلق وعن مجمل الأفكار والتأملات التي يعبر عنها العمل الفني الذي يصبح في النهاية أسطورة ذاتية للكاتب نفسه يفرغ فيها خلاصة فكره وتوجهاته التي تكون حينئذ قد خرجت من الحيز الشخصي إلى إطار من الكونية والشمول.

هذا الفكر وهذا التوجه وإن كان يصعب تلخيصهما إلا أنهما يمثلان خطا واضحا ومنتظما خلال الرواية وينطق به المؤلف على لسان من يختارهم من أبطاله. هاهنا شخصية “الشيخ” التي عرفناها في أكثر من رواية لنجيب محفوظ. وهي الشخصية التي ترجع إليها الشخصيات الأخرى من حين لآخر تستقي منها الحكمة والموعظة. وتعبر كلمات الشيخ في لرواية عن مضامين وتجارب إنسانية شمولية وذات طابع صوفي أحيانا. ومن أقواله:

“الفعل الجميل خير من القول الجميل..

“عرفت من التلاميذ ثلاثة أنواع: قوم يتلقون المبادئ ويسعون في الأرض، “وقوم يتوغلون في العلم ويتولون الشؤون، وقوم يواصلون السير حتى “مقام الحب، ولكن ماأقلهم..

“كل ماعليها فان إلا وجهه، ومن يفرح بالفاني فسوف ينتابه الحزن عندما “يزول عنه مايفرحه..

“من ذل في نفسه رفع الله قدره، ومن عز في نفسه أذله الله في أعين عباده، طوبى “لمن كان همه هما واحدا، ولم يشغل قلبه بما رأت عيناه وسمعت أذناه..

“إذا سلمت من نفسك فقد أديت حقها، وإذا سلم منك الخلق فقد أديت حقوقهم.”

وهاهو سندباد نجيب محفوظ في حضرة السلطان شهريار، وقد سأله السلطان أن يقص عليه طرفا مما تعلم من رحلاته، فقال، وهو الحمال البسيط الذي ترك وطنه وهاجر إلى بلاد الله الواسعة التماسا للرزق فأفاض عليه منه، يقول سندباد: “تعلمت يامولاي أول ماتعلمت أن الإنسان قد ينخدع بالوهم فيظنه حقيقه، وأنه لانجاة لنا إلا إذا أقمنا فوق أرض صلبة. وتعلمت يامولاي أن النوم لايجوز إذا وجبت اليقظة، وأنه لايأس مع الحياة. وتعلمت يامولاي أن الطعام غذاء عند الإعتدال، ومهلكة عند النهم، ويصدق على الشهوات مايصدق عليه. وتعلمت يامولاي أن الإنسان قد تتاح له معجزة من المعجزات، ولكن لايكفي أن يمارسها ويستعلي بها، وإنما عليه أن يقبل عليها مستهديا بنور من الله يضىء قلبه. وتعلمت يامولاي أن الحرية حياة الروح وأن الجنة نفسها لاتغني عن الإنسان شيئا إذا خسر حريته.”

هكذا تحدث محفوظ في أسطورته التي تكتسب أصالتها وعمقها من أن معانيها ورموزها ستظل صالحة إلى الأبد.

——————————————————————————–

* نشر هذا المقال أصلا عن الترجمة الانجليزية لرواية “ليالي ألف ليلة”.