إدوار الخراط

حريق الأخيلة
نوستالجيا رومانسية عن جحود الأصدقاء وغرابة الزمن

أقسى على نفس المرء من موت الصديق (الذي هو قدر ومكتوب) موت الصداقة نفسها (الذي هو فعل أو جرم إنساني) وخاصة حينما تكون هذه الصداقة من النوع الإستثنائي الذي يصوره لنا إدوار الخراط في “حريق الأخيلة”.

تأخذ “حريق الأخيلة” شكل المذكرات أو السيرة الذاتية الأدبية. ولن يحتاج القريبون من إدوار الخراط أو الذين يعرفونه حتى عن بعد إلا قليلا من الخبرة بلعبة الكلمات المتقاطعة لكي يتعرفوا على الشخصيات الحقيقية التي تمثلها شخصيات الرواية لأن منهم من ذكر المؤلف إسمهم صراحة ومنهم من اختار له إسما “موزونا” أو “معكوسا” (بلغة الكلمات المتقاطعة). فالدكتور محمد عبد المتعال قدال،مثلا، “عمود الأخلاق المكين”، كما يصفه الخراط، يذكره جميع من كانت له صلة بكلية آداب الإسكندرية في أواخر الخمسينات وخلال الستينات، فهو أستاذ اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزي النوبي الأصل، خريج جامعة جلاسجو. ولكن ربما لايعلم الكثيرون من تلاميذه بموته الفاجع على شريط ترام الإسكندرية إذ صدمه الترام وهو يعبر الشارع. “كان قد أصيب بالصمم. ولم يكن يضع سماعة. ولم يعرف كيف أتاه الموت.” كامل الصاوي الأرستقراطي الهيئة والسلوك والذي يموت محترقا في سريره بعد أن غلبته سنة من النوم وهو يدخن سيجاره. محمد حسن عيد، أو محمد علي زيد، علَم الترجمة الدولي والشاعر والمفكر. وغيرهم من أصدقاء الصبا والشباب في إسكندرية الأربعينات المشبوبة بالعاطفة والحماس.

لكن الشخصية المحورية التي أطلقت شرارة “حريق الأخيلة” هي شخصية وفيق راقم (…)، صديق العمر وصنو الروح الذي هانت عليه صداقة عريقة تركها تذبل في قسوة.

“أقسم جسمي في جسوم كثيرة”..

وأزداد غنى بالقسمة. في التشتت كمال. البدد يضمني إلى ذاتي.

أما شهوات الروح فهي غير مقسومة.

شهوات الروح تفح وتتلوى. ثعابين بين أنقاضها.

لاضربات السنين تقوى عليها، ولا قبلات الحب البغضاء الدامية،

ولاحريق الأخيلة.

فهل كان السبب هو اختلاف الرأي بين الصديقين على حال الوطن؟ وفيق، الصعيدي الذي أصبح الآن أوروبيا مستغربا، لايرى في الوطن سوى “القمامة والذباب والإهمال والرشوة..الرثاثة والدكتاتورية والفساد وتكميم الأفواه، وقمع الحريات وخبث الناس.”أما صديقه فيرى أن “الناس في مصر أكرم وأكثر أصالة ودفئا منهم في أي مكان آخر.. وأنهم في البيئة المناسبة يبدعون ويلتزمون ويتفوقون.. وعبد الناصر غير وجه المجتمع وله أمجاد كثيرة.”

ولنترك الخراط يكمل الحوار الذي دار في بيت الصديق في إحدى ضواحي لندن:

“قاطعني باحتداد واحتدام صارخ عالي النبرة. وكانت يده ترتجف بكأس الويسكي فتترجرج قطع الثلج فيه وترتطم بزجاج الكأس. وفجأة قالت شيرويت، بالإنكليزية طبعا، دادي، لماذا تتحدث الآن عن ذلك البلد؟ تركته أنت من زمان، لاشأن لك بهؤلاء الناس. لاتهتم بهم.

وطبعا حز فى نفسي كلامهاعن “ذلك البلد” الذى كانت قد ولدت فيه، والذي دفن فيه جدها الصعيدي ناظر محطة صفط الملوك العتيد. لماذا يحز فيّ كلامها..

فكرت إنه كان على وفيق أن يبث فيها وفي أولاده الآخرين حب “ذلك البلد”..

هكذا فكر الخراط.

ولكن لا البنت حفظت حب البلد القديم، ولا الأب حفظ عهد الصداقة العتيد. وفترت العلاقة بين الصديقين كثيرا.

في لقاء مؤثر ومعبر جمع بين الصديقين في إحدى محطات الغربة الكثيرة، يحاول الخراط إلقاء حبل النجاة للصداقة الغارقة. دعا صديقه إلى فنجان قهوة في كافيتيريا الأمم المتحدة. “وجلسنا هناك في الدفء المريح وفي هدوء بعد الظهر، نطل على مياه الهدسون التي تجري باردة من وراء الزجاج ]يقصد النهر الشرقي أو الإيست ريفر، ولعله يرد بـ”لازمته” الأثيرة:مش فاكر، هوه أنا كان عقلي دفتر[.

“الرياح تهب بالشجرة الوحيدة البعيدة على الجزيرة غير المأهولة، والصنادل تسري بلا صوت تحمل بضاعة مغطاة بالمشمع المندي اللامع.” صورة مجازية معبرة عن صداقة فريدة في مهب الريح والصمت يكتنف الصديقين اللذين يكاد مابينهما من حب أن يتحول إلى بضاعة مغطاة بالمشمع المندي اللامع. لم يبق منها إلا بريق.

(لماذا ـ وما معنى ـ هذه الدموع النزرة التي تملأ عيني، بعد أكثر من نصف قرن؟ ياه! لاأصدق طبعا. لكن هذا الطفل الصبي النزق الغارق في الرومانتيكية، مازال هنا.(

“لاأيأس من صداقة عريقة أحسها في نفسي غير زائلة.هاهي ذي تزول أمامي، لماذا؟” ويتساءل:”أليس ذلك كله محزنا قليلا؟”

بل إنه محزن “كثيرا”، وهو يدري ذلك، لكنه لايريد أن يفرض “عاطفيته” و”رومانسيته” على القارئ. إلا أن هذه العاطفية والرومانسية فرضتا نفسهما تماما على النص.وكانت النتيجة كما يقول الخراط نفسه: “كتابة جديدة… لعلني لاأجرؤ أن أكتبها الآن خشية من عاطفيتها المسرفة..” ولكن ماالعيب في تصوير حالة هي بطبيعتها عاطفية إلى أبعد مدى، ورومانسية بأقوى مايمكن للرومانسية أن تتخذ من أبعاد.

بعد هذا التساؤل المحزن يعود بنا المؤلف قرابة خمسين عاما ليلتقط خيطا مماثلا. “وكنت في غباوة محبة قديمة أنظر إلى الصيف وفي نفسي أمنية رقيقة، أن يأتي الغروب المشمس وأن نرى أحدنا الآخر كل يوم، نمشي في طريقنا معا في رقة الشمس الذاهبة، ونتحدث، ونفهم أحدنا الآخر، ونبني أحدنا الآخر، حلم تكنه في أحشائها محبة قديمة.”

“أهذه توجعات النوستالجيا، أم أنني أتوحد بها، لاأستطيع ـ ولا أريد ربما ـ أن أتحلل منها. أراها الآن كما صنعتها هي لي، كما صنعتها أنا لها، في نورها الذي لايخبو. الجذوة المدفونة تحت الرماد مازالت محترقة.

وهاهي رسائل الأربعينات المتبادلة بين الأديب وأصدقائه تقدم لنا صورة للفنان في شبابه. الفنان الذي رأى فيه أحد أصدقائه آنذاك “كل العناصر وكل الخصائص التي تتيح له أن يكتب أدبا مصريا حقا يعبر ببساطة وصراحة وصدق عن الروح المصري كما عبر طاغور عن الروح الهندي، وكما عبر أدب الفراعنة عن روح الفراعنة.”

ويتذكر الخراط بين قوسين:( وبعد خمسين عاماـ أكثر ـ كتبت “حجارة بوبيللو”، هل حدث ماتمناه سامي؟(.

وتؤكد هذه الرسائل المزاج والميل الرومانسيين العميقين في النظر إلى الأمور وفي التفكير والسلوك والإستغراق في محاولة معرفة كنه النفس البشرية ودواخلها. وينعكس ذلك على صيغة الرواية:”إن بي ظمأ شديدا.. يلهب شفتي.. ويرمي بالجمر في عيني. ظمأ قاتل.. إلى كل شيء .. إلى الجمال.. إلى العلم.. إلى المعرفة.. إلى.. إلى.. إلى كل شيء. إننى أريد أن ألتهم.. إننى كالنار.. أريد وقودا دائما.. وإلا احترقت.. وهأنذا أحترق شيئا فشيئا.. إننى أستمد من أعماق نفسى صورا وأحلاما وأخيلة.. أستخرج من ظلامها.. ووحشتها أنسا.. وأستعيض بما أخلقه عما حولي…”

وسنرى فيما بعد مزيدا من الإستغراق في هذه الرومانسية التى طبعت نفسها حتى على شكل الرواية الذى أصبح فيه التركيز على النوازع الداخلية للعقل والعاطفة أكثر مما هو على شكل محدد للرواية.

وإذا كان الحدث الرئيسي الذي تنصب عليه الرواية فى معظمها هو تأصيل صداقة تليدة أصابها في مقتل غدر الزمان وغرابة الأيام، فإن الرواية تحفل برؤى أشمل وأوسع نطاقا. وهذه الرؤى هي إحدى السمات الغالبة دائما في معظم أعمال إدوار الخراط. فهو وإن كان يجتذب القارئ بحنكة وحرفية مبدعة إلى بحار قصّـه العميقة والساحرة لاينسى أبدا ولا يحيد عن نقطة يود أن يركز عليها أو رأي يريد أن يلقى عليه الضوء.

في “حريق الأخيلة” يواصل إدوار الخراط ـ أو لعله من الأصح أن نقول إنه يؤصل ـ أنشودة عشقه لمدينته/ محبوبته الإسكندرية التي أصبح لايمكن فصلها عن أدبه، والتي أصبحت تشكل بروحها وحضارتها وثقافتها وأهلها القوام والعمود الفقري لأدبه وأسلوبه. فالإسكندية عند الخراط ليست مجرد مكان أو مسرح أحداث لكنها عنصر فاعل يؤثر في العناصر الفاعلة الأخري في الرواية ويتأثر بها. وهي تمثل الإطار النفسي والقيمي والحسي الذي ينطلق منه خيال إدوار الخراط. وهي اللوحة الفنية التي يحفظ الخراط تفاصيلها عن ظهر قلب، وهي التي علمته كيف يتعامل مع أي موقف وكأنه لوحة غنية بالتفاصيل التي يعجز غيره ـ ببساطة ـ عن التعبير عنها، لكن الخراط ـ ببراعة فريدة ـ يقتنصها ويلم بأطرافها ويقدمها إلى القارئ في أسلوب ينفرد به.

ويكتب الخراط عن الإسكندرية بلغة أبوكلبسية كأنها صلاة أو سفر أو رؤيا. إنه العشق الذى الذي يبلغ حد التصوف. وتختلط في تعبيراته وأوصافه الإشارات التاريخية والدينية والإجتماعية وتصبح الإسكندرية رمزا للوطن وللعالم وللبشرية:”حبيبتي الطيعة المنتهكة ينخر في جسدها عطب شهوات غابرة ومقيمة، تظلين مع ذلك لصيقة بالقلب بل بالجسد مني، تهتز لك أشواق روحي، ومهما كنتِ صموتا أو مخرسة، تظل آيات مجدك مرفرفة في هذه السماء التي غاب عنها النور.”

وحيثما كانت الإسكندرية كان الحب والعشق والتوجد والوله: إيروتيكية إدورار الخراط:

“أمام المبنى الرشيق المهيب الذي يتضوع بأنفاس الإسكندرية الهيلينية ذات النكهة المصرية. كان البيت القديم تطل من جداره الحجري الراسخ مشربيات دقيقة النمنمة مخروطة من الحلم بصنعة المحبة، ينسكب عليها نور القمر العالي البعيد ويسيل من على خشبها المشغول الحميم.

“هل رأيتها تطل منها، شعرها الغزير الوحىّ ملقى إلى جانب وجهها الأسيل، انهمار دفىء يدعو اليدين إلى الغوص في غماره الوحفة الوثيرة، طيف ليلة هندية وهي تلقي الأشعار، حافية القدمين. أنفاس الناس ـ وأنفاسي ـ معلقة بأنفاسها رخيمة الجرس أنثوية الإيقاع صوتها فيه تمكن وحصافة ويبض بالنسوية وغلمة الشبق. كنت ليلتها قد عانقتها وعرفت نعومة أغوارها، وكان بكاؤها بعد ذلك حارا وعنيفا.”

ولأن إدوار الخراط يمتلك أدواته ويبدع فى استعمالها فإن أعماله تخرج دائما وهي تحمل بصمته. وفي “حريق الأخيلة” يواصل الخراط ممارسته لقدرته الإعجازية على التعبير وعلى تحويل الكلمات إلى فرش وألوان وموسيقى بل وإلى أطر مذهبة ومنمنمة وموشاة تجعل الصورة تنطق نطقا:

“البكلاه في شارع إيزيس معلقة مشبوحة في محلات البقالين، بين المقاهي والمراحيض العمومية والمقلاة ذات الصحن المتحدر المستدير السخن مائلا على الفرن المتقد على الدوام، الرجل يرفع الحمص والسوداني واللب بشيء كأنه المذراة، إلى أعلى، يفرشها وينفضها ببراعة يد ساحرة، تصطدم الحبوب المدورة الصغيرة بحافة صحن المقلاة ثم تتحدر من جديد، ويرفعها مرة أخرى بمذراته التي لاتكل…

“أكوام قمر الدين والبندق واللوز والحمص وعين الجمل والصنوبر في شوالات بضة وعضلة، بهجة رمضان تغمرني، قراءة الشيخ محمد رفعت تنسال عذبة رقراقة من الراديو الضخم ذي العين الكهربائية الخضراء المدورة، تهدهد القلب وتطامن المخاوف لكنها تحمل للفاسقين والعاصين نذيرا صارما كأن فيه رحمة خفية حزينة. مسرات الروح والحس، متواشجة، آلامها الآن منسية.”

يكتب الخراط بعين فاحصة وبحس بارع في رصد التفاصيل والتعبير عنها. لكنها ليست أي تفاصيل. إنها منمنمات يوشي بها الخراط لوحاته المحكاه، التي تأتي في النهاية ـ خاصة حينما يتعلق الأمر ب “الحكي” عن الذات وأغوارهاـ تأتي مشبعة بالنوستالجيا والحس النفسي المرهف واسترجاع الماضي ورصد الحاضر في ذات اللوحة وفي أسلوب فريد ومبتكر. هاهو الخراط إذن يخترع “آلة زمن “ جديدة مزودة بعدسة بانورامية تسجل في ذات اللحظة حدثين بينهما عشرات السنين. وهو بذلك يلقي ضوءا مبهرا على التضاد بين حدثين وبين زمنين في الوقت الذي يكون فيه بالفعل قد ألغى عامل الزمن ومزج بين جميع الأحداث داخل الرواية دونما اعتبار لتتابعها الزمني الفعلي:

“أسير مع وفيق القديم في شارع شريف نتفرج، بعد المدرسة، على الفاترينات الأنيقة في الشارع الأرستقراطي… وهو يتأبط ذراعي ونتحدث بحرية نادرة عما نرى وما نحس وما نحلم وما نأمل… أو نذرع شارع صفية زغلول متجهين إلى محطة الرمل القديمة والبحر يبعث إلينا بهوائه الملحي المنعش عبر أشجار النخيل… ونصل إلى محل العصير المفتوح حديثا بعد سينما الهمبرا (التي هدمت وحلت محلها فرشة مغطاة من قماش الشوادر، وتكومت فيها ركامات من الكتب التي تنذر بعذاب الآخرة وحساب الملكين وظلام القبر وخروج الجن من الأبدان) …. وهو مازال يتأبط ذراعي بحركة ود وإخاء وإعزاز لم أعرف مثلها قبل ذلك ولم أعرفها بعد ذلك إلا مع نساء أحببتهن كثيرا.”

في مكان آخر يتحدث عن مرسى مطروح “ذلك المكان الذي اكتسب في الحرب الأخيرة شهرة تكاد تكون خرافية… البلاج هنا رائع.. والبحر فريد.. والبلدة من أصلح أمكنة العالم لأن تكون مصيفا..” ثم تلتقط عدسة الخراط البانورامية:

“وبعد سنين، ستأتي هنا أفواج التتار في أوتوبيساتهم المكيفة، وسيأوون، على نفقة نقاباتهم وجمعياتهم ومؤسساتهم، إلى فنادقهم الجديدة الرثة المتفشية كأورام مهندسة مستقيمة الحيطان… محجبات من سن الخامسة فصاعدا، ملففات في ثياب ضافية، لأن الوجه عورة والجسم عورة والحياة عورة … وملتحون بكروش ناتئة وجلاليب بيضاء قصيرة… وسوف تعتم الزرقة ويغيم صفاء الحلم اللازوردي، وطيور المراكب المجنحة ـ على الرغم ـ مازالت تحلق وتسف على شطوط الروح المختلجة بالغضب والرغبة.”

كل هذا “التذكّر” والنبش في الأوراق القديمة أثارته في الخراط “واقعة” جحود الصديق. ولربما كانت هذه الواقعة قد بدأت تتوارى خلف التفاعلات والإنفعالات التي تدفقت على صفحات هذا العمل العظيم، لكن هاهو شبح الصديق يطل على الصفحات الأخيرة من الرواية:”كان يطل علينا من النافذة العريضة المفتوحة على فناء موحش لايطرقه أحد، وكانت النار في فوهة شدقيه المقفلين مكتومة. لم نسمع في لقائنا الأخير باخ ولا موزار … لم يكن في لقائنا الأخير موسيقى، بأكثر من معنى.”

هي إذن نهاية الحلم:

“أعود آخر النهار… سماء الإسكندرية صافية وسماء روحي ملبدة، لم أسمع أحدا يناديني: إدوااار!. لم يعد هناك وقت للنداء ولا للعودة. لاوقت للنوستالجيا. لاوقت.”

هكذا تنتهي رحلة الخراط في “حريق الأخيلة”: مقاطع شعرية تتداخل فيها السيرة الذاتية وتاريخ الوطن، ويتداخل فيها الزمان والمكان والأحلام والكوابيس والإنتظام والفوضوية، لكنها جميعها مغزولة بمهارة محنكة وتحكمها عين صقر، فإذا هي في النهاية مـادة عميقة الغـور وفن أصيل يؤكد مكانة وخصوصية هذا الفنان العظيم.

(3)

إسكندرية إدوار الخــراط:

بين الكـولاج النصي وسيمفونية العشق الحسي

1- الكولاج

على الغلاف الداخلي لرواية “اسكندريتي” نطالع هذا العنوان الفرعي : “إسكندريتي: مدينتي القدسية الحوشية” وتحت هذا العنوان الفرعي، وفي مكان العبارة التعريفية التقليدية بالعمل الأدبي، سواء رواية أو مجموعة قصصية، نقرأ بين قوسين تعبير (كولاج روائي(.

وعلى الفور، تبدأ رحلة القارئ مع المؤلف في تجربة أدبية رائدة وعمل فني فريد شكلا وموضوعا سيسجل فى تاريخ الرواية العربية بأنه فتح جديد يخرج بها إلى شكل لم تشهده من قبل، كما سيسجل في تاريخ إدوار الخراط بأنه درة أعماله.

فما هو إذن هذا الشكل الجديد (الكولاج الروائي) الذي اختاره المؤلف لعمله؟

يعرف إدوار الخراط نفسه عمله بأنه “كولاج قصصي يقارب التقنية التي يعرفها الفن التشكيلي”، ونصوص “تضم صورا وشذرات شتى، قد تكون من خامات مختلفة ومن مصادر متنوعة، إلى بعضها بعضا، فتعطي لوحة جديدة.” وهذا هو نفسه تعريف فن “الكولاج” التشكيلي القائم على لصق الورق أو القماش أو الصور أو غيرها جنبا إلى جنب لتشكل فى النهاية عملا فنيا فى حد ذاته. وقد جاءت “إسكندريتي” على هذا النحو تماما. عمل مصمت، مصبوب، قطعة واحدة، من سطرها الأول إلى سطرها الأخير. أما كيف سيميز القارئ بين “قطع” الكولاج الروائي التي شكلت في النهايه هذه القطعة الفنية الوحيدة المصمته، فإن المؤلف لم يتركه يضرب أخماسا في أسداس، وسيلحظ القارئ أن مقاطع “الكولاج” طبعت ببنطين مختلفين من حروف الطباعة أحدهما ثقيل والآخر خفيف، أو أسود وأبيض بلغة الطباعة الصحفية، وبذلك جاءت جميع فقرات الكتاب أسود فأبيض فأسود وهكذا.

إن أهمية هذا الشكل الجديد من أشكال الكتابة الأدبية هي في أنه يكاد أن يكون بالفعل أحدثها. ولعله هو الشكل الذي اختاره الأستاذ نجيب محفوظ في آحد أعماله “أصداء السيرة الذاتية” وإن كان قد أعطى لكل قطعة من قطع “كولاجه” رقما أو عنوانا.

ويفسر النقاد ظهور هذا الشكل الأدبي بأنه رد فعل لحالة الكلال التى أصابت الأدب، وعلى الأخص في الغرب، خلال العقود الثلاثة الماضية. ويرى البروفسور ألفين كيرنان أستاذ العلوم الإنسانية في جامعة برنستون، في كتاب له بعنوان “موت الأدب” أنه حدث انعكاس فى مسار القيم الأدبية الرومانسية التقليدية والحديثة، وأن التليفزيون وغيره من أشكال الإتصال الإلكتروني حلت محل الكلمة المطبوعة كمصدر أكثر جاذبية وموثوقية للمعرفة. كما أسهمت الأمية، التى ينتفي معها وجود النص الأدبي، في وجود أزمة أمية وأزمة أدب. ويقول كيرنان إن “الكولاج” النصي أو الثقافي أصبح شكلا جديدا من أشكال الإبداع الجديدة.

على أننا بطبيعة الحال نأخذ بتعليل الأستاذ الخراط نفسه لاختياره هذا الشكل، وهو أنه استهدف “أن يفضي هذا الكولاج النصي في تجميعه الخاص إلى تكوين صورة جديدة ومتباينة الظلال والدلالات لاسكندريتي، مدينتي التي أعرفها وأصونها في عمق قلبي، وأعشقها حتى التدله، والتي ترابها زعفران، حلم وتراث عريق، وساحة للحب، والكد، ومساءلة للمجهول، في وقت معا.”

ولأن “إسكندريتي” تبدأ، تقريبا، بنفس السطور التى بدأ بها إدوار الخراط روايته المرموقة الأخرى عن الإسكندرية “ترابها زعفران”، وهي السطور التي يقول فيها:إسكندريتي. وجدٌ وفقدان بالمدينة الرخامية، البيضاء- الزرقاء، التي ينسجها القلب باستمرار، ويطفو دائما على وجهها المزبد المضىء. إسكندرية، ياإسكندرية، أنت لست فقط لؤلؤة العمر الصلبة في محارتها غير المفضوضة…”، فإننا نشعر على الفور أن “إسكندريتي” تشكل الحركة الثانية في سيمفونية عشق الإسكندرية. وهو عشق لاحدود لصدقه وعمقه، ويعبر عنه الكاتب الكبير في أسلوب فريد يفيض بالإيحاءات والإيقاعات كأنه حقا ترنيمة حب أو صلاة أو لحن كورالي يتغني بهذه المدينة “الثغر المحروس،الميناء الذهبية، رؤيا ذي القرنين وصنيعة سوستراتوس المهندس العظيم، ولؤلؤة قلبطرة الغانية الأبدية، أكاديمية أرشميدس وأراتوسنيس الفيلسوف والشاعرين أبولونيوس وقاليماخوس، مثوى الميوزات جميعا وعاصمة القداسة والفجور معا…عروس البحر الدفاق.. جامعة المزارات من سيدي المرسي أبي العباس وسيدي أبي الدرداء إلي سيدي الشاطبي وسيدي جابر وسيدي كريم رضوان الله عليهم أجمعين.”

يقول الخراط: “لعلني لاأعرف كاتبا آخر فى العربية توله بعشق هذا الموقع/الحلم/الواقع كما فعلت. ومهما كان من حفاوة كاتب مثل نجيب محفوظ بأزقة وحواري الجمالية، أو كاتب مثل عبد الرحمن الشرقاوي، وغيره من كتاب الريف، بقراهم، فقد كانت المدينة/الأرض عندهم، فى نهاية الأمر، ديكورا خلفيا، أو فى أحسن الأحوال موضوعا أو ساحة للفعل الروائي”.

لكن الإسكندرية عند الخراط “هي نفسها الفعل الروائي، بمعنى ما، هي قوة فاعلة وليست مادة للعمل ولا مكانا له.”

2- العشق

وإذا كان الكولاج النصي هو شكل “إسكندريتي” فإن العشق هو موضوعها. وهو عشق الإسكندرية المدينة وتاريخها وأهلها وبناتها. ولغة العشق هي اللغة الغالبة على أسلوب الرواية وهي لغة تتعامل بالمفردات الحسية والجنسية بشكل صريح حتى أن فقرات من الرواية يمكن أن تندرج تحت مايسمى بالأدب الإيروتيكي أو أدب الحب أو العشق المكشوف. في الفقرة التالية بعض النصوص الدالة على لغة إدوار الخراط الفريدة والصادقة والغنية والطيعة في قلمه كقطعة صلصال في يد فنان بارع. إن “إسكندريتي” تحفل بلوحات حقيقية ومعبرة، وكثيرا ماسرحت بخيالي وانا أتصور هذه اللوحات مرسومة بريشة الفنان السكندري أحمد مرسي الذي تضم أعمال إدوار الخراط دراسة عن فنه. ذلك أنه بنفس القدرة ودقة التفاصيل التى يصور بها إدوار الخراط مشهدا إيروتيكيا كما سنرى، فإنه يورد، مثلا، تفاصيل “طبق جبنة منوعة”:

“الشرائح الصفراء الشفافة، والأصابع الكثيفة المحمرة، والمكعبات البيضاء المشققة الجلد، والسلاطة المرتفعة بكومة منسقة من أوراق الخس العريضة الفاتحة الخضرة، وأرباع الطماطم مقطوعة اللحم نضرة ومتضرجة بدمها الصافي البهيج، وأمشاق الجزر الطويلة المستدقة الأطراف بلونها الرماني الفاتح، وفي قلبها استطالات لبها الهش الناعم بلونه الخشبي الأبيض قليلا، وعليها كلها ندى الزيت النقي.”

أو تداعي الصور أمام عينيه وهو يستقل ـ مع إحدى رفيقات الصبا ـ سيارة أجرة فى أحد أحياء مدينته:

“دارت من على جانبيهما أطلال كرموز وباب سدرة وكوم الشقافة، الشوارع التى كان يعرفها فى صباه واسعة مورقة الشجر، يجرى فيها الترام مصلصلا بجرس بهيج على الأرض المرصوفة بالبازلت اللامع النظيف. أصبحت ركاما من البيوت الرثة المتقاربة، وضوضاء المرور المتزاحم الضيق بالسيارات وعربات الكارو واللوريات المثقلة ببالات القطن والمتجهة ببطء نحو مينا البصل والقباري. وتلاطم مواكب مختلطة من الرجال والنساء والأولاد، بالقمصان والبنطلونات والبيجامات والجلاليب والملايات اللف القليلة والفساتين وقمصان النوم المتغضنة، باللاسات والمدورة البلدي والعمم والطواقي، بالشباشب والقباقيب والكعب العالي والزنوبة التي تطرقع على الأرض، والقليل منهم بالسراويل الإسكندراني السوداء المنتفخة بفخر واعتداد”.

وانظر أيضا إلي هذه اللوحات الشعبية العبقة:

“الست سنية زوجة المعلم أبو دراع العربجي، في البيت المواجه القريب أمامي، من تحت. تطل من النافذة القديمة المفتوحة، بصدرها الثقيل، مكشوفا في قميص النوم الساتان الفضي الناصل النسيج المشغول بدانتيلا سوداء. كان صدرها مضغوطا على قاعدة النافذة بلحمه الأسمر الزيتي، أراه من فوق. وجهها يبدو منتفخا من نوم بعد الظهر، فأضم بين ساقي صلابة استدارة غير مقلقة وغير ملحة.”

“ وكنت أمشي بين البيوت المبتلة القليلة الإرتفاع.. أحاذر أن أنظر، بشكل صريح، إلى المداخل المعتمة قليلا المليئة بالنسوان، منهمكات في الطبيخ أمام مواقد الجاز التى تفح وتنير العتمة بنور أصفر ثابت الإتقاد، أو متربعات أمام الطشوت المعدنية يغسلن ويدعكن هدوم الرجال والعيال، أو محنيات الرؤوس عاكفات علي تنقية الأرز في الصواني النحاسية في نور النهار على عتبات البيوت، وهن يرضعن أطفالهن، تركن لهن أثداءهن بحركة نسيان لهم وللعالم كله.”

ولا نهاية لحكايات إدوار الخراط عن النساء اللائى خطرن فى حياته حبا أو عشقا أو مجرد قرابة أو زمالة. سيلفانا الغلمانية، وسعاد السماحي بنت بحري الطويلة الأنيقة الملفوفة بإحكام، وديسبينا اليونانية الدقيقة الجسم كأنها دمية أو لعبة، وجانين اليوغوسلافية، وديانا النحيلة الهفهافة “التى وقع مطلع طفولتي فى شباكها الشهوانية”،وإيفيت ساسون، ومنى العابثة، وسوسو تلميذة مدرسة نبوية موسى، ومادونا غبريال التى”مازالت تشرق علّى فى الحلم بنورانية لاتندثر”، وغيرهن وغيرهن.

3- النصوص

“كانا يقفان تحت عمود دقلديانوس، عمود السواري. قال لها: أنظري إلى هذا الجمال. كيف يمكن أن يكون الصخر وردة سامقة لاتنحني، والجرانيت فيه شبق الجسد الغض المستدير؟ …

“قال: … أنا أفكر في روعة وبشاعة وحتمية آلاف، مئات الآلاف من أجسام أجدادي الذي يقوم هذا العمود على عظامهم. هذا الجمال بكل قسوته، ذهبت أجسام الشهداء طعما له. هؤلاء الأقباط بعنادهم العقيم، وأقول المجيد؟ ماالجدوى؟

“قالت: الإستشهاد لايبحث عن جدوى بطبيعته.

“قال: أما نحن فنبحث. نحن الذين لم نستشهد بعد. نحن الذين شهادتنا معاناة غير مسطورة على حجر، ولا مذكورة في كتاب.

“كان عنف رده لطمة، ليست لها.”

“كانت البنت سمراء غضة ملفوفة وخجولة، تضم الكراريس والكتب إلى نبتة الثديين البرعمين بحركة بنات المدارس المأثورة المشهورة. ولكن نظرة عينيها الغائرتين فيهما غواية أنثوية مبكرة، تطعن الأجسام المتفتحة على عرامة اليقظة الذكورية البكرة.”

“كانت باولا تقارب الأربعين. فتية وفوارة الجسد في ذلك الصيف كأنما تهاجمني بأنوثتها الوفيرة. في الصبح تأتي على الإفطار، عارية الصدر تقريبا تحت البلوزة الخفيفة المتهدلة التي تتجاوب، ساقطة على ثدييها المليئين، مع شعرها المسترسل الذى يسيل بنعومة وكثافة على كتفيها الشامخين… عيناها مغويتان، خضرتهما زرقاء داكنة وضحولتها خطرة وزلقه”

“أرى الولد، صغير الجسم ، ساقاه رفيعتان في الشورت الأبيض الواسع، وقميصه مفتوح، عيناه كأنما فيهما نظرة متأملة، مبكرة كثيرا عن سنه، وهو يقف في أول الصبح علي حافة البحر الموحش ، عند المندرة.

“وأحس، عبر السنين الطويلة، بالنداوة اللينة تحت قدميه الحافيتين، والهواء المبلول على وجهه.

“وأجد أن الشوق، مثل نزوع الموج، يرتمي على الشط ممدود اليدين، بلا تحقق، مثل اندفاع الماء، مستنفدا بعد رحلة طويلة على ثبج العمر، ينكص محسورا أبدا إلى عرض اليم العميق، ولا يفتأ يعلو وينحسر، حلمه يأتي ويعود، لايهدأ إلى راحة، وكأنه لم يترك خط النهاية المتعرج، لحظة واحده.

إن الرائي والمرئي والحاكي أيضا هو إدوار الخراط. وكعودة بروست باحثا عن الزمن الضائع، يعود العاشق إلي مدينته/ محبوبته:”يضربني هواء الليل القادم من المينا الشرقية ومن موقف ترام البلد، محطة الرمل خالية إلا من حفيف النخل السلطاني علي الجانبين، والليل ينالني في النهاية، ينال مني أغوارا مفتوحة كجروح، أمام صخر النجوم، وإقفار السماء.”

(4)

يقين العطش لـ “إدوار الخراط”:

نصل حاد يتدثر بمتاهات الرغبة والأقنعة وانعدام اليقين

يبدأ إدوار الخراط روايته التحفة “يقين العطش” بهذه الكلمات: “كان حسه بالفقدان الذي لايعوض عميقا. قال:الحياة ذهبت. عادت إليه فجأة رائحة الفولكس القديمة، من أولى سنوات السبعينات، رائحة فيها أثارة من اللبن الطازج، والمنيّ، والبنزين، وعطر لافام الذي يعرفه من “رامه”. رائحة الخصوبة، رائحة الدينامية. رائحة لن تعود أبدا.”

فاتحة معبرة ومصدمة، معنى ومضمونا وتعبيرا، كأنما يريد بها الخراط، أن يحدد بارامترات هذا العمل الذي ينضح بتجربة بالغة الشمول والعمق في معترك الحياة والفكر والعمل السياسي والصنعة الأدبية وفوق كل ذلك، وربما قبله جميعا، في عالم العشق الحسي الذي أخضعه الخراط للغته الفريدة والخاصة التي كأنما ابتدعها لنفسه ولشخوصه الغارقة في متاهات من الرغبة والشبق الحسي وتابوهات اللذة المحرمة والتوق إلى يقين لاوجود له. لقد أصبح هذا اللايقين من أهم الظواهر التي يتسم بها عالم اليوم، وأصبح يخيم على كل شيء ويصيب الأمم والأفراد بحالة من الإحباط وفقد الإتجاه واللاجدوى. و”يقين العطش” تجسيد لهذه الظاهرة من خلال بطلها (الراوي) ومعشوقته “رامه”، بطلة الخراط في الثلاثية التي بدأت بـ “رامة والتنين” وتلتها رواية “الزمن الآخر”، ثم “يقين العطش”.

وبادئ ذي بدء، لابد من القول إنه من قبيل العبث محاولة تلخيص أي عمل من أعمال إدوار الخراط، وذلك لسبب بسيط هو أنه من العبث أن يحاول المرء أن يلخص عملا سيمفونيا. كما أن الخراط لايأبه للحبكة والإثارة وترتيب الأحداث، فهي أمور تهم بالدرجة الأولى كتاب المسلسلات التليفزيونية وأفلام الرعب. لكنه يغوص في لجة الواقع كما هو بأحداثه المتلاطمة المتراكمة دون ترتيب. وهو يكتب بما أسميه أسلوب القص السيمفوني. وفصول رواياته هي دائما أشبه بالحركات في المقطوعات السيمفونية، التي يمكن أن تشكل كل منها عملا فنيا مستقلا في حد ذاته وتشكل في مجموعها عملا متكاملا. وسيمفونية “يقين العطش” مؤلفة من تسع حركات يمكن أن تسمع أو تقرأ، وأن تستمتع في النهاية، بكل منها على حدة. لكنها في النهاية كل متكامل يتشابك في إبداع فني محكم ليشكل في النهاية هذا العمل المتفرد. ويكفي أن نطالع عناوين هذه الحركات أو الفصول أو اللوحات لندرك مدى تكامل العمل وعمقه. وهذه العناوين، على التوالي، هي: الرقصة التي لم تتم؛ دخان معلق في الهواء؛ جسد ملتبس؛ رمح مكسور؛ جسد طعين؛ عينان مفتوحتان في العتمة؛ جسد غامض الوضاءة؛ القناع الأبنوس الأسود؛ يقين العطش. فالرقصة التي (لم) تتم، والدخان (المعلق)، والجسد (الملتبس) والرمح (المكسور)، والجسد (الطعين)، والعينان المفتوحتان (في العتمة)، وقس على ذلك بقية ماتوحي به هذه العناوين المعبرة، إنما هي جميعها تكريس لمفهوم اللايقين واللاتحقق واللاجدوى الذي يشكل محط تركيز الرواية وكنه الأزمه التي يعيشها البطل.

بطل “يقين العطش” خبير آثار إذا جاز لنا أن نحدد له وظيفة معينة. لكنه في واقع الأمر إنسان مثقف مهموم بالوطن والتاريخ والحضارة والموسيقى والفن والعشق. وهو في احتكاكه بكل مايتعلق بهذه القضايا يحاول أن يضع يده على “نظام الأشياء” أو أن يضعه في منظوره الطبيعي. وأزمة بطل “يقين العطش” الحقيقية هي أن اللايقين أصبح يكتنف كل الأشياء، كل الأمور من حوله بدأت تتخذ أشكالا أخرى غير تلك التي ينبغي أن تكون عليها، وبدأت تظهر عليها أعراض الإنحلال. والخراط إنما يصدر في ذلك عن منظور فلسفي يقول بأن معالجتنا العقلية للواقع وتصورنا له هي التي يمكن أن تمنح هذا الواقع نسقه ونظامه، وبالتالي معناه. فلقد رأى والتر بنيامين أن المسؤولية الرئيسية للفلسفة هي إعطاء نسق جديد للصور التي تتشكل من خلال تطورنا الحضاري. وانطلاقا من هذه الفلسفة رأى أدورنو أنه لابد من خلق نظام حضاري جديد في مواجهة ماتكشف عنه حضارتنا الحديثة من تفكك وانحلال. وهذا هو الإحساس الذي يراود بطل “يقين العطش” الذي يدافع عن حضارة وطن بدأت تشوبها أعراض التفكك والإنحلال.

بطل “يقين العطش” تحدوه رغبات ميتافيزيقية متشابكة في اليقين واللذه والمعرفة والشفافية والصدق. وهذه الرغبات كما يقول الناقد الفرنسي رينيه جيرار في كتابه “الخداع والرغبة والرواية” تدفع بضحاياها إلى نقطة انبهار غامضة تقع بالتحديد على مسافة متساوية من الإنسلاخ الفعلي عن الشيء المرغوب والصلة الحميمية به في آن. وهي المنطقة التي يسميها كافكا “الحدود مابين الوحدة والإجتماع”. وتلك هي حالة اليقين/اللايقين التي تؤرق البطل المأزوم، رغم كل محاولاته طرح الأمور جانبا أو أخذها ببساطة، أو كما يقول جيرار “الإنسلاخ عنها”، فيرتد إلى حالة الاشتباك فيها، وهذا يضاعف محنته، ويغرقه من جديد في دوامة الأسئلة اللانهائية.

يتساءل بطل “يقين العطش” : “من أنا إذن؟ ماذا أريد؟ أنا، ومعي طائفة، أو، جمهرة من أمثالي. أهذا سؤال يسأل الآن، بعد أن كاد كل شيء أن ينقضي؟ هل كنت، وما زلت، أريد المحبة؟ أريد الحب؟ أريد الكرامة؟ أريد التبشير، والتعجيل، بعالم جديد كله عقل وفهم وحدوس صافية، في وسط أمواج الظلام هذه المرتطمة حولي؟ في وسط العنف، والقتل، والغباء، والغيبوبة، والانصياع؟ في وسط فقر تزداد عضته شراسة؟ في وسط أطفال يبيتون على الأرصفة، ويسقطون بلا ثمن في بالوعات مفتوحة ويغتصبون، وينتهكون، ويحشدون في أكوام آدمية متراكمة في غرفة واحدة مع الكبار المتضاجعين، ويرغمون على إدمان المخدرات، وترويجها، ويقتلهم أسطواتهم وأسيادهم وستاتهم كيا ونفخا وخبطا بالعدة، وامتهانا، يالسذاجتي!”

“هل تنحسر عن الأرض لوثات الطعنات التي تريد أن تغمرها في البداوة، في الظلام، أن تسلمها لأفواه الضباع؟”

“كأنني في الحلم، حيث تنقطع الصلة بين الحافز والفعل، بين ماأريد وما أقترف، بين العلة والنتيجة، بين الرغبة والحركة. أمد يدي، متوترة، متلهفة، مشدودة الأصابع، فلا أمسك بشيء، الثمرة هناك، الثمرة في متناول قبضتي، لكني عندما أطبق عليها كفي أجد أن في يدي خواء.”

“شبعت ورويت، نهلت وعببت، مازلت ظامئا، الملح على شفتي.”

“لو رويت حتى الغصص ماازددت إلا يقينا بعطشي المقيم.” أليس في هذا تجسيدا نابضا لأزمة الفشل في التحقق والبلوغ.

حتى في الحالات التي يقترب فيها البطل من اليقين نجده يجفل فجأة ويرتد إلى داخل ذاته محدثا نفسه، حتى وهو يدنو من لحظة التحقق مع الآخر. عاتبته حبيبته قائلة:

“ياحبيبي، لماذا تعذبني وتعذب نفسك بالكلام، وما وراء الكلام؟ ألست معي، ألسنا الآن معا، في حضن بعضنا بعضا؟ لماذا، وأنت معي تلوذ فجأة بالغسق؟”

ومرة أخرى، حينما سألها، وهو يحيطها بذراعيه، وتلتف ساقاه بفخذيها:

ـ هل أنت هنا؟ هل أنت موجودة؟

هنا، لم تستطع معه صبرا، فانفجرت صارخة:

ـ ياخبر! ياحوستي! كل هذا وأنا غير موجودة عندك؟

في “يقين العطش” نزال عاطفي مشبوب بين البطل الذي يرى في نفسه “دون جوان محبطا”، ومحبوبته، أو بالأحرى معشوقته، الجريئة التي تتعامل معه على حلبة الحب والعشق في ندية. قالت له: “أنت صنعت مني شيئا كأنه عاهرة ممجدة.” فالبطل، كما يصف نفسه أحيانا “سنتمنتالي” ورومانسي وشاعر ومحلق في سماوات العشق المحترق بالرغبة الفيزيقية. أما هي فالحب عندها انخراط في الفعل:”تعال زي ماانت كده، تعال على طول، زي ماانت كده.” وهي أيضا مستفزة ومستنفرة:”حتى في عملك وليس في الحب فقط أنت تفشل عن الفعل. تتأمل، تنظر إلى بعيد، تحسب النتائج وتتخيل العواقب، يتصبب منك العرق وأنت جامد بلا حراك.” بطل “يقين العطش” في نزوعه إلى فلسفة الأشياء يقول لحببته:”هل تعرفين أنك تحبين جسدك، بل تعشقينه عشقا مطلقا؟” وهي في رسوخها على أرض الواقع ترد بقولها:”بطل أوهامك بقى.”

في حوار آخر تقول له: “لعل مايجذبك إلي ومايجذبني إليك… أنني كما تعرف امرأة قوية، مثل الست والدتك، الله يرحمها، أنت تجد في ندا جديرا بك. تحديا.” وحينما لم يقبل وجهة نظرها مبديا عدم اقتناع، ومضيفا:”أحب فيك ضعفا أساسيا، واحتياجا أساسيا” كان ردها:”والله ماانت فاهم حاجة.”

هذا النزال العاطفي بين البطل والمعشوقة يظل أحد جوانب أزمة البطل التي يحسمها “فلسفيا” في هذا الحوار:

“هل أنا أعرفك؟ ياللسؤال!

“نعم، أعرفك. وتظلين، على معرفتي بك، غريبة عني.”

لكن “يقين العطش” ليست مجرد رواية عشق مقيم وصبابة لاتجد سبيلا إلى التحقق فحسب، لكنها نصل حاد يشق الحجب عن واقع اجتماعي أليم وما يفرزه من تفسخ أخلاقي وتذمر اجتماعي وتطرف ديني، ومن “متاجرة ومزايدة ونهب وتلويث لقيم عليا هي كل مجد هذا البلد.”

في “يقين العطش” يستخدم الخراط مجازية الأقنعة ليعبر عن زيف الواقع. فهاهي ذكرى ذلك القناع الأسود تطارد مخيلة البطل. وفي نهاية المطاف يصبح القناع جزءا منه بل ربما يتحول الوجه نفسه إلى قناع “لاأستطيع أن أنفضه عني، كأنما قد تحجر ملتصقا بجلدي وعظام وجهي، ليس ثم فرجة ولو هينة بمقدار شعرة بيني وبينه، قناع صامت عاقل قانونه الزمتْ المزعوم أنه حكمة، قناع محبط وراض بالحبوط.” وفي ذلك تعبير بالغ الدلالة عن الإنكار المخزي للواقع والذي يحذر منه المؤلف على لسان بطلته “رامه” التي تدعو إلى “مواجهة الأحداث وليس التغطية عليها، المصارحة وليس المكاتمة، ولا مواكب الدعوة وتوزيع الكوكاكولا والشربات في سرادقات الحكومة تتصاعد فيها الزغاريد ويتبادل الشيوخ والقسس تبويس الدقون، تلقى الخطب العصماء ثم ينفض المولد، والجرح باق على النغل.”

إن عملا يتصدى لكل هذه المعاني والقضايا يخلق تلقائيا آليته وأدواته ولغته. وقد استطاع إدوار الخراط، على مدى أكثر من 50 عاما من العطاء المتفرد والإبداع الجميل، أن يخط لنفسه أسلوبه الذي ينفرد به في القص وفي التقاط التفاصيل الدقيقة والتعبير عنها بحرفية لاتبارى.

واستخدام الخراط للغة وآليات خاصة تميزه عن سواه إنما تفسره نظرياته النقدية حول الحساسية الجديدة والكتابة عبر النوعية. فهو يرى أن الكتابة الإبداعية “قد أصبحت اختراقا لاتقليدا، واستشكالا لامطابقة، وإثارة للسؤال لاتقديما للأجوبة، ومهاجمة للمجهول لارضى عن الذات بالعرفان.” وتقنيات “الحساسية الجديدة” كما يؤصلها الخراط هي “كسر الترتيب السردي الإطرادي، فك العقدة التقليدية، الغوص إلى الداخل لاالتعلق بالظاهر، تحطيم سلسلة الزمن الدائر في خط مستقيم… ، مساءلة ـ إن لم تكن مداهمة ـ الشكل الإجتماعي القائم، تدمير سياق اللغة السائد المقبول، اقتحام مغاور ماتحت الوعي.”

من تقنيات الخراط الأخرى في الكتابة تقنية المحارفة أو الإصاتة، أي استخدام الحرف بشكل متكرر: “عطشي لايطاق، أمطار لاتسقط. أخطبوط متقطع الأطراف يحيطني بالحبوط. حطام أوطار حطت بها طوارق البطلان العاطفية، تتفطر النياط من وطأة القطيعة…أنت وطني الوطيد يحوطني بعطاء وطمأنينة عندئذ تضطرب طيور الطرب وتخبط الطبول أطلال طقوس كانت سطوتها قاطعة”. ويقول الخراط إن استخدام هذه التقنية لابد أن يتوفر فيه الصدق وليس مجرد الزخرفة والنمنمة والزخرف البديعي، سعيا إلى “مهاجمة المستحيل” التي يعتبرها الخراط “المبرر الأساسي للعمل الفني”. ويوضح الخراط هذه النقطة قائلا إن المستحيل هنا، بالتحديد، هو عبور الفجوة بين الموسيقى كصوت بحت وبين الدلالة اللغوية، ودمجهما معا.

إن هذه المفردات:”الإختراق” و “الإستشكال” والمهاجمة” و “المداهمة” و”التدمير” و “الكسر” و “الإقتحام” هي تعبير حقيقي عن تقنيات الخراط الإبداعية، والتي تجسدها “يقين العطش” على أروع صورة.

تذكرنا “يقين العطش” برائعة البرتو مورافيا “زمان الدنس” المنشورة عام 1987، والتي كانت تجسيدا صارخا وإدانة قوية لحالة من التفسخ واللايقين والإحباط التي سادت الواقع السياسي والإجتماعي الذي عاصره أبطال الرواية، ومحاولة متعطشة لفهم ماذا حدث وماذا يحدث في مجتمع بدأ يكشف فجأة عن تصدعات مخيفة: انحلال اجتماعي، سرقات، مافيا، تطرف. وهي ذروة في فن السرد الروائي يدفع بها الخراط الرواية العربية إلى زمن أبعد بكثير من زمنها الراهن ويدخل بها القرن الحادي والعشرين بثقة وثبات ويضع أقدامه بين صفوف عمالقة الرواية من أمثال جويس مؤلف “يوليسيس” ومارسيل بروست مؤلف “البحث عن الزمن الضائع” وألبرتو إيكو مؤلف “إسم الوردة” بل إننا في “يقين العطش” نلمح آثار فلوبير وبلزاك وغيرهم من أساطين الرواية العالمية.