جميل عطية ابراهيم

أوراق 1954:
بين المتغير الشخصي والتاريخى وحفظ ذاكرة الأمة

في مارس 1994 ، كان قد مضى 40 عاما على تنحية محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر التى أعلنت فى 18 يونية 1953. ومع أن التنحية الرسمية أعلنت فى نوفمبر 1953 إلا أنها كانت “تحصيل حاصل” منذ شهر مارس فى أعقاب ماعرف فى إطار التاريخ “الرسمي” لحركة 1952 بإسم “أزمة مارس”. على أن ماتكشف ولايزال يتكشف من حقائق عن خبايا ماحدث فى مارس 1954 حري بأن يجعل من هذه “الأزمة” حركة داخل الحركة، أو إنقلابا داخل الإنقلاب، أو ثورة داخل الثورة، أيا كانت التسمية التى يمكن إطلاقها على ماحدث فى مصر صبيحة 23 يوليو 1952. فقد أقصي محمد نجيب عن السلطة بشراسة لم يتعرض لها فاروق آخر ملوك مصر. وهى شراسة ربما تذكرنا بما تعرض له أحمد عرابى زعيم أول ثورة شعبية مصرية فى عام 1888. وفى مذكرات محمد نجيب المنشورة مالا يحصى من أشكال سوء المعاملة التى تعرض لها منذ أبلغه عبد الحكيم عامر فى 4 نوفمبر 1953 أن مجلس قيادة الثورة قرر إقصاءه عن منصبه وما تلا ذلك من تحديد إقامته فى فيلا منعزلة فى ضواحى القاهرة إلى أن تم الإفراج عنه فى عام 1983 بأمر من الرئيس حسنى مبارك.

و”أوراق 1954” للروائى جميل عطية إبراهيم هى قصة صعود محمد نجيب وسقوطه فى رحى الصراع على السلطة فى مارس من ذلك العام.

ويشير تعريف الناشر (دار الهلال) الوارد فى الصفحة الأخيرة من الرواية إلى أن الكاتب “يلتقط طرف الخيط من روايته السابقة “1952” ليكتشف هذا الفنان المؤرخ وراء السطح الصاخب للأحداث مسار قواها الدافعة الحقيقية المتنكرة خلف الأوهام والشعارات الرائجة”. ويضيف التعريف أن ربيع 1954 كان لحظة تاريخية حبلى بالإمكانات المتعارضة أمام حركة يوليو 1952، وقد انتهت بالهزيمة المؤقتة بكل غزارتها واختلاط تفاصيلها جزءا من النسيج الحي لحاضرنا.

وبقدر مايعكس هذا التعريف فى إيجاز بليغ فحوى هذا العمل الهام، فإنه يفتح الباب أمام الكثير من التساؤلات والقضايا التى تثيرها هذه الرواية شكلا ومضمونا. ففى ضوء هذا التعريف هل يمكن اعتبار أن هذا هو الحكم الذى يمكن استخلاصه من الرواية على ماسمي بأزمة مارس 1954، وبالتالى على حركة – لا “ثورة” – يوليو 1952؟ وإلى أي مدى استطاع المؤلف الدفاع عن وجهة النظر هذه وترسيخها فى ذهن القارئ وإقناعه بها؟ ثم ماهى المعايير التى يتعين الحكم بها على عمل “الفنان المؤرخ”:هل هى معايير العمل الأدبي الفني أم معايير السياسة والتاريخ ودقة الوقائع التاريخية وتأصيلها؟ كما يثير “شكل” الرواية تساؤلات هامة عن اختيار هذا الشكل بالتحديد، وهو الرواية المتتابعة الأجزاء فى شكل ثلاثية أو رباعية أو غير ذلك، وملاءمة هذا الإختيار لموضوع الرواية.

عزبة عويس باشا، قرية صغيرة بالقرب من أهرامات الجيزة، هى الأرضية التى تنطلق منها أحداث رواية “1952” والتى تقدم الشخصيات المحورية فى هذه الرواية وفى جزئها التالى “أوراق 1954”. ومن هناك يرقب المؤلف ويرصد تفاعلات شخصياته فى اقتدار حقيقى. الباشا صهر الملك والذى ينتظر تكليفه بالوزارة. عمدة القرية وشيخ الغفر (الخفراء( وولده كرامه طالب قسم اللغة الإنجليزية المعجب بإليوت وأرضه الخراب؛ وزهية الفلاحة التى عشقته وحملت منه – فى لحظة نزوة – طفلا أسمته محمد نجيب تيمنا بقائد الثورة، لكن قلب كرامة معلق بالأميرة جويدان إبنة عويس باشا، وفى نهاية الجزء الثانى يلقى القبض عليه وهو فى طريقه إلى الخارج بصحبة أسرة الباشا؛ وعكاشة المغنواتى الذى يقوم بعملية فدائية ضد الإنجليز فى الإسماعيلية؛ والطبيبة المثقفة الضالعة فى العمل السياسى السرى أوديت السيد أحمد إبنة أستاذ الحقوق الكبير الذى نلتقى به فى الجزء الثانى من الرواية مستضيفا جمال عبد الناصر فى سنوات الثورة الأولى حيث يستشيره عبد الناصر فى قضايا هامة مثل تأميم قناة السويس، والمأساة أن أوديت تقتل فى حادث فى نهاية الرواية فيهتز لموتها د. يونس أستاذ الجامعة المفصول الذى يبدو أنه كان يحبها من طرف واحد.

هذه هى بعض الشخصيات التى يقدمها المؤلف فى الروايتين المتصلتين فى ظل الخلفية التاريخية لثورة يوليو 1952. وفى الجزء الأول من الرواية “1952” يتولى المؤلف سرد الأحداث وتقديم الشخصيات فى فصول متتابعة تضعنا فى النهاية أمام نسيج روائي محكم. أما فى الجزء الثانى فإننا نجد أنفسنا أمام شكل روائى جديد حيث قسم الرواية إلى فصول ترك فيها السرد لشخصيات الرواية نفسها وبعناوين تحمل أسماءها. وضمن هذه الفصول التى تتحول إلى شهادات تاريخية نطالع شهادات هامة لمحمد نجيب، استنادا إلى مذكراته المنشورة، تعبر عن ذروة الحدث الرئيسى الذى يبنى عليه المؤلف عمله الثانى وهو أزمة مارس 1954 وصراع السلطة بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر. ولعل هذا يعكس رؤية المؤلف التى عبر عنها فى الجزء الثانى من الرواية بقوله:”القضية قبل 23 يوليو كانت واضحة. أما الآن بعد حركة الجيش فقد اختلطت الأمور.” إن اختلاط الأمور هذا هو الذى حدا بالمؤلف إلى إختيار شكل جديد للجزء الثانى من الرواية كي يتيح للقارئ التعرف على صورة كاملة لتطور الأحداث على لسان صانعيها ولسان من عاشوها.

وإذا كان من أهم أحداث الجزء الأول “1952” هو حريق القاهرة فى يناير من ذلك العام، فقد كاد عام 1954 – مسرح أحداث الجزء الثانى – أن يشهد حريقا مماثلا. ففى مذكرات محمد نجيب التى نشرها فى كتابه “كنت رئيسا لمصر” يقول :”كنت قد أدركت أن مجلس الثورة أراد إحراق البلد وإحراق الديمقراطية، وطلبت ساعتها زكريا محي الدين فى التليفون وقلت له:

- أنتم تلعبون بالنار يازكريا، والنار ستحرقكم قبل أي شىء آخر، وعليكم أن تتحملوا نتيجة ماتفعلون.

ولأن الوقائع التاريخية تشكل العمود الفقرى لأحداث 1952/أوراق 1954 فلعلنا نتساءل هل يشكل هذا العمل تاريخا فى شكل رواية أم رواية “تتعامل” مع التاريخ؟ إن الرواية، بجزأيها، تمزج بين شخصيات عامة بأسمائها الحقيقية ووقائع مستقاة من مصادر تاريخية يعتد بها، وشخصيات أخرى هي أيضا بالتأكيد شخصيات حقيقية ولكن لأنها ليست شخصيات عامة (أو غير محسوبة على الشق التاريخي فى الرواية) فإننا نعتبرها فى النهاية “شخصيات روائية” سواء ابتدعها المؤلف أو انتقاها وأدخلها فى النسيج الروائي لعمله. ومن هنا يصبح التاريخ عاملا مزدوجا: فهو الذى يشكل الأحداث؛ وهو من ناحية أخرى الأحداث نفسها وقد تشكلت بصورة أو بأخرى.وفضلا عن أنه يوسع من الأبعاد الزمنية للرواية من خلال توسيع نطاق حركة شخصياتها وتفاعلاتهم ، فإنه يشكل فى حد ذاته إطارا للأسباب والدوافع وراء الوقائع التاريخية (التى عادة مايكتنفها الجمود والتعقيد) فتتحول على يد الروائي الحصيف إلى وقائع “روائية” تربط بين المتغير الشخصي المحدود والمتغير التاريخي الأوسع نطاقا وتعكسهما معا فى ظل خلفية زمنية دائبة التغيير والتحول.

إن أربعين عاما قد مرت على أزمة مارس 1954 كتبت فيها آلاف الصفحات عن أحداث ذلك الربيع العاصف. واختلطت أوراق كثيرة. وعلى مدى أعوام عديدة سادت وجهة نظر واحدة متحيزة هى وجهة النظر التى كانت تسمح بها السلطة حتى وفاة عبد الناصر. ثم ظهر سيل من الدراسات والمذكرات الخاصة والوثائق السرية التى كشفت عنها الخارجية البريطانية والأمريكية. وهاهي “أوراق 1954” لجميل عطيه إبراهيم ثقدم لنا منظورا عاما جديدا لوقائع تلك الأزمة.

ولذلك، فإن جميل عطية إبراهيم، فى جانب كبير من “أوراق 1954” لايؤلف أحداثا وإنما يعرض “وقائع تاريخية” من وجهة نظره، يحدوه فيها إيمان قوى بالوعى التاريخى ، وبأن هذا الوعى، كما يقول هيربرت ماركوز، هو الأساس البنيوي الذى تقوم عليه المعرفة السياسية والعمل السياسي ، وهو المنهل الذى يولد الأدب والفن والشعر والموسيقى والعلم. وهو أيضا يتوخى مقولة ماركوز بأن نسيان آلام الماضى ومعاناته إنما يمثل العفو عن القوى التى تسببت فى هذه الآلام، وبأن الجراح التى تندمل بمرور الوقت هى أيضا الجراح التى تحمل السموم، وفى مقابل هذا الإستسلام للزمن تصبح استعادة الوعى، كوسيلة للتحرر، مهمة من أسمى مهام الفكر الإنسانى.

إن تصدى المؤلف لمهمة كتلك – من استثارة للوعى وتعميق المعرفة السياسية وطرح الوقائع التاريخية من منظور جديد إلى الإلتزام بالإطار الروائى والزمنى الممتد منذ بدايات 1952 – ألقى عليه عبئا مضاعفا من حيث تحريك عدد كبير من الشخصيات أمام خلفية من الأحداث السريعة وغير المتوقعة. ومع أن المؤلف يترك شخصياته تتحدث عن تجربتها فى فصول مستقلة فإننا نكاد نراه يقف بينها جميعا كمخرج مسرحى يوجه حركتها وينظم أدوارها إلى أن يمسك فى تهاية الرواية بجميع الخيوط التى بدأ بها فى رواية 1952.

والرواية مليئة بالإيحاءات والأحكام وهى تنتهى بالقبض على “كرامة” دون أن يرى ابنه غير الشرعى “محمد نجيب” فى كنف أمه الفلاحه “زهية” التى استطاعت أن تستميل إليها قلب الدكتور السيد أحمد باشا حتى أنها وقفت إلى جواره تتلقى العزاء فى إبنته الفقيدة وقرر بناء على طلب إبنته أن يؤول ميراثها إلى زهية وطفلها.

وكان من رأى السيد أحمد باشا، وهو من كبار فقهاء القانون الدولى، أن “سنة 1953 هى أخطر السنوات التى مرت على مصر وليست سنة 1952. فطرد الملك لم يكن سوى جملة اعتراضية فى خضم الأحداث، أما فى سنة 1953 فقد تمت تسوية الأرض لخلق الجو المناسب لإقامة دكتاتورية بعد قصقصة أجنحة جميع الرجال وإلغاء الأحزاب والدستور وإعلان فترة انتقال لمدة ثلاث سنوات.”

ولعل المؤلف أراد أن يقول على لسان بطله المستنير أن تلك كانت المقدمة المنطقية لما تلى ذلك من أحداث بلغت ذروة مأساتها فى نكسة 1967 ولا تزال آثارها باقية حتى الآن. ولعل ذلك أيضا يعطينا إشارة بأن أحداث ذلك العام الكئيب والفاصل ستكون موضوع الكتاب الجديد فى مسلسلته الرائعة.

(7)

جميل عطية ابراهيم في “1981”:

فاجعة اغتيال العقل وفقدان الذاكرة

لكل أمة ماض ثابت ومستقر، أما المستقبل فهو غير معلوم. وإذا كان لنا أن نعرف الماضي فإنه لايسعنا سوى التكهن بالمستقبل. أما الحاضر فلا هو ثابت ولا مستقر، وهو سرعان ماينحسر دوما بين تلافيف الماضي. وإنه فقط من خلال تفسير الماضي ورؤية الحاضر من خلال هذا التفسير يمكننا أن نحدد موقعنا الحالي على خريطة العالم. وبمعنى آخر، فإنه إذا كان يستعصي علينا استقراء المستقبل، وتستغلق علينا قراءة الحاضر، فلا أقل من استكناه الماضي. وإذا عرفنا ماذا كنا، فربما نكتشف ماذا نكون. إنها التساؤلات التاريخية الأزلية: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وما هي التفسيرات المختلفة لماحدث؟ الوقائع، والتفسير، والمغزى. إنها باختصار العناصر الأساسية لفلسفة التاريخ. هذه التساؤلات ومحاولات الرد عليها هي فحوى عمل جميل عطية ابراهيم العظيم: ثلاثية 1952 التي صدر مؤخرا الجزء الثالث والأخير منها تحت عنوان “1981”.

وقد تناول المؤلف في الجزء الأول إرهاصات الثورة وقيامها، وتناول في الجزء الثاني ماسمي بأزمة 1954 التي أطاحت بالرئيس محمد نجيب. نعم، لقد كان1952 و 1954 تاريخين هامين في عمر الثورة وفي مسيرة الوطن. وكانا تعبيرا عن مرحلة مفعمة بالآمال والأحلام وأيضا بالصراعات التي هددت الثورة من الداخل إلى أن مرت العاصفة، وانتصر جناح على آخر، وبدا أن الأمر أصبح مهيأ للثورة كي تحقق أحلامها الموعودة. وقد استطاع جميل عطية ابراهيم أن يرسم معالم هذه المرحلة بكل الصدق وبكل الأمل في تحقيق الحلم والخوف من تبدده. فأي طريق سلكته الثورة؟ أو أي طريق أريد لها أن تسلكه؟

ربما تصور البعض أن المؤلف، سيرا على المنهج التاريخي التقليدي، سيتوقف عند 1956 أو 1967 أو 1973، وكلها تواريخ هامة وإن كان يجمع بينها أنها كلها تواريخ معارك وحروب. لكن جميل عطية ابراهيم، بحركة ساحر، أخرج من جعبته “جوكرا” مسح القديم والجديد، وغطى على مايمكن أن يقال عن أي من هذه التواريخ وغيرها والتي قادت جميعها إلى هذه النقطة الفارقة في تاريخ الوطن: نقطة الإنهيار أو مرحلة الكتلة الحرجة Critical Mass التي كان لابد عندها من تعديل المسار: ينطبق هذا على الوطن ككل وعلى شخصيات الرواية فردا فردا، كما سنرى.

ثلاثون عاما، 1952 ـ 1982 ، أعمل فيها جميل عطية ابراهيم قلمه وفكره ليس بمنهج الرواية التاريخية التقليدية ولكن بأسلوب المؤرخ الفرنسي البارع فرناند برودال مؤسس المدرسة البنيوية في تسجيل الحوليات التاريخية والذي اعتبر من طليعة مؤرخي مدرسة مابعد الحداثة. وتجسد نظرية برودال فكرة التاريخ الممتد أو الطويل الأجل في مقابل الوقائع القصيرة الأجل، بما فيها الحروب والغزوات. وتركز مدرسة الحوليات، التي بلغت ذروة تأثيرها خلال الستينات والسبعينات، على التاريخ العام والشامل وعلى تنوع التفاعلات التي تشكل في النهاية قاعدة عامة موحدة أكثر من تركيزها على التاريخ السردي التقليدي. ويستجيب برودال لنظرية نيتشه من حيث كتابة التاريخ من مواقع ومناظير مختلفة تشمل الإجتماعي والثقافي والإقتصادي والأنثروبولوجي. ويعكس جميل عطية ابراهيم هذا المفهوم المتعدد الجوانب للتاريخ في ثلاثيته التي تبدأ في عزبة عويس قبيل قيام ثورة 1952 وتنتهي في عام 1982، حينما تجمع الغربة والإغتراب بين بعض أبطالها خارج الوطن، لكنهم يقررون في لحظة هامة من لحظات اتخاذ القرار أن يعودوا إلى “عزبتهم” وإنقاذها من الخطر الذي يتربص بها.

من الشخصيات الرئيسية في “1891” كرامة سرحان السقا، طالب اللغة الإنجليزية، الذي التحق بعد تخرجه بوزارة الخارجية، وتزوج من الأميرة جويدان إبنة اللواء عويس، أما زهية الفلاحة التي حملت منه، في لحظة نزوة، طفلا أسمته محمد نجيب تيمنا بقائد الثورة، فقد التحقت بخدمة الدكتور أحمد السيد باشا أستاذ القانون الذي فقد إبنته في حادث يتعلق بنشاطها السياسي، وانتهى الأمر بزواج زهية من الباشا، الذي قام بتربية محمد نجيب الذي أصبح عمره الآن ثلاثين عاما.

في نيسان 1982 (نيسان أقسى الشهور، إفتتاحية “الأرض الخراب” الشهيرة لإليوت التي كان يعشقها كرامة سرحان ويرددها في سنوات صباه)، هاهو نيسان يعود بعد ثلاثين عاما بقسوة أشد. فقد حضر إلى جنيف، حيث يعمل كرامة مستشارا بالبعثة، الباشا وزوجته التي أصبحت الآن زهية هانم، ومعهما إبنه ـ أي إبن كرامة ـ المعروف بأنه إبن زوجة الباشا من “رجل آخر”. وستظل صفة “الآخر” هذه تعذب كرامة إلى أن يقرر الإعتراف بإبنه في آخر الرواية، التي تنتهي بموت الباشا، وربما ـ كتحصيل حاصل ـ زواج كرامة من زهية وانفصاله عن زوجته الأميرة التي ثبت حتى نهاية الرواية أنها لاتزال تتآمر ضد عزبة عويس وأهلها.

هذا هو السياق الروائي لـ “1981” الذي يطوي في ثناياه نصا زاخرا بالرؤى والأفكار والأحكام والشخصيات التي تتحرك حركة دؤوبة في كل اتجاه. وهاهو قصر الأمم في جنيف يشكل مسرحا دوليا يختلط فيه العام والخاص، ويدلف بنا المؤلف ليس فقط بين دهاليز هذا المبنى التاريخي وكواليسه السياسية والدبلوماسية ولكن ايضا بين خبايا النفوس البشرية فنتعرف على شخصيات فريدة أبدع المؤلف رسمها وسبر أغوارها: أميرة تحولت إلى مترجمة وتعاني من الوحدة في أواخر العمر، لازوج ولا ولد، وعينها على المصير الذي ينتظرها: بيت المسنين؛ وملازم سابق في الجيش (هو أيضا تحول إلى مترجم) وحكاياته عن مؤامرة قام بها ضد عبد الناصر وانخراطه في العمليات الإنتحارية في سيناء في أعقاب نكسة 1967؛ والخال عباس أبو حميده الإشتراكي الذي هدته الغربة.

على أن أهم الشخصيات التي قدمها جميل عطية ابراهيم في “1891” هي شخصية الأستاذ عبد الله صابر التي أفرد لها تمهيدا صدر به روايته. فهذه الشخصية التي لم يكن لها وجود في الجزأين السابقين إن كانت توحي بأي شىء لأول وهله فلا أقل من أنها توحي بشخصية سقراط العظيم، المثقف الأزلي، الباحث عن الحقيقة.الأستاذ عبد الله صابر الذي يضطهد ويعتقل بسبب أفكاره، ويتحلق حوله الصغار والكبار في القرية يحكي لهم ويسمع منهم، ومع ذلك فهو يردد لهم دائما أن “جعبتي خالية ياأولاد من الإجابات، هي تساؤلات نطرحها على بعضنا البعض حتى نعثر على حكيم يفتح أعيننا على الحقيقة.” ولكننا ماأن نتعلق بهذه الشخصية ـ التي ربما أراد لها المؤلف أن تمثل العقل أو روح الشعب ـ نفاجأ بأنه “في اليوم التالي عثر على عبد الله صابر مكوما أمام باب الدار وقد اخترقت جسده عدة طعنات بخنجر من الخلف.”

لماذا يبدأ جميل عطية ابراهيم روايته بواقعة تمثل إغتيال العقل؟ لعله يعبر بذلك عن حكمه على ماآلت إليه الأمور في عزبة عويس التي كانت في الجزأين السابقين تعبيرا وتجسيدا للوطن؟

هنا، تتأكد مرة أخرى، مثلما تأكدت في الجزأين السابقين، رؤية جميل عطية ابراهيم للكتابة باعتبارها تعميقا للوعي التاريخي الذي يشكل الأساس البنيوي الذي تقوم عليه المعرفة السياسية والعمل السياسي، وإيمانه بمقولة ماركوز بأن استعادة الوعي، كوسيلة للتحرر، هي مهمة من أسمى مهام الفكر الإنساني. وهاهو كرامة سرحان، الشخصية الرئيسية في الرواية يسترجع ذكرياته المكبوته، وفي هذا الإسترجاع يحدث التحول في شخصيته السلبية إلى الشخصية التي يريدها لنفسه. في هذا الإسترجاع يتحول سرحان من مجرد “الآخر” إلي “الأنا”، ويحقق لنفسه السعادة والحرية.

إن ذاكرة الوطن هي همّ أساسي يحمله سقراط جميل عطية ابراهيم، وتصبح من الشواغل الرئيسية التي تتمحور حولها الرواية. “لقد خلقت الجماعات الإسلامية، التي تتخذ الإرهاب وسيلة لتحقيق أهدافها، ذاكرة أخرى للوطن، العودة إلى القرن الأول الهجري تحت شعار تطبيق الشريعة الإسلامية والإسلام هو الحل.”

“ـ والحل؟

“ـ الدفاع عن ذاكرة الأمة وتاريخها. التصدي لهذه الجماعات في الشارع المصري دفاعا عن أحلام الشعب.”

من هذا المنطلق يصدق على ثلاثية جميل عطية ابراهيم وصف الرواية “الجمعية” التي تستهدف استثارة وعي الجماهير والتعبير عنه في مواجهة ماتتعرض له هذه الجماهير من عنت ومن استلاب للحلم. وفي الرواية الجمعية تقوم الجماعة أو المجتمع بدور الشخصية الرئيسية، ويتعين على المؤلف أن ينقل هذا الإحساس الجماعي الذي يصبح أكثر أهمية من التركيز على شخصية الفرد. وهذا هو الإحساس الذي نجح جميل عطية ابراهيم تماما في نقله إلى القارئ.

ولأن 1981 هو عام اغتيال السادات فإن “1891”(الرواية) تتضمن الكثير من الأحكام على الحقبة الساداتية وهي أحكام تخضع في مجموعها للقبول أو الرفض. من هذه الأحكام مثلا مايقوله عباس أبو حميده الإشتراكي : “لاتنس ياسعادة المستشار أن الرئيس (السادات) قد حكم برجال عبد الناصر فيما عدا القلة من رجال مكتبه والمقربين إليه ، هؤلاء وضعهم في السجن بعد محاكمة سياسية ظالمة ليتخلص من منافستهم له.” (؟) ويقول أحد شخصيات الرواية:”المأساة أننا خرجنا جميعا في وقت مبكر جدا ونحن في قمة العطاء. حقيقة لايبقى على المداود غير شر البقر. الطاعون والمجاعات هي وحدها التي تجبر الناس على الفرار، وما جرى في مصر في زمن السادات يشبه الطاعون، فرار جماعي.” وتضيف هذه الشخصية قائلة :”مانردده هذه الساعه في جنيف يردده مئات غيرنا، من المثقفين المصريين المطرودين، في كافة أنحاء المعمورة. مقاهي لندن وباريس وروما وبرلين تغص بالمصريين، حتى المدن الصغيرة في بلدان الشمال عرفت المهاجرين المصريين لأسباب سياسية.” وفي مكان آخر يقول المؤلف إن “السادات رحمه الله استحق مصيره ليس لأنه وقع اتفاقية سلام مع اسرائيل، فكلنا يعرف أن اتفاقيات السلام غير العادلة ليست إلا هدنة حرب، لكن أخطاءه السياسية هي أنه عمل لمسح ذكريات الوطن… ذكريات الوطن ضاعت في عهده من أذهان الناس، والوطن هو الذكريات.”

عزبة عويس الآن “…غارقة في الهم، وصفار شمس العصاري كالذهب المزيف يثير الشجن. … منذ الهوجة التي حلت بعزبة عويس … قلت الأشغال وكثر الكلام وانتشرت الحواديت. يتجمع الفلاحون في السوق بحثا عن قطعة لحم وحزمة جرجير وأربع بيضات بشق الأنفس. أما الزبد والجبن القريش فقد اختفيا وحل محلهما الزبد والجبن الدانمركيان.” أهالي عزبة عويس أصبحوا يتسوقون حاجياتهم من سقارة والبدرشين وأبو النمرس، وفي الرايحة والجاية يلعنون هذا الزمان. عيونهم على مكتب البريد لتلقي الحوالات من الأولاد الذين يطفحون “الكوته” في بلاد النفط الغنية. النقود جرت في أيديهم، وعزت عليهم اللقمة.”

“تتحول الدكاكين الطينية إلى بوتيكات بها سجائر مستوردة وكوكاكولا لكنها خالية من رغيف الخبز والجبن والفول والطعمية. بوتيكات تباع فيها الحلي والتماثيل إلى السياح ويجري فيها تغيير العملة سرا.”

عزبة عويس التي كانت تستعد لإقامة مشروع لتعليب الخضروات، من كثرتها، والتي كانت تباع فيها المانجو بالكوم والخضروات بالشروة، تغير حالها. لم تعد مفرداتها زراعة وتصنيعا واكتفاء ذاتيا ولكن سياحة وانفتاحا وتاكسي بالنفر وتحويل عملة وتأشيرة خروج إلى بلد عربي وتوظيف أموال. “أحلام كالذهب الفالصو في شمس العصاري التي تغرق السوق.”

في”1981″، واتساقا مع ذروة الأحداث في الثلاثية، تسمو لغة الرواية إلى مستوى رفيع وبالغ الدلالة والتعبير:

“شمس الماضي أشد فتكا بالروح من أحلام المستقبل الوردية التي لم يقدر لها التحقق بعد. هي تبزغ فجأة فتعري الحقائق وتزيل عنها تلك الستائر الواهية التي طرزتها الأيام والليالي.”

“ الغربة بطالة، ونحن بشر. رنت في أذني كلماته كالنفير الناعق في مقطوعة موسيقية مليئة بالشجن. و “1981” هي هذه المقطوعة ذاتها، وهي تحمل شجنا لايوصف، وهو شجن يبدو أن المؤلف يحسه حتى النخاع، ولهذا فقد جاء التعبير عنه بكل العمق والسلاسة: “أمضيت عمري كله متغربا. طحنتني الغربة في عزبة عويس بين أهلي وناسي. وفي الغربة الحقيقية تجرعت كأس الوحدة حتى الثمالة.”

هناك أيضا الكثير من الإيحاءات والتلميحات التي لايتسع المجال لذكرها، لكن أهميتها تكمن في أن المؤلف يعني كل كلمة وكل عبارة ويعني ماوراءهما من دلالات . في مطلع الرواية تطغي على القرية نذر “التقسيم”، ومع أن المقصود هو تقسيم الأراضي الزراعية بعد تجريفها تمهيدا لبيعها وتحويلها إلى أراض للبناء، إلا أن شبح كلمة التقسيم بمدلولاتها السياسية يفرض نفسه على السياق. “مات جمال عبد الناصر، فانفض مولد الثورة، وتفرق الناس.” وفي آخر الرواية، وحينما يقرر كرامة المثقف وعباس أبو حميدة الفلاح الثوري العودة إلى القاهرة لإنقاذ عزبة عويس، تقول إحدى الشخصيات في تعبير لاتخفى دلالته:”يبدو أن عزبة عويس عليها العين منذ حركة الجيش.”

إن جميل عطية ابراهيم حينما تصدى لقراءة ـ أو إعادة قراءة ـ ثلاثين عاما من تاريخ الوطن فقد كان يدرك أن التاريخ هو أكثر من مجرد حادثة تلو أخرى، وأكثر من مجرد استرجاع وقائع قديمة، بل وكان يدرك أنه أكثر من مجرد ماوقع من أحداث. لقد نظر جميل عطية ابراهيم إلى تاريخ هذه الفترة باعتباره خطابا سياسيا يفوق مجرد سرد أحداث الماضي وتفسيرها ليصبح تعبيرا عن مجمل تجربة شعب وتفاعل العلاقات بين أفراده في ظل المعطيات التاريخية لهذه الفترة. وقد جعل ذلك من ثلاثيته عملا كلاسيكيا أصيلا سوف يحتل دائما مكانته بين شوامخ أدبنا الحديث.

(8)

جميل عطية ابراهيم في “أوراق سكندرية”:

أوديسة شجية في لوعة الإغتراب وطقوس العودة

“ثورة 1919 جوهرة في تاريخ مصر، ومعين لاينضب للكتابة الروائية والدرامية، وقد أصبحت محلا لدراسات جادة ومخلصة عديدة يصعب حصرها في هذا المجال”، هكذا ينوه جميل عطية ابراهيم في ختام روايته “أوراق سكندرية”. وبهذا التنويه يختتم مؤلف ثلاثية الثورة المصرية “1925؛ أوراق 1945؛ 1982″، روايته التي يشير تعريف الناشر على الصفحة الأخيرة منها أنها “تنقب في أوراق ثورة 1919”. ويزدان غلاف الرواية بلوحة جميلة بالغة التعبير للفنان حلمي التوني أحسب أنها ضمت أهم عناصر القضية التي أراد جميل عطية ابراهيم أن يركز عليها: تمثال سعد زغلول، زعيم الأمة، رمز ثورة 1919، وضابط بزيه العسكري تعبيرا عن “حركة الجيش” في 1925، كما يصر جميل دائما على تسميتها، ونخلة خضراء هي تراب مصر، وفي صدر اللوحة فتاة جميلة تعزف على آلة العود، وهذه الفتاة هي “سيلفي” إحدى الشخصيات الرئيسية في الرواية، والتي يصفها الراوي بأنها “عفريته، جنية من جنيات البحر، قلبها لايعرف الخوف، ونفسها مفتوحة للمعرفة، وروحها متفتحة للحياة.” وربما سيدرك القارئ في ختام مطالعته لـ “أوراق سكندرية” أن سيلفي تمثل كل الأشياء الجميلة التي افتقدها بطل الرواية في رحلة اغترابه الطويلة، وهاهي بعد عودته تومض في حياته كحلم مراوغ لاسبيل إلى تحقيقه.

ترى أي من هذه الجوانب غلب على الآخر في رواية “جميل” التي تتناول هذه الأمور جميعها من خلال الشخصية الرئيسية في الرواية وهي شخصية “عجيب كفافي” الذي غادر وطنه لأسباب سياسية واستقر به المقام في منفاه الإختياري في الخارج سنين طويلة إلى أن قرر العودة في نهاية المطاف يدفعه حافز وطني قوي هو تحقيق بعض الكراسات عن ثورة 1919 استطاع الحصول عليها خلال عمله بالخارج.

ولقد كانت فكرة أن يستند هذا العمل إلى أوراق مجهولة عن ثورة 1919 فكرة عظيمة خاصة وأنها تصدر عن “جميل” الذي أمتع قراءه بثلاثيته عن الثورة المصرية، وبما عكسته تلك الثلاثية من رؤى تاريخية ثاقبة وتركيز على الهم الوطني وذاكرة الأمة. على أنه ماأن عاد “عجيب كفافي” إلى مصر حتى استغرقه واقع بالغ التغيير وعالم كان هو بعيد عنه كل البعد، ووجد صعوبة شديدة في التأقلم مع مجريات الأمور من حوله، وكلما جلس إلى أوراقه ليترجم بعضا منها، أو يطلع القارئ عليه، تشده تفاصيل أخرى: دوامة الحياة الجديدة، ولقاءات الأهل والأصدقاء، والمرض أحيانا. وتنتهي الرواية ولما يظفر القارئ إلا بالنزر اليسير من أوراق 1919. ربما قصد “جميل” إلى ذلك عامدا متعمدا. وربما هو في سبيله إلى استكمال هذه الأوراق في أجزاء أخرى من هذا العمل.

ماذا يبقى إذن من “أوراق سكندرية”؟

إننا في هذا العمل البديع والجاد أمام تجل آخر من تجليات جميل عطية ابراهيم، وهو تجل يعكس السمات الأساسية التي تميز أعمال هذا الكاتب الكبير والتزامه القومي تجاه قضايا أمته، وانشغاله الدائم بالهم العام دون الخاص وبحثه الدؤوب عن أجوبة لتفسير الماضي وفهم الحاضر والتطلع إلى المستقبل. وفي “أوراق سكندرية” لاتزال تستحوذ على “جميل” فكرة غربة المثقف وعزله بل واغتياله. وقد كان من أهم الشخصيات التي قدمها “جميل” في رواية “1981” هي شخصية الأستاذ عبد الله صابر التي رأينا فيها شخصية سقراط العظيم، المثقف الأزلي، الباحث عن الحقيقة. عبد الله صابر الذي يضطهد ويعتقل بسبب أفكاره، ويتحلق حوله الصغار والكبار في القرية يحكي لهم ويسمع منهم، ومع ذلك فهو يردد لهم دائما أن “جعبتي خالية ياأولاد من الإجابات، هي تساؤلات نطرحها على بعضنا البعض حتى نعثر على حكيم يفتح أعيننا على الحقيقة.” ونفاجأ بأنه “في اليوم التالي عثر على عبد الله صابر مكوما أمام باب الدار وقد اخترقت جسده عدة طعنات بخنجر من الخلف.” وهاهو “جميل” في “أوراق سكندرية” يستنسخ هذه الشخصية مرة أخرى في صورة الشيخ مسعود مسعود والد سيلفي الذي طعن هو أيضا من الخلف في شقته بعد معركة مع القاتل الجبان. الشيخ مسعود من رجال القضاء، وكان قد استقال من منصبه في أعقاب “حركة الجيش”. يقول الراوي عن “عجيب كفافي”: “سحره الشيخ مسعود بشخصيته وعزفه على العود في جلسات أبيه الأسبوعية في بيت مصر القديمة. الرجل وفدي النزعة، ولكن له علاقات طيبة برجالات حزب الأحرار الدستوريين، وصداقات باليساريين، وهذه كلها أضداد لاتعرفها السياسة، فإذا سأله الرأي قال: شجرة الحياة أغصانها متعددة ياعجيب. تارة ينصحه بقراءة نيتشه، وتارة بقراءة ابن عربي. يقول له مرغبا ومحذرا: إذا اقتربت من جمرة الفكر احترقت، وهاهي أيامك أمامك افعل بها ماتشاء. أنا لست داعية، وليس لي تلاميذ.”

إن “أوراق سكندرية” هي سيرة الزمن الخاص بـ “عجيب كفافي” الذي هو بالفعل المحور الرئيسي الذي تتحرك حوله كل الشخصيات، والذي يقدم لنا جميع الشخصيات من وجهة نظره هو، والذي يشكل تفاعل الآخرين معه وإزاءه صلب الرواية.

سأل “عجيب كفافي” نفسه: “هل كان سفره هروبا من البلد في ساعة غمة أم فرضت عليه الهجرة؟ للأسف ضاع وقت الحساب وتأنيب النفس، فقد تغير العالم، وزالت دول وممالك كانت ملء العين. يتذكر “عجيب” مع الأصدقاء سنوات الإعتقال ومناقشاتهم الثرية وخلافاتهم الفنية والعقائدية. قلب “عجيب” موجع دائما بالتذكر وبالواقع. تذكّـر الماضي، الستينات، الثورة في ذروتها بالداخل، التضييق على الناس على أشده، لجنة مكافحة الإقطاع، سيطرة القيادات العسكرية على شركات النقل والأوتوبيسات، زواج القيادات العسكرية العليا من الراقصات، بينما هزيمة نكراء في الأفق، لاتزال جروحها مفتوحة. وموجع بالواقع الذي عاد إليه بعد طول غياب فوجد نفسه منفصلا عنه غير قادر على التوافق معه أو الإندماج فيه، بينما كل من حوله يشق طريقه. لم تتوقف الدنيا. الصحفي الذي كان مغمورا كبر وتكبر، وأصبح يحادثه وكأنه نجم الصحافة المصرية. يدعوه إلى سهرة في منزله: “معي أناس لهم باع في الثقافة والفن والسياسة، وآخرون يقاتلون للبقاء أحياء بعيدا عن الإحباط والملل.” مرزوق بك أو “مرسيدس بك” من أصحاب الشركات الممتدة من الخليج إلى أفريقيا.

يحن “عجيب كفافي” إلى مصر القديمة وبيت الأجداد. سيلفي تقود سيارتها في براعة لاعب سيرك. تجري وراء عربات النقل وتندفع بين الأوتوبيسات، بينما هو قابع في المقعد الخلفي، يحلم بشراء قلة فخارية يضعها على حافة النافذة ويزينها بالنعناع. أخذته إلى طرق تغيرت معالمها، غابت عنها الخضرة، وفقدت عذوبتها. زاد إحساسه بالفقد. هذه أيام جديدة وأناس جدد. لامكان لبائعي القلل الفخارية وبائعي القصب بينهم. المنطقة التي بنت شهرتها على صناعة الفخار امتلأت على جانبي الطريق بمحلات إصلاح الثلاجات. الشوارع غير الشوارع والبنايات غير البنايات.

“عجيب كفافي” يذهله ماحوله من تطور. “قاهرة غريبة، رجالها يدورون في الشوارع يبيعون الأمشاط والدبابيس والفلايات، وهذا الرجل الواقف إلى جواري يحدثني عن شبكة المعلومات اليابانية وكأننا في طوكيو أو نيويورك. الغريب أن يواجه “عجيب كفافي” هذه الصدمة الحضارية في بلده وهو العائد من بلاد الشمال المتقدم تكنولوجيا. لقد عاش سنوات حياته في الغربة معزولا عما حواليه. “أحمل نقودي في جيبي ولا أعرف كروت الضمان. أذهب إلى شبابيك الصرف في البنوك ولا أتعامل مع تلك الصناديق السحرية التي تخرج الأوراق النقدية بالضغط على الأزرار. عجزت عن استخراج طابع بريد واحد من الماكينة طوال عشرين عاما. أنا عازف ربابة، أجلس على دكة تحت شجرتي وأغني أدواري، لاأطيق الغناء أمام ميكروفونات ولا أطيق سماع صوتي على الأثير.” هكذا أمضي كفافي سنوات عمله في الغربة مراسلا صحفيا.

يلتقي “هنادي المعلم”، حبه القديم. مات زوجها في لبنان ولم يترك لها ثروة. عمل بالسياسة والصحافة طوال عمره، كتاباته جارحة ورؤيته عميقه. لم يبع نفسه للشيطان ولم يفكر في شرائه. “زوجتي أحبتها من أول لقاء. قالت: هذه الفتاة تعزك ياعجيب. كانتا تخرجان سويا، تسافران إلى الإسكندرية والأقصر بمفردهما. ولما ماتت روزالين، بكتها هنادي بجنون.” قادته هنادي إلى غرفة مرسمها، سألته:

ـ كيف تحملت الغربة ياعجيب؟

“قلت لنفسي: معها حق. كيف تحملت تلك السنوات؟ لاأعرف. سافرت عام 58، وعدت عام 97، كنت شابا عند مغادرتي، وعدت كهلا في الستين أبحث عن زمن ضائع، كما يقال.”

يفيض “عجيب كفافي” على القارئ بمخزون متدفق من الذكريات. يحمله معه في رحلة شجية عن غربة ماضية وغربة آتية. يقول له صديقه: “أنت ياعجيب مثل قطار مدخنته في المقدمة ويجري إلى الخلف.” عجيب نفسه يراوده هذا الإحساس عن شخصيته. يقول لنفسه في أحد المواقف: “ربما قال لها هذا الوغد: هذا إنسان مخرف تتلبسه عفاريت الماضي وخيالاته.” تداهمه فجأة متاعب البروستاتا وضيق التنفس. يسأله طبيبه:

ـ “ماذا يشغلك إلى هذا الحد ياأستاذ عجيب؟

ـ أوراقي.

ـ ماذا بها؟

ـ أحداث ووقائع ثورة 1919.

ـ ألا تكفيك ياسيدي ثورة 52 حتى تشغل نفسك بثورة 19؟

تنضح “أوراق سكندرية” بولع “عجيب كفافي” بالتاريخ وبفلسفته. الاستعمار القديم والجديد، العولمة والمعلوماتية والهندسة الوراثية ودخول القرن الحادي والعشرين، سنوات التحرير والنضال والشهداء من دنشواي حتى قانا، ونهاية التاريخ “التي يرددها على أسماعنا أولاد الأفاعي حتى صدقناهم”. “عجيب كفافي” يشده الماضي الذي راهن عليه إنطلاقا من مواقفه، ودفع الثمن غاليا: غربة العمر. هو الآن يعود إلى واقع لايجد لنفسه مكانا فيه. حتى هنادي المعلم، يقول لنا في آخر سطور الرواية، ليست من نصيبك ياعجيب. “معارك فرضت نفسها علّي، ووجدت نفسي في وسطها. معارك وهمية لاطائل منها ولا رجاء. الإنغماس فيها مصيبة، والتغاضي عنها بلادة لاتليق. ربطتني بأهلي خيوط الأسى والحزن.”

عجيب كفافي، في النهاية، هو “كائن تاريخي” وأزمته الحقيقية هي تلك القوى التي تدفع به خارج التاريخ. والتحدي الذي يواجهه هو الصمود والبقاء داخل دائرة التاريخ. وتلك، بالتأكيد، ليست قضية عجيب كفافي وحده.

(9)

“خزانة الكلام” لجميل عطية ابراهيم:

آهة موجوع بآلام التطبيع والعولمة

حينما اتصلت بالكاتب الكبير جميل عطية ابراهيم ذات يوم في عام 1997 مهنئا إياه على آخر أعماله آنذاك، وكان رواية “أوراق سكندرية” ومتمنيا له المزيد من الإبداع الجميل وإثراء الساحة الثقافية بأعماله ذات الطابع الخاص الذي يجمع بين تفرد القدرة الإبداعية وعمق الرؤية التاريخية لمثقف مناضل، فاجأني بقوله: ” أنا خلَّصت. لقد قلت كل ما عندي، وما أظنني سأكتب شيئا بعد الآن.” في ذلك الوقت كان جميل قد توج مشروعه الروائي باكتمال ثلاثية الثورة التي ضمت ثلاثة أجزاء هي: “1952″ و “أوراق 1954″ و “1981″، وهي الثلاثية التي تمثل ركنا ركينا في متن أدبنا العربي المعاصر. ثم أتبعها برواية “أوراق سكندرية” التي كانت بمثابة مشروع لفتح ملفات ثورة 1919 لكنها توقفت عند حد كونها مجرد “مشروع”. ومع ذلك، فقد كانت “أوراق سكندرية” امتدادا لمشروع جميل عطية ابراهيم اللصيق بقضايا الوطن والمدافع أبدا عن حق المثقف في التعبير: المثقف الذي نراه في أعماله دائما عرضة للاضطهاد بل وللاغتيال. ولذلك، فإنني أعترف بأنها كانت مفاجأة سارة لي أن تصدر أحدث روايات جميل “خزانة الكلام”، (روايات الهلال، مايو (أيار) 2000) التي جاءت فصلا جديدا في معركة جميل عطية ابراهيم دفاعا عن قضايا الوطن وفي قراءته المستنيرة للماضي وتوقعاته الكاشفة للمستقبل، وفي محاولاته لكشف المستور ونحن على أبواب ألفية جديدة، وفي مواجهة تيارات عالمية جارفة تستمد معظم قوتها من ضعف الآخرين وعدم قدرتهم على الفعل والاكتفاء بموقف المتفرج.

وفي “خزانة الكلام” يواصل جميل عطية ابراهيم تأصيله للقضايا التي تأسس عليها مشروعه الروائي في الثلاثية وما بعدها، وفي مقدمتها: تعزيز الوعي التاريخي وحفظ ذاكرة الأمة؛ وإبراز دور المثقف المستنير في مواجهة القوى المضادة والتي لا يقوى أحيانا على مواجهتها ويكون مصيره الاضطهاد بل والاغتيال؛ واستشراف منظور مستقبلي يراعي تراث الوطن التاريخي والاجتماعي وتراكماته القيمية على مر العصور.

يفرد المؤلف 36 فصلا لثماني شخصيات رئيسية لكي تتكلم وتتكلم وتعرض على القارئ، من وجهة نظر كل شخصية، أبعاد القضية الرئيسية في الرواية، والتي سنعرض لها في حينه. أما الشخصيات الرئيسية الثمان فهي، حسب ترتيب الظهور على المسرح، إذا اقتبسنا هذه العبارة الشهيرة، فهي: عابد عبد المتجلي زوغلى؛ الدكتور سامح الدهشوري؛ نقيب علاء العتر؛ نفوسة بنت النخيلي؛ إليزابيث؛ مارينا أبو المحاسن المصري؛ بوشناق الطهطاوي.

عابد عبد المتجلي زوغلي (74 سنة) هو عميد عائلة زوغلي باشا الكبير العريقة والذي يفاخر دائما بأن تقاليد الأسرة يعود تاريخها إلى ثلاثة قرون (ربما إشارة إلى وقت غير معلوم في تاريخ الامبراطورية العثمانية. وفي حديث له مع إليزابيث، المستشرقة المهتمة بتتبع مسار حركة التنوير في الشرق (وهي فتاة فاتنة عمرها 26 سنة، أي تصغره بنحو 40 عاما، لكنه لا يستطيع أن يخفي فرحته بلقائها، ويقرر في النهاية أن “حب الصبايا ليس من نصيبنا. نحن العواجيز، علينا الاكتفاء بالرؤية أو الرحيل”)، تسأله إليزابيث: أين تركيا في الأدب الحديث في مصر؟ يرد قائلا: قطعت العلاقات بحروب. ويكمل: “لا أحد يسعى إلى فتح ملفات قديمة. قلة تتحدث اللغة التركية حاليا، بينما الأجيال السابقة كانت تتقن التركية القديمة والحديثة. تنكرت تركيا لجيرانها العرب، فتنكر لها العرب عن قصد). وفي موضع آخر يلقي مزيدا من الضوء على جده الأكبر، فيقول: “كان مقربا من السلطان لعلمه ونزاهته، ثم وقعت وشاية على طريقة أهل ذلك الزمان، فحرق السلطان التركي كتبه، وطارد تلاميذه، ووضعه في قبو معتم لمدة عشرين عاما. تغير الولاة، وقتل منهم من قتل، وعزل من عزل، وظل جدي في القبو، حتى تذكره الناس، وأخيرا أفرج عنه أحد الولاة الصالحين، وعينه قاضي القضاة، وقربه من دوائر الحكم، فأصلح، وعرف جدي بخططه وتعاليمه ووصاياه. أطلق عليه لقب الباشا لفضله. وأنعم عليه الوالي بأبعاديات كثيرة. وتفرغ للتعليم والدرس.”

عابد يرث عن جده الأكبر عمارة على النيل ومكتبة حافلة بالعلم والتراث وتضم مراجع تعود إلى القرن السادس الهجري، ومخطوطة من ألف ليلة وليلة تعود إلى العصر العباسي، ومخطوطات في الفقه، ومراجع في التاريخ الاسلامي، إلى جانب كتب السير والأدب والشعر. والمكتبة مفتوحة دائما لخدمة الباحثين. ومع تتابع أحداث الرواية سيترسخ في ذهن القارئ أن المقصود بالعمارة والمكتبة ليس سوى الوطن عموما وتراثه وتاريخه. وسيصبح الموضوع الرئيسي للرواية، وبمعنى آخر، ستصبح القضية الرئيسية التي تطرحها، هي حماية هذا الوطن وهذا التراث في مواجهة القوى والأطماع العالمية الحديثة.

يعكف عابد على تطوير المكتبة بمساعدة إليزابيث ومع صحبة من رفاقه المفكرين. “اكتملت أجزاء موسوعتنا. نقبت عن بذرة التنوير في تراثنا، هذه البذرة التي أصابها السقم في بلادنا في نهاية القرن العشرين بسبب الميل إلى الخرافات والنزعات السلطوية. المبحث الثاني أعده صديق عمري بوشناق الطهطاوي حول مسالك التنوير في عصر العولمة، أما صديقنا الدكتور أحمد أبو الشرف فكانت مهمته استشراف منظومة القيم في ظل مكتشفات وإنجازات تشبه أعمال السحر الأسود في الأساطير. ستة أجزاء جاهزة للطبع.” ويقول عنها في مكان آخر: “اتفقنا على البدء في إصدار موسوعة التنوير مع بداية عام 2001، في مطلع القرن الجديد. ستة أجزاء تتضمن مناقشة قضايا أساسية أهملت، وتفند مزاعم سادت لعدة قرون. موسوعة إسلامية حديثة عمادها العقل واحترام حقوق الانسان والديمقراطية.”

رؤية عابد لمستقبل المكتبة هي أن تتحول إلى مؤسسة. “مبنى متوسط قابل للزيادة. عليه يافطة مشعة: مؤسسة زوغلى باشا للأبحاث. فرح قلبي. ختامها مسك. موسوعة التنوير الاسلامية انتهت صفحاتها. صالحة للطبع. شعارها لا تكفير، وعمادها الديمقراطية، ومراعاة حقوق الإنسان، وحق الشعب في تبادل السلطة. قلت لنفسي: أحسنت يا عابد. جاهدت الجهاد الحسن.” وينسى عابد بقية هذه العبارة، فيسأل صديقه الأستاذ بوشناق الذي يقول له: “هذا قول بولس الرسول، وأظن تتمته: واستحققت إكليل الغار.” بهذه الرؤية الثنائية المكثفة، والتي لا يخفى مغزاها، يقدم لنا عابد عبد المتجلي تصورا لما يمكن اعتباره عقدا أو ميثاقا اجتماعيا ـ مشروطا ـ كحل لمواجهة المخاطر التي تحدق، مجازا، بالمكتبة وعمارة الأجداد. ويعلن عابد: “من يود تسلم المكتبة ويتعهد بالحفاظ عليها فليتقدم ويعلن رغبته أمام الجميع.”

لكن مهمة عابد في الحفاظ على المكتبة والعمارة لم تكن بالمهمة اليسيرة. فهناك شركة بان إكس كوم عبر الوطنية، الطامعة في العمارة، والتي تقدم للدكتور سامح الدهشوري، ابن أخت عابد، دنيا زاد، وهو أيضا أحد ورثة العمارة، عرضا خياليا لبيع العمارة: “أربعة ملايين جنيه دفعة واحدة، ومليون جنية على أربع دفعات عند التسجيل. عرض لقطة. هذا المبلغ يتيح لي الحصول على قروض من البنوك لبناء مستشفى متخصص في طب العظام يضارع المستشفيات الأمريكية في تجهيزاته. أول مستشفى من نوعه في الشرق الأوسط”، هكذا يفكر سامح الدهشوري. وتجند شركة بان إكس كوم مارينا أبو المحاسن المصري ذات الصلات والتعاملات المشبوهة، وسيدة الأعمال الجسورة التي لا يعوق طمعها قوة أو قانون، للتأثير على الدكتور سامح لتمرير الصفقة، لكنها تفشل. وحينما يصر عابد على أنه لن يتنازل عن المكتبة ولن يبيع العمارة تلفق له تهمة تهريب الآثار عن طريق المكتبة. ومن خلال سلسلة من الأحداث المتتابعة والمتسارعة المشحونة بالإحساس بالسباق مع الزمن، تلجأ مارينا إلى الانتقام من سامح بالتآمر مع خادمته التي تدس له السم في الشراب، ويموت سامح وتسرق أبحاثه، وتهرب مارينا والخادمة إلى إسرائيل.

“خزانة الكلام” حافلة بالإحالات والإشارات. فشخصيات الرواية تحيل، سواء بأسمائها أو بأفعالها، إلى شخصيات أو إلى مراحل تاريخية بعينها ربما سهُل استقراء أو فهم بعضها في حين يستعصي أحيانا الربط بين الشخصية الروائية والشخصية التاريخية المقصودة، لكن النص يعطي في النهاية التأثير المطلوب، وهو حفز فكر القارئ وإثارة تساؤلاته وإقناعه في نهاية المطاف بخطورة القضايا التي يطرحها المؤلف في إطار شامل يقوم على تداخل الأزمنة حيث تبعث الحياة في شخصيات عاشت منذ مئات السنين في شخصيات أخرى تحمل بعض سماتها (بوشناق الطهطاوي، مثلا، أوفد في بعثة إلى باريس في عهد جمال عبد الناصر ضمن آخرين، من بينهم أبو المحاسن المصري، نموذج الانتهازي الوصولي الذي يكتشف بوشناق الطهطاوي أنه كان من كتاب التقارير السياسية في ذلك الزمان، وحينما يلمح له بوشناق بذلك يرد عليه في بجاحة يحسد عليها: “ياأخي، من تسببت في فصله من البعثة سامحني، وصرنا أصدقاء، وأنت تفتش في دفاتر قديمة. السياسة لا أخلاق لها يا بوشناق.” وهو أيضا إطار يجمع بين الإشارة إلى وقائع تاريخية محددة وأحداث شخصية عاشها رواة فصول الرواية وتسهم جميعها في رسم صورة مقلقة عن واقع الأمة ومستقبلها. هذه الإحالات تنطبق أيضا على التواريخ التي يتعرض لها أبطال الرواية. فسنجد أن بعضهم طرد من عمله مع بداية الثورة (حركة الجيش بلغة جميل عطية ابراهيم)، كما يشكل عام 1954، الذي يشير عابد إلى أن والده طرد فيه من عمله إثر وشاية، يشكل علامة فارقة في رؤية جميل لأحداث الثورة وتطورها (وبالطبع، فإن جزءا كاملا من ثلاثيته عن الثورة خصص لأحداث ذلك العام)، وكذلك عام 1966 حينما طرد عابد عبد المتجلي من عمله الحكومي، في إشارة إلى تلك الممارسة التي شاعت آنذاك ضد الناشطين سياسيا.

عابد عبد المتجلي زوغلي لا يؤرقه فقط الواقع الراهن بما ينطوي عليه من مخاطر وتهديدات، ولكن يؤرقه أيضا موت أمه المباغت. “في ساعة قيلولة نامت فيها العفاريت الزرق، اغتالت سيارة مندفعة أمي وهي واقفة على محطة ترام. من أين قدمت هذه السيارة؟ من قادها؟ لم يظهر شهود. كل ما تبقى لنا، موتها، مكومة وغارقة في دمائها وقد تهشمت عظامها: ميتة.” ويتذكر سامح الدهشوري الحادثة قائلا: “جدتي قتلت في حادث سيارة، وترك جثمانها على الرصيف لعدة ساعات، وفي نهاية المطاف لم يقبض على الفاعل. ويقول عابد: “موت أمي وعدم العثور على المتسبب حقيقة عذبت أبي سنوات كثيرة (هل يربط جميل عطية ابراهيم بشكل ما بين رواية عابد عبد المتجلي عن حادثة موت أمه على محطة الترام وما ذكره الرئيس جمال عبد الناصر في أعقاب نكسة 67 بأننا كنا “كواحد خارج من بيته، لا به ولا عليه، فصدمه أوتوبيس في الشارع”؟ مجرد خاطر تثيره الإحالات والرموز التي تكتظ بها “خزانة الكلام”).

حلقة الواقع المر تضيق حول عابد عبد المتجلي. يسمع من صديقه الدكتور أحمد أبو الشرف: “زادت عمليات النصب لتصبح صناعة. لا فرق بين لصوص الحمير في الريف وبين بعض رجال العولمة. في الريف يسرق فقراء الناس الحمير، وعلى الساحة العالمية يسرق الأقوياء العقول. والبعض الآخر مهمته غسل المليارات في البنوك.”

ومع قدوم الألفية الجديدة يفكر عابد عبد المتجلي: “ربيع وصيف وشتاء ويقبل قرن جديد. بسطاء الناس لا يخافون القرن القادم. الخائفون حفنة من المفكرين مثلنا، أما بقية الناس فيدخلون القرن القادم في طمأنينة وقد شغلتهم احتفالات لا أول لها ولا آخر. سرقتنا السكين يا عابد، لا تعلَّم الناس، ولا مُحيت أميتهم. الريف دخله الدش وبقي على حاله، الوادي الضيق أصبح أكثر ازدحاما على الرغم من شبكات المترو والطرق الدائرية و…و… . الحكاية طويلة يا عابد، ولا أحد يسمع. دنيا أخرى تنتظرنا: هندسة وراثية. استنساخ. صناعة أطفال حسب الطلب. غزو فضائي مجنون. محطات فضائية متحركة في الكون. أقمار صناعية تنقل همسات الأحبة وتصريحات الحكام ليل نهار. ماذا تبقى لنا من عالم قديم؟ لا شيء.”

لعل هذا العالم الجديد الذي أثار في عابد عبد المتجلي زوغلي كل هذه الأحزان والمواجع، عالم التطبيع والعولمة وانحسار المشروع القومي، وعالم ما بعد الكولونيالية المتمثلة في الشركات عبر الوطنية التي تستنفد ثروات الشعوب ومواردها البشرية، عالم الصفقات المشبوهة والضحايا الذين يوحد بينهم الظلم بينما غيرهم محصنون بالافلات من العقوبة، لعل هذا العالم هو الذي دفع جميل عطية ابراهيم إلى فتح “خزانة الكلام” مؤكدا من جديد دوره في ساحة الكلمة كواحد من أبرز فرسانها.