عزت القمحاوى

مدينة اللذة
رواية منذرة تنبئ بالتفجـــر والطوفان

حينما نشرت “مدينة اللذة” مسلسلة في جريدة أخبار الأدب في قدم لها الكاتب الكبير جمال الغيطاني بقوله إن هذه الرواية “تنتمي إلى كتابة جديدة ورؤية أجد، تمتزج فيها الأصالة بالمعاصرة، والثقافة الخفية السارية باللغة الحديثة المتدفقة، وهذه الرواية تمثل صوتا قويا متميزا ، تواكبه أصوات أخرى في الساحة الأدبية الآن تؤسس لكتابة جديدة ورؤى يمكنها أن تستوعب هموم الإنسان والواقع وتعبر عن نفسها بطرق مختلفة.” وكانت هذه الشهادة، بداية، شهادة كاتب فذ لعمل فذ.

إن “مدينة اللذة”، باكورة الأعمال الروائية للمبدع عزت القمحاوي، هي بالفعل عمل فذ، وعلامة فارقة في فن القص العربي يقتحم بها عزت القمحاوي هذه الساحة شاهرا سيفه في جرأة نادرة وقدرة متفردة، مما يجعلها نصا بالغ الدقة والإحكام والحساسية. إنه نص تشعر للوهلة الأولى أنه نص مشحون بفلطية عالية High voltage تجعل الإقتراب منه أمرا محفوفا بالمخاطر إن لم يكن على القارئ فعلى المؤلف الذي يقتحم في جرأة مفتقدة وفي تمكن غير عادي تخوما مغلقة، أو مسورة، وفي مجالات تتجاوز السياسي والاجتماعي إلى الفكري والعقلاني بل والديني. ذلك أن هذه الأسوار تحجب وراءها تراكمات عفى عليها الزمن من التخلف والتواكل والعفن والزيف أدت بدورها إلى حالة من التفسخ والعهر تنبئ بالتفجر وبحدوث “طوفان يغرق المدينة”.

“مدينة اللذة” من جهة أخرى هي نص من النصوص التي يصفها رولان بارت بأنها تفرض عليك إحساسا بالفقد، نص يقلق القارئ، ويهز افتراضاته التاريخية والثقافية والنفسية المسلم بها، ونص يدفع بالعلاقة بين القارئ واللغة إلى مستوى الأزمة.”

فما هي “مدينة اللذة” وكيف الولوج إليها والتمتع بملذاتها؟ القمحاوي يستدرج قارئه برقة وحنكة. “على مسيرة سبعين يوما ستلوح لك المدينة. بيضة عملاقة أفلتتها مخالب رخ وسط بحر من الرمال. وستقشر حتما هذه البيضة لتفاجئك قصورها البيضاء بأسطحها الهرمية المغطاة بالقرميد الأحمر، وأسوارها العالية المتوجة بالقرميد الأخضر، وشوارعها الفسيحة، وميادينها الضخمة الموحشة، وسياراتها الفخمة المسرعة، وأجهزة التكييف التي تهدر متشبثة بمقاعدها على الجدران.”

في هذه المدينة “الأبواب ذاتية الحركة تفتح تلقائيا، فواكه الصيف والشتاء حاضرة قبل أن يتحرك لعاب المشتهي.” “أهل هذه المدينة سعداء وإن سكن وجوههم صمت وسكون يشبه العبوس.” وفي مكان آخر يقول الراوي: “ولسوف تسأل نفسك بضيق حقيقي: ماالذي هنا يطفئ الروح ويؤجج الرغبة؟! ولن تجد في هذه المدينة المتشامخة سوى المزيد من صمتها، والمزيد من جنونك.”

وليحذر القارئ. فهذا هو أحد الفخاخ المحكمة التي ينصبها المؤلف في أول الرواية. وهو فخ سيتذكر المؤلف قرب نهاية الرواية أنه نصبه ثم نسيه، فيعود إلى تثبيته ببعض “الدق” على رأس القارئ، فيسوق إليه هذه الحكاية: “عند هذه اللحظة تحديدا يرى أمه التي تركها وحيدة منذ مالا يتذكر، تسري عبر الفضاء الرحب، وتجتاز فتحة الكوخ، في عينيها عتاب لايحتمل. يجهش فيشعر بيدها بحت ملابسه، تدلك ظهره، لاينقلب على بطنه ويغفو كما كان معتادا، وإنما يجلس حزينا خزيانا.”

سيتراءى للقارئ الذي قد يقع في هذا الفخ أننا أمام رواية عن الغربة والإغتراب، خاصة وأن الكثير من الصور والمجازات المتناثرة على صفحات الرواية ستدعم هذا الافتراض. لكن سرعان ماسيتبين للقارئ أن هناك أبعادا أشد قوة وأكثر عمقا من مجرد هذا البعد الاغترابي، وإن كان هذا البعد في حد ذاته قد عمق من الإطار العام للرواية التي تتغيى التعبير عن اغتراب أشد وطأة وأوسع نطاقا، وهو ليس اغترابا فرديا وإنما اغتراب أمة أصبحت أسيرة كهانها الذين يزينون لها، زيفا، عالما جبل أهله على ممارسة اللذة “ويقال إنهم يمتلكون نسخا متعددة من الأجساد، كلما أصاب الوهن أحدها تقدم الآخر.” عالم يحفل بالعبيد والإماء، “ويتمتع فيه الخصيان بنفوذ ضخم بين النساء والغلمان.” وفي هذا العالم أيضا “يستطيع الأمير أن يضاجع ماشاء من النساء والغلمان، دون كلل، وفي تتابع لايتوقف إلا بمقدار ماينتهي الخصيان من تغيير شراشف السرير.” هذا العالم يحرسه “كهنة متيقظون مع صقورهم. فإذا مارأوا غبار خطر قادم أسدلوا بتعاويذهم السحرية الظلام للحظات كافية لإخفاء القصر، وإقامة آخر في المواجهة.”

مدينة اللذة هي عالم كوني ابتدعه القمحاوي، وابتدع له أهله وناموس حياتهم وتراثهم، والأهم من ذلك إلهته (وهي إلهة أنثى ـ أوليست هي إلهة اللذة ؟ ـ تعود بنا إلى عصر آلهات الإغريق والرومان). وهاهي الإلهة تنزل إلى ساحة المدينة وترى الرغبة تنسحب من مخلوقاتها لأنها ـ على حرقتها ـ كانت رغبة غلفا مبهمة، زاحمتها الحيرة. “ورأت الإلهة أن ذلك غير حسن..” وفي “سفر” آخر: “وغمرت السعادة الإلهة، وأعجبها ماصنعت فلم تعد إلى سريرها، وإنما افترشت حافة الجبل، مرسلة ساقيها الإلهيتين، المتحديتين، في الأعالي تحتضنان هلالا فاتنا ينادي: كونوا عبادي.. كونوا سادة، ومن عرقكم أخلق لكم عبيدا يشاركونكم حرارة اللذة.”

وفي “مدينة اللذة” يحدثنا الراوي عن “بناء” مجازي أصبح الناس يتقاطرون إليه لللإستماع إلى تعاليم الإلهة التي صارت شيئا فشيئا مقتضبة وعامة تصدرها من وراء ستار، وقد ظلوا على إخلاصهم واستمروا في الذهاب بدافع من الإيمان الخالص، حتى بعد أن كفت الإلهة عن التجلي إثر “حادث مؤسف”. ولن تجد من يخبرك ماالحادث، أو ما مصدر الأسف فيه، لأن الألم الذي خلفته المفاجأة كان أكبر من أن يسمح لتفاصيل بالبقاء إلى جواره.

وسنقرأ في “مدينة اللذة” عن حكاية “شعبية” تتوارثها الأجيال عن مولود عجيب لأرملة مشهود لها بالاستقامة جاءها المخاض فيه بعد وفاة زوجها بسبع سنين. واستمر مخاضها العسر سبعة ايام حتى انفطر لها قلب الإلهة فنزلت في عربتها، وأمسكت بهلال المرأة وأمرت الطفل بالنزول فنزل، وعندما قالت سلاما، ردد المولود قولها، فقالت هو لساني، وليبق هنا لسانا للذة. وحكاية أخرى عن قصر بلا نوافذ، ولما خافت سيدته وحشة الأيام جلبت لرجلها عذراء من بلاد خصيبة، حضرت في هودج من الحرير المقصب على جمل مزين بأجراس من الذهب.

وتحدثنا الرواية عن اماكن “أسطورية” لها أسماء دالة. ومن هذه الأماكن “ميدان المحيا” الذي “يقاوم صمت الحياة بصخب الموت”. ومن أي نقطة في المدينة ستلوح لك “المحلمة”، وهي “قصر وردي بقباب صغيرة كأثداء العذارى”. وهناك قصر “الملذة” الذي تفوح منه رائحة ماء الحياة وتزينة مدخنة على شكل عرف ديك يتدفق منه دخان الرغبة مع زذاذ ماء الحياة المختلط بالدم. وهناك “المتاهة”. ويقول الراوي: “وستجد من يصف لك النعيم الذي يلقاه العشاق في المتاهة في عدد من الغرف لايحصى، يعدد لك نفائس ماتحويه من تحف وحشيات وأسرة، وقد خصصت كل منها لعمل من أعمال اللذة، فتجد غرفا للنظرة وغرفا للابتسامة وغرفا للمسة وغرفا للخمشة وغرفا للتقبيل وغرفا للضم. وستستمع إلى كل هذه الحكايات وسوف تضطر لتصديقها جميعا لأن أحدا لم يرجع من المتاهة ليحكي بالضبط ماحدث.”

وسوف يلاحظ القارئ، ولن يخفى عليه مدلول الملاحظة، تركيز المؤلف على رقم سبعة وتركيباته. فـ “على مسيرة سبعين يوما ستلوح لك المدينة”؛ وقد ظلت المدينة خالية “مقدار سبعين ألف سنة، كانت خلالها إلهة اللذة على قمة الجبل المواجه تنتظر في سرير له سبعون ألف قائمة؛ …ولبثت هكذا سبعين ألف سنة أخرى.” وفي بهو اللذة الذي يحوي كرسي الأمير وسريره نجده “يستلقي وحوله عبيده يمرحون عليه بمراوح من ذهب، وحول البهو تتوزع أجنحة زوجاته وسراريه الرئيسيات مثل بتلات الوردة، فإذا ماجاء دور إحداهن، حسب استدعاء خصيان اللذة الخبراء، تحركت في موكبها، يتقدمها سبعمائة من الخصيان، ويحف بها سبعمائة من العذراوات ويتبعها سبعمائة من الغلمان ويحمل ذيل ثوبها وصيفاتها الرئيسيات السبع اللاتي لاتفارقنها حتى في سرير الأمير.” وتتحدث الرواية عن “القربان الذي تختاره المدينة من بين القادمين إليها على رأس كل سبعة أيام أو سبعة أشهر أو سبع سنين أو سبعين أو سبعة آلاف أو سبعين ألف سنة ليجدد السلام بين عناصرها الثلاثة: السادة والعبيد والظلال.”

ويصبح الترويج لمدينة اللذة مهمة “إعلامية” ـ بلغة العصرـ تشارك فيها إلهة اللذة بنفسها، حيث “ظلت الإلهة على وعدها، تمد حبائل سحرها للغرباء من خلال شبكات المعلومات الدولية ومراسلي الصحف ووكالات الأنباء، ومصوري محطات التليفزيون الفضائية ينقلون صور الحياة المفعمة باللذة في مدينة الربة المقدسة، … ويقول البعض إن الإلهة لما تجلت ورأى البعض لسانها فصاروا ألسنا استخدموا ماتميزوا به من فصاحة، فطلبوا منها نصبا يكون لهم مجدا ويفضلهم على الآخرين.”

على أن هذه اللذة الموعودة لاتتحقق لأهل المدينة التي ينتهي بها الأمر إلى أن تصبح “المدينة الصدى” سكانها “غرباء يجذبهم سحر “المدينة الحقيقة”، لكنهم يجدون أنفسهم ينزلقون عبر سراديب خادعة إلى المدينة الصدى، ولا يلبثون أن ينسوا من هم، ومن أين جاءوا، ولماذا؟ اللذة الموعودة تتحول في نهاية الرواية إلى طقس جنسي تميمي Fetish من طقوس الانحراف الجنسي، يلجأ إليه الرجل الصدى أو الرجل الظل بعد عملية تزييف متعمدة للوعي والواقع عن طريق أسلوب “القص واللصق”. فهاهو “يتبع سرب النساء إلى داخل المتجر، يختار الزاوية التي تكشف لعينيه وأذنيه كامل المتجر، يسجل الطنين المستمر كمادة خام لأصوات نسائية يستطيع أن يشكل منها فيما بعد أكثر التوسلات فحشا… فشهقة خوف على طفل اختفى فجأة ستتحول إلى شهقة إعراب، وصرخة ألم من قدم عثرت ستتحول إلى صرخة لذة، وضحكة مع عجوز سوف تخزن بعد حذف العجوز من المشهد لتصبح الضحكة له بعد تعديل طفيف يضيف الغنج إلى الضحك الصافي.” إلى آخر هذا المشهد الذي يصوره المؤلف في حنكة بالغة وعمق سيكولوجي بالغ الدلالة.

يقول الراوي: “ولم يكن أمام الجميع إلا الإمتثال لقدرة الخدم الذين تعلموا فنون السحر وصاروا يعرفون تبجيلا باسم الكهنة، وقد بلغوا من المهارة الحد الذي يجعلهم قادرين على جلب الظلام في آية لحظة وإدامة الليل، وجلب السحب، وإثارة العواصف الملتهبة التي لاتغادر المدينة إلا وقد خلفت من الجثث في الشوارع مالايخلفه جيش من الغزاة الظامئين للدم.”

لعل هذا هو صلب القضية التي يتصدى لها القمحاوي في هذه الروايه المنذرة: قضية التصدي لقوى الظلام وتأثيراتها الخادعة المسيطرة. إن مدينة اللذة هي الكون/ الوجود/ الذات، ويمكن قراءتها على أي مستوى من هذه المستويات لأن الخطر الذي تحذر منه يهدد كلا من هذه الكيانات بنفس القدر. وعلى طول الرواية يسخر المؤلف طاقات هائلة من المعارف الأنثروبولوجية والميثولوجية والسيكولوجية في دفع رسالته ويكاد صوته ينطق في كل سطر من سطورها: ألا هل أبلغت؟ اللهم فاشهد.