ابراهيم عبد المجيد

طيور العنبرأبطال محبطون ومدينة تخلع ثوبها الهيليني

“إن الذي ينسون أخطاء الماضي محكوم عليهم بتكرارها”. هذه العبارة المنسوبة إلى الفيلسوف الأمريكي (الإسباني الأصل) جورج سانتايانا (1863-1952)، تعيدها إلى الذاكرة رواية إبراهيم عبد المجيد الأخيرة “طيور العنبر” (روايات الهلال، يناير/كانون ثان 2000). وقد رأى سانتايانا، الذي أصبح من أساتذة الفلسفة المرموقين في جامعة هارفارد، أن التقدم لا يعتمد على التغيير بقدر ما يعتمد على الاحتفاظ بالذاكرة والوعي. ومن هنا أهمية الأعمال التاريخية والأدبية التي تذكر بأخطاء الماضي وعبره. وفي “طيور العنبر”، ينضم عبد المجيد إلى نجيب محفوظ وجميل عطية ابراهيم وصنع الله ابراهيم، وغيرهم في ما قدموه من معالجات حادة وصريحة لأخطاء وتجاوزات ارتكبها الثوار ودفع ثمنها الفقراء البسطاء الذين كانت الثورة حلمهم.

وقد أثارت الرواية في النفس أشجانا تاريخية تستعصي على النسيان عن بعض التجاوزات التي صاحبت ثورة يوليه 1952 في مصر من قبيل الأخذ بالشبهات والإعتقالات العشوائية للمواطنين من مختلف المشارب. ونقرأ على لسان الراوي: “وهكذا يكون النظام الحاكم في مصر قد اعتقل أهم القوى الوطنية المصرية، فالإخوان المسلمون لا يزالون في المعتقلات، وسينضم إليهم اليساريون، ولن يبقى إلا عملاء النظام الذي يتحدث عن الديمقراطية كل يوم، ويسجن البلاد والعباد” (ص 255).

ومن بين الشخصيات العديدة التي تحفل بها الرواية، ستعلق بذاكرة القارئ شخصية نوال الممرضة ذات الصوت الجميل التي كان الطبيب يصر على جعلها تغني بينما هو يجري العمليات الجراحية، حتى أطلق عليها اسم مطربة العمليات. ولمجرد الاشتباه في علاقتها بالدكتور أحمد “اليساري”، فقد طوردت نوال واضطهدت وأسيئت معاملتها واعتقلت بلا محاكمة ولم يعرف أحد إليها سبيلا. وحينما وجه والدها شكوى إلى الرئيس عبد الناصر شخصيا، تلقفته زبانية المباحث. وفي مشهد بالغ الإيجاز والتأثير عبر عبد المجيد عن محنة نوال وأبيها، وعن كابوس دولة المخابرات (التي أعلن عبد الناصر عن زوالها في أعقاب نكسة67). وحتى بعد عدم ثبوت أي تهمة على نوال فقد ظلت مطاردة ووضعت العراقيل أمام هدفها المأمول في احتراف الغناء. وكان نموذج نوال هو أحد نماذج البسطاء والفقراء الذين تناولتهم الرواية والذين دفعوا ثمن تجاوزات الثورة سجنا واعتقالا ومرضا.

تتناول “طيور العنبر” ما يمكن تسميته بالتاريخ الاجتماعي أو الشفوي لمدينة الإسكندرية. وتعد الرواية استمرارا لنفس الموضوع والتكنيك الروائيين اللذين استخدمهما المؤلف في روايته السابقة “لا أحد ينام في الإسكندرية”. وهذا يجعل المقارنة بين هذين العملين أمرا لا مفر منه. فقد تناولت “لا أحد ينام في الإسكندرية” تاريخ المدينة خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت بحق درة استحقت عن جدارة الفوز بجائزة أحسن رواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1997. أما رواية “طيور العنبر” فتتناول تاريخ المدينة غداة إعلان تأميم قناة السويس وما ترتب على ذلك من عدوان على مصر عام 1956 بما كان له من آثار على المدينة، وبالذات خروج الأجانب والمصالح الأجنبية، وما أحدثه هذا التغيير المفاجئ في التركيب الديمغرافي والاجتماعي للمدينة وما صاحب ذلك من سياسات للدولة من تأثير على أهل المدينة.

وفي حين تستمد “لا أحد ينام في الإسكندرية” قوتها من قوة عناصرها، أي موضوعها وشخصياتها والمرحلة التي تتناولها، فإن “طيور العنبر” تستمد قوتها من ضعف هذه العناصر. فبالنسبة إلى الموضوع، تناولت الرواية الأولى فترة بالغة الأهمية من تاريخ المدينة بل وتاريخ العالم، وركزت على دورها الإيجابي في التصدي للغارات الأجنبية في الحرب العالمية الثانية. أما دور المدينة في “طيور العنبر” فهو دور سلبي وغير فاعل، ويمكن وصفه في أحسن الحالات بأنه مجرد رد فعل على الأحداث التي واجهتها المدينة في المرحلة التي تتناولها الرواية مثل العدوان الثلاثي، التأميم، خروج الأجانب، فقد المدينة لجانب هام من جوانب شخصيتها، وهو جانب التنوع الحضاري الذي كانت تتسم به إلى أن خرج منها الأجانب بالآلاف في أعقاب العدوان. واقترن بذلك الجانب السلبي بعض الممارسات (السلبية أيضا) من جانب السلطة، مثل عمليات الاعتقال العشوائية وقمع الحريات والتخويف.

وبالنسبة إلى الشخصيات فقد ضمت “لا أحد ينام في الإسكندرية” عددا من الشخصيات التي تحمل صفات الأبطال الروائيين، وبالذات شخصية مجد الدين، البطل الأساسي في الرواية، الفلاح الذي يهجر قريته، راضيا، حقنا للدماء، الشخص المسالم الطيب المتدين بلا تعصب، والمغترب الذي يهجر قريته وأسرته التماسا للرزق. أما شخصيات “طيور العنبر” فهي من الشخصيات التي يمكن وصفها بالأبطال السلبيين أو اللاأبطال. وشخصية البطل السلبي هي شخصية تعوزها صفات البطل العادي مثل الذكاء وقوة الشخصية والاستقامة الأخلاقية ورجاحة العقل. ورغم العيوب التي تشوب هذه الشخصية السلبية فهي دائما صادقة مع نفسها، وتظهر في بعض الأحيان، وعلى غير توقع، قدرة فائقة على مواجهة الصدمات ورباطة الجأش. وتستمد هذه الشخصيات قوتها من ضعفها وعجزها اللذين يتحولان في الوقت المناسب إلى قدرة وصلابة وشعور مكثف بالكرامة والرغبة في تحقيق الذات. وهي شخصيات تحفل بها حارات نجيب محفوظ وروايات جوجول وفلوبير وديستويفسكي.

وسنجد في “طيور العنبر” الكثير من هذه الشخصيات الهامشية التي أصبحت أكثر تهميشا بفعل المرحلة التي تناولتها الرواية: فلفل مطحون، صاحب محل البهارات، سلامة الغلق، صاحب المقهى، فريد الذي لا يعرف من الغناء سوى “ياريتني طير ونا طير حواليك” (لا يتقدم عن هذه الشطرة أبدا)، وعيد، الفتى الجميل المحيا الذي يهوى مغازلة النسوة بمجرد البحلقة بصورة بلهاء في عيونهن، والذي لا يعرف من سورة الفاتحة سوى: “بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، ولا الضالين، آمين، صدق الله العظيم”، ومحمود كلاكيت، كومبارس السينما الذي يطمح إلى إخراج فيلم سينمائي لمجرد أنه ظهر في لقطة واحدة في فيلم حسن الإمام “لك يوم يا ظالم”، وحبشي الذي يجمع اللقطاء من على شاطئ ترعة المحمودية ويربيهم، كأبنائه، في عشته المتواضعة مع زوجته “بدرة”: “إنها خطايا المدينة يا “بدرة” يقذفونها علينا”، هكذا يبرر لها الموقف. يقتحم حياة حبشي وبدرة مراكبي (ملاح) يدعى رباني، وهو شخصية راسبوتينية يتمكن من إغواء بدرة التي تهرب معه تاركة حبشي وسط لقطائه والذي لا يلبث أن يتزوج من امرأة أخرى تهوى غواية المراهقين بالاستحمام عارية في الترعة.

ومن أهم هذه الشخصيات شخصية سليمان الذي يمكن اعتباره الشخص الوحيد الذي تنطبق عليه صفة المثقف في هذه الرواية. لكنه أيضا، شأنه شأن معظم شخصيات الرواية، شخصية باهتة رومانسية غير فاعلة، ويحلم بكتابة رواية، وأحيانا يتفاعل مع القارئ فيحكي له أين وصل به هذا الجهد، ولكن الأهم من ذلك هو أن هذا المثقف يصاب بالعمى المؤقت في وقت الأزمات، بالذات عند كل امتحان دراسي، فهل هي صورة مجازية عن رؤية المؤلف لدور المثقف، أم أنها رؤية تتفق وواقع الحال بالنسبة لكل شخصيات الرواية، وبالذات “أهل المساكن”، الذين يعيشون حياتهم الهادئة على شاطئ ترعة المحمودية: “العجيب في أولاد المساكن أنهم دائما مبسوطون لا يعرفون الحزن أبدا (ص 283)، وأيضا: “أهل المساكن غلابة، وربما لا يعرفون حتى الآن أن الإنجليز خرجوا من البلاد (ص 350). هذه الترعة هي شريان المياه العذبة الرئيسي الذي يربط مدينة الإسكندرية المطلة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بنيل مصر. وهذا الواقع المكاني للعالم الذي تصوره “طيور العنبر” هو في المقام الأول صورة مصغرة لواقع أشمل للحياة على أرض الوطن، وهو أيضا تعبير حقيقي وصادق عن خصوصية مدينة الإسكندرية وبالذات في المرحلة التي تناولتها الرواية حيث كانت المدينة بوتقة تضم العديد من جنسيات العالم.

إن هذه الخصوصية القائمة على التنوع الحضاري والثقافي والتسامح الديني وروح التكافل الاجتماعي هي الموضوع الرئيسي الذي تنصب عليه الرواية. ولذلك فإن القارئ يجد نفسه على الفور في خضم علاقات أطرافها سكندريون وأجانب: يعيشون حياة واحدة، ويتعاملون كأصدقاء وأحبة وجيران. ومن خلال الثنائيات العاطفية بين شخصيات العربي و “كاتينا” اليونانية، وسليمان و”جين بانكروفت” الانجليزية، وخير الدين وخطيبته “الجوني”، وأيضا من خلال إبراز الطابع المتنوع لأهل المدينة والمودة التي تربطهم على اختلاف جنسياتهم ودياناتهم، فإن “طيور العنبر” صورت بصدق المحنة التي تعرضت لها هذه الخصوصية السكندرية بعد الخروج الجماعي للأجانب في أعقاب حرب 56. وكانت الإسكندرية تربة خصبة لهذا التزاوج لكن كل هذه العلاقات انفصمت بقسوة مع التطورات السياسية للمرحلة.

ماذا إذن عن الطيور؟ طيور العنبر التي تحمل الرواية اسمها؟ يقول الراوي:

“في جدودي مجانين من نوع خاص، أحدهم كان مجنون العنبر. أمضى حياته كلها بين عمان وزنزبار يتاجر في العنبر. كان لديه أحسن فريق من الغواصين يأتون له بالعنبر من أعماق المحيط الهندي. سمع يوما أن هناك عنبرا قيما يقوم بإفرازه طائر خرافي في جزر الملديف، فذهب إلى جزر الملديف وبنى بيتا هناك وبحث عن الطائر الخرافي لكنه لم يصل إلى شيء حتى جاء صباح سمع فيه دويا في الفضاء وصوت ضربات جبارة كأنها طبول من فوق الجبال. تطلع من شرفة البيت فرآها، الرياح الأربع، قادمة إلى البيت. كان قصرا في الحقيقة عاليا قويا. واقتلعت الريح القصر ومشت به أمامها في الفضاء. تركته واقفا وحده وحملت القصر سليما كما هو من حوله، وارتفعت به إلى الفضاء. لم تعده مرة أخرى. ظل جدي هذا واقفا يوما كاملا في العراء، لا أحد يمر به ولا أحد يراه. وفي المساء مشي حزينا إلى الشاطئ فوجد زورقا في انتظاره، حمله إلى سفينة حملته إلى عمان، وانتهى صيادا للحيتان. حوت العنبر بالذات. لكنه مات في البحر قبل أن يصطاد حوتا واحدا.”

هذه الحدوتة البسيطة التي لم تستغرق سوق فقرة واحدة في هذا العمل الكبير هي فحوى هذا العمل برمته. فهي تعبير عن الرغبة في الإنجاز وعن الإحباط لعدم تحقيقه في نهاية المطاف حيث يموت الجد دون أن يصطاد حوتا واحدا. ولقد كان هذا المصير الذي لقيه جد الراوي “فلفل مطحون” هو نفس المصير الذي خيم على كل شخصيات الرواية المحبطين. وهي أيضا مجرد مثال على الأسلوب المجازي الذي يعتمده المؤلف في التعبير عن الكثير من الأفكار التي تطرحها الرواية.

لكن “طيور العنبر” في تناولها لهذه المحنة فتحت أمام القارئ عالما حافلا بالشخصيات التي يشعر القارئ على الفور بانتمائه لها وتعاطفه معها. والرواية بحجمها الضخم نسبيا (466 صفحة) تقدم بانوراما واسعة لعدد كبير من الشخصيات الوطنية والأجنبية التي عاشت تلك المحنة. كما تتضمن الرواية، عملا بالأسلوب الذي انتهجه المؤلف في “لا أحد ينام في الإسكندرية”، العديد من النصوص الصحفية والإخبارية والأغاني التي تلقي الضوء على ظروف المرحلة. وأحيانا يشير المؤلف في ثنايا النص إلى لقطة، مثلا، تكون قد استرعت الانتباه في مرحلة ما، مثل: “جمال عبد الناصر يلعب الكرة الشراب مع أم كلثوم”، أو “خروشوف يجلس على حجر مارلين مونرو”، أو “كيلوت بريجيت باردو أحمر ومقطوع”. وهي كلها محاولات تجريبية في الشكل السردي للروية، وأبرزها مثلا، وهذا أمر ليس مألوفا في الروايات، أن تختتم الرواية بنوع من التنويه أو الإشارة إلى المراجع التي استند إليها المؤلف في عرض بعض أحداث الرواية.

وما بين ليلة وضحاها، خلعت المدينة ثوبها الهيليني، غادرها الأجانب بالآلاف، وتحولت أسماء شوارعها من هيلين وأثينا ومنيرفا وفينوس إلى الياسمين والفل والزنبق، ومن كفافيس وبابادوبلو وهيرودوت إلى عمرو بن العاص وأبو عبيدة وابن الجراح وسعد بن أبي وقاص، وتحولت شوارع أجاممنون وأخيل ورومولوس وفيلوكتيتس إلى خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة الشيباني وموسى بن نصير وطارق بن زياد.

إن روح البهجة والفرحة والتلاقي والأمل في المستقبل التي ميزت نهاية “لا أحد ينام في الإسكندرية” حيث “صارت مدينة من فضة تسري فيها عروق من ذهب” تتطلع إلى المستقبل، تتناقض بصورة صارخة مع نهاية “طيور العنبر” المعبرة عن صراع شخصيات الرواية مع إحباطاتها ومع واقع ملبد بالموت والفراق وفقد الاتجاه، وهو واقع صوره المؤلف في مقطوعة بعنوان “قصة سوريالية” تعبر عن الهلع الذي أصاب ركاب إحدى السفن الغارقة فراحوا يلقون بأنفسهم في الماء التماسا للنجاة، وهي حكاية رمزية جسدت ما يواجه المدينة وأهلها من مستقبل غامض ومجهول.

“طيور العنبر”، على طولها وتعدد شخصياتها وتنوعها، لا تشعر قارئها بأي ملل. وهي كنز من الحكايا التي يمكن أن تنسج منها عشرات الروايات. ولقد كانت براعة إبراهيم عبد المجيد أنه جمعها كلها في هذا النسيج الوحيد المتماسك، فخرجت كاللحن الأصيل الذي كلما استمعت إليه شدك إلى سماعه من جديد، وكلما استمعت إليه مرة أخرى كشف عن جوانب من القدرة والإبداع.

Toyoor El Anbar

]مقتطف من طيور العنبر[

“وقف يهم بالانصراف فبان غيظ شديد على وجه الرجل الفولاذي، ثم صرخ فيه:

ـ إجلس مكانك ياروح أمك. هل تعرف ماذا فعلت يارجل ياتافه أنت؟ أزعجت رئيس البلاد من أجل بنتك التافهة الشرموطة.

كان الرجل الفولاذي قد وقف، وارتفع صوته فدخل عدد من المخبرين من أبواب لم يرها حمزة، بل لم يرهم وهم يدخلون، انشقت عنهم أرض الغرفة. وجد حمزة نفسه يقف مرعوبا يكاد يتلاشى.

صرخ الرجل الفولاذي وهو يشير إلى المخبرين أن يظلوا بعيدا:

ـ تريد ابنتك؟ ليس قبل أن تقول لي من نصحك بإرسال خطاب للرئيس، ومن هم الشيوعيون الذين يعملون في السكة الحديد، والشيوعيون الذين يعيشون في المساكن.

ضاع كل شيء يربطه بالحياة. أدرك أنه في محنة حقيقية. غريق يضرب بذراعيه في بحر متلاطم. لكنه تكلم بصوت لا يكاد يخرج من فمه:

ـ ياسعادة البيه الناس في المساكن غلابة وربما لا يعرفون حتى الآن أن الإنجليز خرجوا من البلاد..

هنا كاد الضابط يضحك. حقا لقد كاد جسمه يهتز، لكنه تماسك وتحدث وإن بصراخ أقل بعد لحظات من الدهشة والصمت:

ـ وحياة امك؟ طيب. الآن سترى ماذا سنفعل بابنتك أمامك.

فتح باب ظهرت منه نوال في حالة إعياء تام ممسوكة بيدي إثنين من المخبرين. تقدمت نحو أبيها لكنها سقطت على الأرض، وجرى هو إلى قدمي الرجل الفولاذي:

ـ أبوس رجلك. كله إلا بنتي. اقتلني أنا.

……

ـ خدوا أولاد القحبة ارموهم في الشارع.”