اهبطوا مصر لمحمد عبد السلام العمرى

عودة المصري التائه ودوامة الأســئلة اللانهائية

في عام 1945 سطع نجم الروائي الفنلندي ميكا والتاري حينما نشر رواية “سنوحي المصري” التي ترجمت بعد ذلك إلى عدة لغات وأنتجتها هوليود في صدر أفلامها التاريخية الذائعة الصيت. وكان سنوحي المصري طبيبا لفرعون مصر، وبرع في مهنته فعمت شهرته الآفاق. وتحكي الرواية قصة سنوحي الطبيب والعاشق والسياسي بكل ماتحمله هذه القصة من مشاعر انسانية ومكائد ومغامرات تنقل خلالها في أرجاء مصر والشام وبابل إلى أن غضب عليه حورمحب فرعون مصر فأقصاه عن البلاد. وفي “اهبطوا مصر” لمحمد عبد السلام العمري يبعث سنوحي المصري حيا في صورة المعماري عمرو الشرنوبي الذي يضطر أمام إلحاح خطيبته إلى السفر إلى أحد بلدان النفط في أواخر السبعينات. وهناك يفاجأ بعالم أفقدته طفرة الثراء السريع صوابه وخلقت له نظاما قيميا غريبا، “مجزرة من لهاث دائم، وسباق وقتال من جميع الأطراف، كأن الجميع يعرفون أنهم يقفون على ثروة لايملكونها، يستنزفونها بأقصى سرعة وبكل طريقة”. ورغم النجاح السريع الذي يحققه المعماري في ذلك المجتمع الناشئ (“معماري في بلد يبنى من جديد هو الجوكر الحقيقي، وباقي الوظائف بجواره تساعده، أساتذة وأطباء ومهندسون من تخصصات مختلفة، وغير هذه الوظائف كثير، الكل ينشد رضاء المعماري الناجح”)، رغم ذلك فإنه يصطدم بواقع من الغش والزيف والمكائد فيقرر العودة إلى بلده، لكن كيف يتأتى ذلك في بلد يصادر فيه “الكفيل” جواز السفر عند الوصول؟ ويخوض المعماري مغامرة رهيبة للفكاك من قبضة الكفيل الذي يمكنه، إن شاء، أن يزج به في السجن بسبب أوهى ادعاء.

تبدأ رحلة المعماري المصري بالهبوط في مطار “جارثيا”، وهو اسم لاصحة فيه إلا للحرف الأول وهو حرف “ج”. وربما يكون المؤلف قد اضطر إلى إخفاء إسم “جدة” وراء “جارثيا” و “مكة” وراء “رون”، لكن ذلك لم يؤثر مطلقا على التصور الذهني للقارئ لما يمكن أن يكون عليه البلد الذي دارت فيه أحداث الرواية.

في مطار المدينه التي تخنق رطوبتها الأنفاس، يطلب المعماري جواز سفره من ضابط الجوازات بعد أن مهره بختم الوصول فيجيبه قائلا : “تستلمه من عمك”. وسيظهر أن هذا العم هو الكفيل الذي يضع جوازات الموظفين الأجانب في خزانة حديدية ويتحكم في مصائرهم وحركتهم ورغبتهم في الاستمرار في العمل من عدمه.

عمرو الشرنوبي معماري قدير، وقد ترك بلده غصبا أمام إلحاح خطيبته. في يوم وصوله كان عليه، بحكم عادة أهل البلد، أن يؤدي الشعائر. في داخل الحرم “انتابه إحساس غامض بالرضا. شغف قلبه هذا التناسق المدهش والنسب الإنسانية التي تخيلها وصممها ونفذها المعماري المصري مصطفى باشا فهمي. وفرح فرحا داخليا خاصا عندما انتابته فكرة مباغتتهم بهذه المعلومات. قال بافتخار: إن الذي صمم هذه التوسعات مصري إسمه …وقبل أن يكمل رد الشريف(لكفيل): وإيش يعني، إذا لم تكن الفلوس حقنا، يقدر ينفذها في مصر؟ في نطقه مصر وضع ضمة على الصاد، فرك الإبهام والسبابة ليده اليسرى، أردف:الفلوس ياأخو..الفلوس هي الفلوس.” وسيبين لنا عمرو الشرنوبي في “اهبطوا مصر” ماالذي فعلته “الفلوس” بالقوم، من أهل البلد الصحراويين ومن المغتربين من مصر والسودان والهند وغيرهم. إن طفرة الثروة النفطية التي تفجرت في أعقاب حرب 1973 واكبتها طفرة اجتماعية ولدت أنماطا جديدة وغريبة من السلوك والأخلاقيات. وفي “اهبطوا مصر” صورة بانورامية دقيقة وواضحة المعالم لهذه الأنماط، وتجسيد حي لتجربة عاشها الملايين ولا يزالون يعيشونها.

تشكل تجربة المعماري عمرو الشرنوبي الخط الرئيسي للرواية من بدايتها إلى نهايتها، منذ أن غادرت طائرته مطار القاهرة قاصدا “جارثيا” إلى أن حطت به في مطار القاهرة مرة أخرى بعد شهور من العمل والعذاب والمتعة والقلق أمضاها في “جارثيا”. وشخصية عمرو الشرنوبي شخصية مركبة متعددة الأبعاد. وسوف يجد فيه القارئ لامجرد مهندس معماري بارع ماأن حط في موقع العمل حتى أشعله حماسة ونشاطا وكشف على الفور مايتميز به من قدرة على التنظيم والإنجاز، لكنه سيكشف أيضا عن شخصية مرهفة تحب الأدب والموسيقى والفن، وهي أيضا شخصية واعية مهمومة بواقع الأحداث حولها، في مقر العمل الجديد، وفي الوطن البعيد الذي لاتغيب عنه ذكراه لحظة، وهو دائم المقارنة بين مايجري في عالمه الجديد والعالم الذي أتى منه.

“كيف جذبت الصحراء إليها كل هذه الأعداد التي تتحرك في الشوارع؟ في ذهن كل واحد منهم آلاف التصورات عن الآخر، أقلها أنه غريم قادم ليخطف رزقه. لايلقي أحدهم التحية على الآخر، يحدقون في عيون بعضهم البعض لثانية، ثم يشيحون باحثون عن عيون أخرى، تبدو المدن خادعة، جعلتك تعمل ثماني عشرة ساعة في اليوم، تأتيك الدولارات بلا عدد، تظن أنك ملكت العالم وأنت لم تزل عبدا لدولار واحد، مدن تقام فوق بحيرات، كلما حفروا وجدوا بترولا.”

ورغم أنه يعترف بأن له شخصية تصادمية مثيرة للمشاكل يحملها بين طياته وجوانحه أينما ذهب، ستكشف الأحداث أن له شخصية عاطفية رقيقة المشاعر. وسرعان ماسيورطه هذا الجانب من شخصيته في مشاكل معقدة لن يستطيع لها حلا. فالمعماري الصارم والناجح استطاع على الفور أن يجذب إليه مشاعر آمال، إبنة “الكفيل” من زوجة باكستانية ضمن زوجاته الأربع، أما الأخريات فهن فيلبينية وجنوب أفريقية ومصرية. وآمال تتعلم الطب في لاهور.انتابته الدهشة في البداية لإصرارهم على دعوته إلى قصرهم الخيالي. “ماذا يريدون بالضبط؟ ماذا يدور في ذهنهم؟ فقد عرف من القراءة وبالسمع كثيرا عن هؤلاء الناس. إن اختراق خصوصياتهم دونه قطع الرقاب، وقد يعيش المرء في هذه البلاد سنين عديدة دون أن يتمكن من أن يرى عيني أنثى. فلماذا يقدمون له كل هذا.” وكما أفقدت المعشوقة “نفر” سنوحي المصري صوابه، كان تعليق المعماري على آمال فور رؤيتها لأول مرة: “قطعة من الجنة والأنوثة، جمال غجري فاجر، خليط من بداوة فطرية، وأصول مغولية أو بربرية أو غجرية، تسبقها ثقتها وعطرها واعتزازها، بدت للوهلة الأولى متحدية لآلهة الجمال الفراعنة والإغريق، وضعته أمام مفاضلة لامفر منها، هدفت إلى الضربة القاضية من أول نظرة.” وكان المعماري محقا في تشخيصه. فبعد هذا اللقاء “العائلي” الأول كانت لهما لقاءات عارمة “أعطته بلا حدود، بعمرها الماضي وعمرها القادم، لم تبخل ولم تتردد، جاءته بأكثر مما أراد، أشعلته برغبة حريق صحراوي كامن، قضى على ملل أيامها وجدد خلاياها… أكدت أنهما سيلتقيان كثيرا، قررت أن توجه دفة اختياراته، وأن تستحوذ عليه وأنه سيصبح وطنيا من أهل هذه البلاد، سينسى في يوم ما أنه مصري وأن له عائلة وحبا ووطنا.” وفي غمرة الإنغماس في العمل والوجد المشبوب بآمال يتذكر خطيبته ليلى. ويتساءل: “ماهو الخطأ في هذه العلاقة التي لم تشغل فكره، لم تستوعبه كاملا، ولم تنسه ـ كما تخيلت آمال ـ أهله ووطنه، ولم تنسه ليلى.” ويقرر السفر إلى القاهرة. وهناك يكتشف، مصدوما، أن ليلى تعرف كل شيء عن حياته في مقره الجديد، أخبار مفصلة ورسائل مزورة بخط يده، مؤامرة حقيقية هدفها هدم ذلك الحلم المرتقب بينهما. قالت له ليلى ثائرة: “إن لدي من المعلومات مايجعلك تنسى وطنك وليس ليلى فقط… بهت عمرو. لم يحر جوابا، ماذا تقصد؟ وما الذي أوصل إليها أخباره؟ من الذي أعطاها كل هذه المعلومات لكي تتكلم هكذا بحرقة، وقهر، وصوت عال لم يتعوده منها مطلقا؟ قالت هل تظن إنني سأفرش لك الأرض سجادا باكستانيا؟ هل سأقف عاجزة وأبكي على أطلالك؟ لقد كسرت بفعلتك هذه أجمل فرحة في حياتي.” وكان هذا بالفعل فصل الختام في قصة حب عمرو وليلى التي استعاد كثيرا من جوانبها بطريقة الفلاش باك. وكم كان حبا مشوبا عارما بين ذلك المعماري وليلى (الطبيبة أيضا مثل آمال). وذات يوم حاول الوصول إليها بعد أن قررت الاختفاء من حياته وسافرت إلى الإسكندرية إلى مكان غير معلوم. وكما فعل سنوحي المصري وهو يجوب الديار بحثا عن حبيبته ميريت، قرر عمرو ذات يوم أن يفتش عن ليلى في كل شطآن الإسكندرية بدءا من المعمورة حتى الأنفوشي. حاول كثيرا أن يعيد الود المفقود دون جدوى. “آخر ماسمعه منها أنها قالت: لماذا تختار أن تفعل كل شيء بطريقة صعبة؟ ذهب إلى البلدة لزيارة قبر أبيه وقراءة الفاتحة على روح أخته.” وأدركته في القاهرة قبل سفره بأيام انتفاضة 18 و19 يناير التي قدم العمري عنها تقرير شاهد عيان بالغ التعبير والعمق.

“صباح يوم السفر …كانت القاهرة صامتة وحزينة، وغاضبة ومحترقة، والآثار الباقية من العنف وثورة الخبز والانتفاضة باقية وواضحة.” وفي “جارثيا” فقدوا الأمل في عودته واستعانوا بمهندس آخر. وحينما عاد واجه مشاكل حقيقية زاد من حدتها رغبة الجميع في تهميشه، الأمر الذي لم يكن يقبله هو بأي حال. وحينما عرض أمر العودة النهائية على الكفيل نهره بأسلوب جاف. وكان عليه أن يخطط للعودة سرا، وهو ماحدث بعد مغامرة مشبعة بالخوف والترقب، إلى أن حطت به الطائرة على أرض الوطن. وهو في عودته إلى وطنه خالي الوفاض بعد أن خسر تقريبا كل شيء، محبوبته آمال وخطيبته ليلى ووظيفته، إنما يذكرنا أيضا بـ “سنوحي” الذي انتهى إلى نفس المصير وقال في آخر رواية “سنوحي المصري” إنه رغم ماحققه من شهرة ونجاح فقد كانت اللعنة وراءه أينما حل.

يقول رولان بارت إن العمل الأدبي الجيد هو الذي يمتلك من أسباب القوة مايجعله يطرح على العالم أسئلة تقوض المعاني الثابتة التي تتسربل بها الأيديولوجيات والمعتقدات والمنطق العام، حتى وإن لم تكن هناك إجابات على هذه الأسئلة. وفي “اهبطوا مصر” يجذب العمري القارئ إلى دوامة الأسئلة اللانهائية التي غرق فيها بطل الرواية عن نفسه وعن ليلى وآمال وعن كل مايجري حوله:”بضائع بلا جمارك، أرصدة تذهب إلى بنوك أجنبية غير راغبين في فوائدها، لأنها ربا حسب الشرع، فيتركون أرباح أموالهم لليهود.” هناك أيضا دوامة الأسئلة الأنثروبولوجية عن حياة وتقاليد ذلك المجتمع الذي أصبح يموج بجنسيات متعددة وتعيش حبيسة أسر عادات وتقاليد معينة يفرضها واقع البلد، بما يخلقه ذلك من متناقضات وعلل اجتماعية. تراكم الثروة وإشباع الاحتياجات والرغبات: “تعددت الزيجات وملك كل رجل أربعة نساء وجمعا غفيرا من الجواري والخادمات الفلبينيات في أغلبهن.” الإحتكاك الثقافي والحضاري بين جنسيات مختلفة: المهندس الهندي الذي يكاد “يمشي بجوار الحائط” تجنبا لأي احتكاك يفقده وظيفته، لكنه لايستأسد إلا على عم حامد السوداني الذي لايحمل إقامة شرعية فيثقل كاهله بالطلبات، لكن هذا الرجل الطيب يثور في وجه الهندي معلنا أن “الإقامة على الجزمة” وأنه أكرم له أن يعود إلى بلده. يشكو العم حامد إلى عمرو قائلا: “أنا ماأسوي أكل لهندي يازول!” العم حامد وجده عمرو ذات يوم منخرطا في البكاء يعد أسماء بناته على أصابعه، ينطق بأسمائهن: بثينة، أم الخير، أم كلثوم. قال العم حامد: “أتذكر أسماء بناتي، أخاف نسيانهن، اشتقت لهن والله يازول.” ويبكي من جديد. عمرو الشرنوبي يشد القارئ إلى مجتمع يموج بكل المحرمات الممنوعة التي يُروّج لها سرا.

“اهبطوا مصر” هي في الصميم عمل يعنى -بالثقافة الأنثروبولوجية التي تعبر عن مجموع الأنماط السلوكية والقيمية لمجتمع ما والتصادم الذي يمكن أن ينجم عن اختلاف هذه الأنماط والقيم من مجتمع إلى آخر. وقد عاش بطل “اهبطوا مصر” هذا التصادم وعبر عنه بكل أبعاده. وكانت قضيته دائما هي هويته والدفاع عنها مهما كانت فداحة الثمن.

(15)

النخيل الملكي لـ “محمد عبد السلام العمري”:

أسئلة الذات والهوية وأزمة البطل في الرواية المعاصرة

في السطور الأولى من “تأملات” رينيه ديكارت (1596-1650)، يقول فيلسـوف التنوير الأعظم “لابد لي على الفور من التحلل تماما من كل شيء في حياتي إذا كان لي أن أقيم أي شيء على أساس علمي متين ودائم. هاأنذا قد حررت العقل من كل ما يثقله. أخيرا سيكون لدي الوقت لكي أكرس نفسي بهمة وحرية لهدم كل آرائي السابقة. ولكن، هل سيتأتى لي، استنادا إلى منطقي الخاص، أن أصل إلى الحقيقة الثابتة والدائمة؟” ويقول ديكارت، العالم والرياضي والمفكر، “لقد كانت لدي رغبة عارمة في أن أعرف كيف أميز بين الحقيقة والزيف، لكي أرى بوضوح كيف يمكن لي أن أتصرف وأمضي في حياتي بقدر من الاطمئنان واليقين.”

من الصفحات الأولى لرواية محمد عبد السلام العمري الأخيرة “النخيل الملكي”، يطل هذا الفكر الديكارتي الباحث عن الحقيقة والمعرفة والذات واليقين. “إنني لا أثق بالرؤى التي تبحث أطياف الماضي، أنا أطرح الشكوك بديلا عنها، وأبحث عن المستحيل”، هكذا يعلن إسماعيل الأنصاري، بطل الرواية، العالم الذي درس العلوم وحاز فيها على شهادة الدكتوراه، والذي يؤمن باختياره العلمي. وهو أيضا، على حد قوله، مازال يعتقد حسب دراسته وثقافته أن المادة أساس الكون، وأن لا وجود لما يسمى بالروح وبما وراء الطبيعة. “ما نفعها إن لم تكن برقا ورعدا وزلازل وبراكين وطوفانات؟ وإذا لم تكن الأفكار مجرثمة، فلن تتجدد الحياة وتتطور، هكذا يؤمن ويعيش دكتور العلوم إسماعيل الأنصاري”، وهكذا يقدمه لنا المؤلف في أول سطور الرواية. وهاهو إسماعيل الأنصاري نفسه “يفكر انه في بعض الأوقات بدت حياته لاشيء سوى سلسلة متوالية من الخيارات الخاطئة، ومن الأخطاء المتعذرة الإلغاء، وقد فات أوان الندم ولم يبق له إلا التأمل في الماضي.” وهو أيضا دائم القلق؛ في حالة مفاضلة بين قديم موروث وراسخ، وجديد بالنسبة له بات عليه أن يوغل في اكتشافه بنفسه ويزداد معرفة به.

وسنتعرف خلال فصول الرواية على الكثير من جوانب شخصية إسماعيل الأنصاري. فهو إنسان جسور “يضع نفسه في خضم الكوارث ثم يبحث عن حلول”. وفي واقع الأمر، فإن هذه الشخصية المركبة المتعددة الأبعاد، المفعمة بالقلق والتساؤلات والبحث عن اليقين هي التي تشكل صلب الرواية ومحورها الرئيسي الذي تنبثق منه كل أحداثها، وهي الشخصية الطاغية التي توجه سير هذه الأحداث، وتصدر عليها أحكامها التي قد يقبلها القارئ أو لا يقبلها، لكنه في النهاية سيتفاعل ويتعامل معها انطلاقا من كل ما تنم عنه هذه الشخصية من عمق وإخلاص ورغبة في تأكيد أسمى المعاني عن الذات والهوية والوطن.

كعادته كل صيف، يسافر إسماعيل الأنصاري إلى الإسكندرية بصحبة أسرته: الزوجة والأم والأطفال. يشده إلى الإسكندرية عشق خاص لهذه المدينة وولع بتاريخها ومجدها، وذكريات غامضة تغلفها الأحزان واللايقين، راسخة في اللاوعي عن أب توفي في أحد مستشفياتها، وأخ غرق في بحرها. هذا الجو النفسي المشحون يضاعف من التوتر الذي يعيشه إسماعيل: “الأم، دموع منسابة بلا نهاية، تنادي الابن الغريق؛ وزوجة تحرص على النكد وضياع بهجة الاستمتاع بالأشياء الجميلة؛ وذكرى موت أبيه تلفح عقله وتفقده توازنه.” وفي غضون ذلك يفقد ابنه على الشاطئ فيصاب بصدمة مروعة خشية أن يكون قد غرق أو اختطف أو أصابه مكروه، لكنه يعثر عليه بعد أن كاد يفقد صوابه هلعا وخوفا.

في هذا الجو المشحون الذي تتضافر فيه العلل على إسماعيل الأنصاري، تظهر أنيسه، الشخصية المحورية الأخرى في الرواية. تظهر ظهورا غالبا يجتذب إسماعيل بقوة خارقة هي نتاج مزيج من العوامل الفعالة والمؤثرة التي اجتمعت في شخصيتها من أنوثة طاغية، وحضور قوي، وفكر ثاقب، وتصميم لايلين على بلوغ الهدف، حتى وإن كان قلب إسماعيل وعقله.

ملابسات العلاقة بين إسماعيل وأنيسه أشبه بقصة من قصص الإثارة. فهي محاطة دائما بأصدقاء هم أشبه بـ” البودي جاردز”. وقد طاردها إسماعيل في العوم حتى كاد أن يغرق. وحينما حاول أن يستأثر بصحبتها ذات ليلة في أحد ملاهي الشاطئ نال “علقة” ساخنة ربما افتعلها حراسها. وعقب سهرة معها عاد إلى شقته ليكتشف أنها تعرضت لهجوم من بعض اللصوص الذين أصابوا أمه وأرهبوا أبناءه. وحينما قرر أن يأخذ القانون بيده ويعاقب هؤلاء اللصوص، وجدها هناك، كما لو كانت “زعيمة عصابة” لها كلمتها وسطوتها. ووعدته بأن تأخذ له حقه. وحينما قرر أن يبحث في أسباب موت أبيه في المستشفى السكندري العتيق، وجدها أيضا أمامه، عارضة عليه خدماتها، بل إنه استطاع بنفوذها أن يحصل على ما يريد.

وأنيسه أيضا هي “الجسد البض الناعم الرقيق يتمتع بوقار من الصعب تفاديه، تسبح ساعية إليه، نظرها مسدد نحوه، بوجهها الغامض بين الأمواج، ينهار صمت العالم، تشع من كيانها دوائر وهالات جذب مثيرة، أيقظت فيه البهجة والانشراح والمسرات، فجرت فيه مياه البعث”. “أنثى، هي الشقاء والرحمة، صاحبة هذا القوام، الوجه، العيون، تسلبه الإرادة والقوة، المقاومة والعناد”.

وفي أول لقاء يجمعهما “لأول مرة يستمع إلى صوتها، قيثارة إلهية، قالت إنه قد خيل إليها أنها تعرفه منذ أزمنة بعيدة، وأنها قد رأته قبل ذلك، لذا دائمة النظر إليه، ترغب في التأكد. قالت: “لقد تحدثوا أمامي عن شخص يشبهك، فيه صفات لا يعلمها، ينتمي إلى عالم من الأحلام، يبحث عن اليقين والمستحيل، قلقه دائم، رغبته في المطلق لا متناهية، يحتاج إلى الأمان والدفء حتى يفيد العالم، ويستعيد اليقين والسكينة. لم يدر هل هو ينظر إلى صليبها الذي ينجذب إليه أم إلى الصدر، بض، ناهد، رجرجة محسوبة تثير كوامن الحنين والانتباه. وبعد أن فارقها بعد يوم العوم تأكدت أنها ستراه، لا يهم إن كنت مسلما أم مسيحيا. انبهر بها، وزاد يقينه بأنها قدره، وأن ذكاءها بلا حدود، لا يتكرر.”

وهنا نتعرف على جزئية أساسية من جزئيات “النخيل الملكي”، وهي جزئية ربما يجد فيها البعض أساس الرواية وفحواها، وهي ملابسات العلاقة بين إسماعيل المسلم وأنيسة المسيحية، خاصة وأن هذه العلاقة سوف تتحول إلى ما يشبه النزال العقائدي الذي سيجد إسماعيل نفسه غارقا في لجته إلى أن يأتيه اليقين ويقرر لنفسه النجاة. على أننا سوف نرى أن هذه الجزئية، على أهميتها في صلب الرواية، ليست إلا أحد عناصرها المتعددة التي تسبر غور أسئلة عميقة حول الذات والهوية والوطن.

وسوف تثير شخصية أنيسة كثيرا من التساؤلات التي لم يستطع إسماعيل نفسه الإجابة عليها: ما هي دوافعها، وهل هناك جهات تقف وراءها، وما هو المقصود من مطاردتها الدءوبة له ومحاولة “تطبيعه” لها والاستسلام لفكرها وعقيدتها. وستفتح له كل الأبواب المغلقة ليعرف كل شيء عنها وعن عقيدتها. زارت به الأديرة المنعزلة، وقدمته إلى رهبانها، وأشركته في صلواتها. وهناك، شاهد الأنصاري الكثير مما يغذي دعايات الغرب المسمومة عن سماحة الوطن وأمنه وأمانه وتوحده. شاهد الحصون والمعسكرات الدينية التي هي أشبه بمستعمرة للخلاص. الرهبان المدججون بالمدافع الرشاشة. سفينة نوح التي ستنقذ ركابها في يوم الطوفان العظيم. وذلك الاستعداد المرتب والمنظم لمواجهة مجهول آت أو التعبير عن خوف قائم، صوامع الغذاء المجفف. الشبان الذين يتعلمون مختلف فنون الرياضة والدفاع عن النفس، كراتيه، وشيش، وأسلحة. وهاهي مدينة الخلاص تعج بمختلف الأديرة التي تحمل أسماء قساوسة مشهورين وتستقبل حافلات الوافدين الذين يلقون كل صنوف الرعاية التي يتم من خلالها تثقيفهم وإشرابهم بالعقيدة. استراحات للمتعبدين تزودها مزارع الأديرة بالقوت والغذاء.

وخاضت أنيسة معركتها حتى النهاية. لكن الأنصاري (لم يؤمن). سألته بنفاد صبر: “ألا تؤمن بشيء، أريدك أن تؤمن”. حاورته وأقنعته وأعطته بلا حدود. لكن الشك لم يتخل عنه. في اللحظة الحاسمة: “يستدعي ماضيه وتراثه. تحلق أفكاره بعيدا وتهبط متناثرة إلى قريته وعشيرته، وإلى عمله، وإلى قبر أبيه الذي أبان عن غضبة ماحقة، لا يلتفت إليه ولا يعيره اهتماما، لا يسمع له شرح مبررات جنونه، الأم ترتدي السواد، تعصب رأسها بمنديل أسود، غاضبة صامته، يخيم على القرية حزن وهم ثقيل، جموع وحشود أهله وعشيرته وقريته يتظاهرون في ثورة عارمة، في ظلام حالك، يضيئون طريقهم بمشاعل خشبية، يخرجون في غضبة جامحة، يقودهم الأب والأم للبحث عنه والإمساك به والإتيان إلى هذه الحفرة التي أعدوها، وقودها الحجارة التي تغلي من الانصهار، ليس له إلا هذا العقاب.

“وخيل إليه أنه رأى الله في وجه أبيه، وجه والدته، وجه عائلته، وأهل بلده، أقاموا له الأفراح واستقبلوه، وهنأوه، أضاءوا له الطرقات، جددوا المساجد، دهنوها باللون الأبيض الذي يحبه كثيرا.”

حتى نهاية الرواية توحي بالشك الذي هو السمة الرئيسية للبطل، فبعد أن تصور ان مقاومته قادته إلى الهداية، أحس بصفاء سريرة يغمره، وفرحة داخلية وبهجة وضوء ألق، نظر إليه فوجدها متربعة في بؤرته تبتسم وتضحك بثقة متناهية. الشك إذن لا يزال قائما، والمعركة لم تحسم بعد.

كانت تلك هي نهاية “حديث أنيسه”، وهو حديث بقدر ما غلب عليه النزال العقائدي المغلف بالغموض والإثارة والمفاجآت، فقد شكل فيه عنصر الرغبة والجنس لدى الأنصاري ركنا أساسيا ودافعا قويا حتى إنه ليمكن القول في النهاية، وبعد أن قضى الأنصاري وطره، أن الأمر بالنسبة لإنسان مأزوم مثله لم يكن أكثر من مفازة جنسية، مغامرة وراء نداء الرغبة والجسد، اقتحام للإيروس، أو غريزة الحياة، واندفاع لا سبيل إلى التوقف أمامه للتساؤل عن ديانة المعشوقة أو جنسيتها أو هدفها، وإن كان الأنصاري ـ في عز أزمته ـ قد توقف كثيرا عند هذه الأسئلة.

غير أن قارئ “النخيل الملكي” سيدرك أن أزمة إسماعيل الأنصاري الحقيقية لم تكن في أنيسه ولا في مغامراتها وحكايتها، لكنها في صميم ذاته هو. تلك الشخصية المركبة ذات التراكمات النفسية والثقافية والحضارية، المهمومة دائما بشواغل النفس وشواغل الوطن. الأنصاري محق تماما في وصف حياته بأنها “سلسلة متوالية من الخيارات الخاطئة، ومن الأخطاء المتعذرة الإلغاء، وقد فات أوان الندم ولم يبق له إلا التأمل في الماضي”. فهي بالفعل متوالية من الغرق والنجاة، فهو محارب، خاض أسوأ الحروب وأقساها على النفس، حرب 67، ولابد أن الكثير من آلامها النفسية لاتزال لصيقة به وتؤرقه. وفي أوقات الأزمة يتذكر تلك الأيام: “الصحراء الحارقة، الشمس الوقد، والوقت الذي مر عليه سيرا على الأقدام، تاه في الصحراء والصمت، جف الريق منه ونشف، انتهى طعامه وماؤه، لم تبد بادرة واحدة للنجاة.” ومرة أخرى كاد أن يغرق بالفعل وهو يسبح خلف أنيسة التي جذبته إلى مياه عميقة، لكنه تماسك في اللحظات الأخيرة، واستجمع قواه، وقاوم الموج، ونجا من الغرق بأعجوبة. ومرة ثالثة، نراه يدفع بنفسه في ذلك التيار الجارف وراء أنيسه، والغرق في هذه المرة هو غرق معنوي وعقائدي. وهو أيضا شخصية “تذكرية” معذبة، يلقي بنفسه في أتون البحث عن إجابات لأسئلة الذات والهوية والواقع المحاصر والمستقبل المهدد، وهو كيان سيكولوجي تحركه نوازعه الداخلية التي لا يكشف عنها، فهو يقرر سرا، بينه وبين نفسه، كيف سيعامل زوجته أو محبوبته، أو اللصوص الذين هاجموا شقته. وهو دائم التذكار للشخصية المثل/النموذج بالنسبة إليه، وهي شخصية الأب، فهو دائم الإشارة إليه على صفحات الرواية، ثم يفرد له فصلا يتحرى فيه عن أسباب موته، وفي النهاية، وفي لحظة السقوط المحتمل، يستدعيه من عالم الموتى، فيكون عاملا فاعلا في انتشاله من وهدة السقوط، وإنقاذه في اللحظة الأخيرة.

ولقد فتحت أنيسه عينيه على عوالم مليئة بالخبايا والأهوال والفظائع والوقائع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تمس صميم الوطن. وقد غاص معها إلى أعماق البحر ورأى السفن الأجنبية المحملة بالمعونات وسموم المخدرات المهربة تستقبل استقبال الفاتحين. ويتحسر الأنصاري على مجد الإسكندرية الضائع: “بدا أن الإسكندرية التي أقيمت لتكون أعظم موانئ البحر الأبيض كله باتت ذليلة أمام باخرة يحشو بطنها فائض معونة قمح، ويعلو سطحها سموم هيروينية، ومخدرات مختلفة أنواعها”.

إن النص في “النخيل الملكي” هو جزء من سياق ثقافي واجتماعي أوسع نطاقا، وينبغي ان يكون هذا السياق هو نقطة البدء في تفسير هذا العمل. فالطابع المضطرب وغير المتسق وغير المنسجم للوجود الراهن الذي تعرض له “النخيل الملكي” قوض أوجه التمييز التقليدية بين السطح والعمق، والمظهر والحقيقة، والواقع والزيف، ودفع بالبطل إلى حالة من الشك والقلق والخوف من المستقبل.

إسماعيل الأنصاري تؤرقة قضية وطنه، تطارده الرؤى البشعة والسوداوية التي يصفها بأنها “ردود أفعال لعار يلف الوطن، لقد كانت بلدي في يوم ما مستودع قمح العالم، الآن تأتيها المعونة من قاتلي أولادها وبنيها، أي عار هذا؟ أليس الغرق إحدى وسائل النجاة؟ ألن يمسح عار ذلنا؟ ربما تأتي أجيال جديدة لتقيم وطنا آخر، حرا، عزيزا، كريما؟”

ذلك الإحساس القوي بأزمة الوطن والرغبة العارمة في الدفاع عنه وعن قيمه وعن تراثه قولا وعملا: تلك هي لغة محمد عبد السلام العمري، وهي مشروعه الأصيل الذي أرساه في عمله التليد “اهبطوا مصر” الذي يمثل النقطة المرجعية في توجه العمري والتي ينبغي ألا تغيب أبدا عن الأذهان في أي محاولة لاستقراء فكره. وهو أيضا العمل الذي يحمل بطله الكثير من صفات بطل “النخيل الملكي” وصدرت تصرفاته دائما عن إيمان قوي بالوطن وهويته وإمكاناته وتراثه. وقد جاءت رواية “النخيل الملكي” تأصيلا جديدا وتأكيدا مستنيرا لهذا التوجه.