بهاء طاهر

الحب في المنفي”
التشبث بالحلم في مواجهة الواقع المـر

يقول فاتسلاف هافل، المثقف الثوري الذي أصبح رئيسا لبلده (الجمهورية التشيكية) قي مقال بعنوان “مسئولية المثقفين”، نشرته مجلة نيو يورك ريفيو لعرض الكتب، إن هناك نوعين من المثقفين. يندرج تحت النوع الأول دعاة مايسميه الفيلسوف كارل بوبر بظاهرة الهندسة الإجتماعية الكلية. وهؤلاء هم المثقفون الدوغماتيون الذين يتصورون أنه يمكن تغيير العالم إلى الأفضل تغييرا كاملا وشاملا استنادا إلى أيديولوجيات مسبقة تدعي فهم جميع قوانين التطور التاريخي وتتصور إمكانية التوصل إلى حالة كلية وشاملة تكون هي التعبير النهائي عن هذه القوانين. وهذا النمط من التفكير، كما يرى بوبر، لايمكن أن يؤدي إلا إلى الشمولية والإستبداد. ويتساءل هافل ألم يكن دعاة الأيديولوجية النازية الأوائل، ومؤسسو الفكر الماركسي وقادة الفكر الشيوعي من المثقفين في المقام الأول؟ أولم يبدأ كثير من الحكام الديكتاتوريين، بل وبعض الإرهابيين بدءا من الألوية الحمراء في ألمانيا حتى بول بوت في كمبوديا، حياتهم كمفكرين ومثقفين؟ ويرى هافل أن تعبير “خيانة المثقفين” هو تجسيد لهذه الظاهرة. لكنه يشير إلى وجود نوع آخر من المثقفين الذين يرون الأمور من منظور عالمي أوسع نطاقا ويعترفون بالطابع الغامض والمعقد للعولمة ويقبلون به. وهؤلاء المثقفون بما لديهم من شعور متزايد بالمسؤولية تجاه العالم لايربطون أنفسهم بأيديولوجية معينة بقدر مايشعرون بانتمائهم إلى الإنسانية وكرامة الإنسان. وهم الذين يبنون التضامن بين الشعوب، ويعززون التسامح والكفاح ضد قوى الشر والعنف، ويدافعون عن حقوق الإنسان ويؤمنون بأنها لاتتجزأ. وهم ضمير المجتمع وضمير الإنسانية الذين لايقفون مكتوفي الأيدي حينما يكون هناك أناس آخرون في مكان آخر من العالم يتعرضون للإبادة أو حينما يكون هناك أطفال تحصدهم المجاعات أو شعوب تعاني القهر والعنصرية والإستبداد. وهم أيضا واعون بكل مايواجه الجنس البشري من مخاطر أسلحة الدمار الشامل وتردي البيئة ونضوب الموارد الطبيعية. وهم قبل كل شىء واعون بما يسمى بالترابط العالمي وبالصلات التي تربط بين كل مايجري في العالم. يقول هافل إن هؤلاء هم المثقفون الذين يكافحون من أجل كل ماهو لصالح الإنسانية وخيرها ، وهم الذين ينبغي أن يلقوا أذانا صاغية لما يقولون.

بطل رواية بهاء طاهر “الحب في المنفى” هو نموذج لهذا المثقف الذي عاش ذروة الحلم الناصري في الستينات، وذبوله وانكساره في السبعينات، وأفوله وتبدده في الثمانينات.

ففي الستينات كان هو الصحفي المعروف بناصريته الشديدة، وكان يعلق فوق رأسه عبارة ناصر الشهيرة يوم قيام الوحدة “دولة عظمى، تحمي ولا تهدد، تصون ولا تبدد.” وألف كتابا عن عبد الناصر، بعد موته، صدرت معه الأوامر السرية إلى أكشاك الجرائد والمكتبات بإخفائه فلم يره أحد. وسنراه بعد ذلك في منفاه يعلق صورته في مدخل شقته يناجيها في السراء والضراء.

وفي السبعينات لم تكن بينه وبين رئاسة التحرير سوى خطوة “ثم جاء السادات فضاع كل شىء وأصبحت المستشار الذي لايستشيره أحد.” وأضر الواقع الجديد أيضا بحياته الشخصية، وبعلاقته بزوجته “منار” الصحفية في نفس الصحيفة، أم ولديه خالد (تأكيدا لناصريته) وهنادي. “أفهم الآن أن منار التي جمدوا وضعها في الصحيفة مثلي، وبسببي، قد اعتبرت عبد الناصر خصما شخصيا لها.” وكان الطلاق.

وفي أوائل الثمانينات يعمل البطل مراسلا لصحيفته في إحدى المدن الأوروبية. وهاهو يلتقي، على غير موعد، بزميل ماركسي قديم كانت قد دفعته الظروف أيضا إلى مغادرة بلده والعمل في بيروت مع إحدى المنظمات الفلسطينية. وكان قد أصدر قرارا بوقف هذا الزميل الماركسي بعد أن كتب مقالا هاجم فيه بيان 30 مارس الذي أعلنه عبد الناصر بعد نكسة 1967. ويتحسر الإثنان على أحلام الستينات الضائعة. “أين نحن من تلك الأيام، إرجع لنا هذا الزمن ثم أوقفني عن الكتابة كما تشاء. كان معك حق في كل ماقلته عن عبد الناصر وكنت أنا المخطئ.” ويعترف بطل الرواية، بأمانة يفتقر إليها الكثيرون، “أدرك الآن بصفاء كامل أن تشبثي بحلم عبد الناصر أيامها لم يكن مجرد إيمان بالمبدأ الذي عشت مقتنعا به. بل كان أيضا تشبثا بحلمي الشخصي، بأيام النجاح والمجد والوصول.”

ولكن بعد وقوع حرب لبنان وما ارتكبته فيها إسرائيل من فظائع، والعجز العربي والعالمي أمام المجازر وغزو المخيمات ومذابح صبرا وشاتيلا وعين الحلوة، وبعد أن يتناول بهاء طاهر هذه الأحداث بكل الحنكة والجرأة والتمرس والغيرة القومية وتأصيل الوقائع بشهادات الشهود، تتبدى بكل الوضوح الشهادة الحقيقية التي تكمن وراء عمل بهاء طاهر والرسالة التي يريد أن ينقلها: نعم. لقد كان التشبث بالحلم أجدى وأشرف من التردي في شراك الضعف والمذلة والهوان.

هذا هو المغزى والدرس الهام وراء هذا العمل العظيم. لكنه ليس الدرس الوحيد. ذلك أن “الحب في المنفى” عمل متعدد الأبعاد، مسرحه العالم ككل، وفيه يضع المؤلف يده على أزمة هذا القرن الغريب بكل تناقضاته وهو ينصرم بسنيه الأخيرة متسربلا بالخزي والعار. وهانحن نبيت ونصحو كل يوم على تقارير الصحف وشاشات التليفزيون التي تنقل لنا بالكلمة والصورة ماأنجزه هذا القرن “العظيم” الذي أثار في البشرية أعظم ماراودها من أمال، لكنه حطم كل أحلامها ومثلها، والذي يأبى إلا أن يطفئ كل الشموع التي أضاءتها البشرية على مدى سنينه الطوال بالكفاح والعرق والدم. وهاهي السنوات الأخيرة من هذا القرن تشهد انبعاث قوى الظلام ممثلة في إبادة الأجناس، والعنصرية، ومصادرة الحريات، وتجويع الشعوب، وإرهاب الدولة، مخلفة وراءها أنقاض مابشر به القرن من شعارات الحرية والديمقراطية والنظم العالمية الجديدة، وتاركة خلفها قطاعات هائلة من البشر تعاني من الحرمان والجهل والفقر والمرض. إنه عصر الإحباط، وعصر الأحلام المجهضة كما صوره بهاء طاهر في لوحة أصيلة، وإن كانت مقبضة ومفجعة، هي شهادته ـ المخضبة بدم الشهداء والنابضة بألمه وفجيعته ـ عن واقع مر ومستقبل مجهول.

في مؤتمر صحفي عن انتهاكات حقوق الإنسان في شيلي يلتقي بطل “الحب في المنفى” بـ “بريجيت” المرشدة السياحية النمساوية التي كانت تترجم شهادة أحد المعتقلين السابقين.

“اشتهيتها اشتهاء عاجزا، كخوف الدنس بالمحارم. كانت صغيرة وجميلة وكنت عجوزا وأبا ومطلقا. لم يطرأ على بالي الحب. ولم أفعل شيئا لأعبر عن اشتهائي.”

كانت تلك هي أولى سطور الرواية. لكن الأحداث التي تلت أثبتت عكس ذلك تماما. لقد كانت بريجيت أيضا ضحية ظروف قاسية في بلدها حيث اضطهدها أهل مدينتها النمساوية لزواجها من إفريقي. وتعرضت مع زوجها للهجوم عليهما في الطريق وهي حامل ففقدت طفلها ثم طلقت من زوجها. وقد جاءت إلى هذه البلدة الأوروبية للعمل مرشدة سياحية. وهاهي تلتقي بطل الرواية، وتتوثق علاقتهما تدريجيا.

ثم يقع الغزو الإسرائيلي للبنان. ويتعرض البطل لأزمة صحية يكاد أن يفقد معها حياته وهو يتابع الشلل العربي والعالمي في مواجهة الغزو. “أدير مؤشر الراديو من المغرب إلى القاهرة إلى بغداد وأنا أنتظر في كل لحظة أن يحدث شىء. أقول لنفسي إن شيئا سيحدث. شيئا غير تلك الصور التي يجرح بها التليفزيون والصحف عيني كل دقيقة. أنتظر شيئا آخر يغير ذلك الهوان. ولكن لاشىء.”

تبلغ مأساة البطل ذروتها حينما يقرأ خبر انتحار صديقه الشاعر خليل حاوي بإطلاق الرصاص على رأسه في بيروت. وكان قد قرأ الخبر وهو في دوامة الأنباء التي تصله عن بشاعة الحرب وآلاف الضحايا. كان قد قرأ أيضا عن صاحب مستشفى خاص في بيروت رفض استقبال ضحايا الحرب حفاظا على سمعة مستشفاه.

“قفزت من الفراش وخرجت مرة أخرى إلى الصالة ووقفت أمام عبد الناصر. سألته لماذا يعيش غسان محمود ويموت خليل حاوي؟ لماذا يموت من صدقك وصدق الرؤيا؟ … لماذا ربيت في حجرك من خانوك وخانونا؟ .. من باعوك وباعونا؟ لماذا لم يبق غير غسان محمود؟ لاتدافع عن نفسك ولا تجادلني.

“لاتبك! .. على الأخص لاتبك! ولا داعي لهذه الحشرجة في الصوت، ولا داعي لقرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية.. ولا داعي لـ “قامت دولة عظمى تحمي ولا تهدد وتصون ولا تبدد”.. ولا داعي لكل هذا الطنين في الأذن، فأنا لاأحتمل. أسمعت؟

“ثم أي زجاج هذا الذي يتناثر في الأرض؟ ومن أين يأتي هذا الرنين؟ من الذي يصرخ؟ وما الذي يسقط؟”

أيام عصيبة تمر على البطل وقد نقل إلى المستشفى نتيجة لأزمة قلبية حادة. لكنه حينما ينجو منها يقرر، ليس فقط بأمر الطبيب، ولكن أيضا بوازع من نفسه، أن يكف عن الصحافة والسياسة والتوتر، وأن يعيش حلمه مع بريجيت.

وفي هذه الرواية العظيمة ستأسرنا بطلة بهاء طاهر كشخصية فاعلة في مقابل البطل المحبط الذي أجهض مشروعه “القومي” ومشروعه “الشخصي” ولم يعد يرى في الحياة إلا “كذبة” لامعنى للإستمرار فيها. هذه البطلة “الفاعلة” تواجه البطل ذات يوم بطلب حازم:

ـ إسمع. لاأريد أن أراك بعد اليوم. سامحني ولكن يحسن ألا نلتقي. أظن أنني أحببتك وأنا لاأريد ذلك. لاأريده بعد كل مارأيته في الدنيا.

… سكت لحظه. وقلت:كما تشائين. وراقبتها وهي تبتعد عني بخطوات مسرعة.

سيتكرر هذا المشهد تقريبا في آخر الرواية بعد أن فشلت كل محاولات بريجيت في “تفعيل” البطل المحبط، رغم كل مشاهد الحب والعشق الجميلة والصادقة.

“رفضت بريجيت أن أودعها. أخذت حقيبتها أمام المطار ورجتني ألا أدخل معها. قالت أكره مواقف الوداع.”

قبل ذلك حاولت كثيرا.

ذات يوم حكت له “درس الأشجار”. في طفولتها البعيدة اصطحبها أبوها إلى الغابة. سألها إن كانت تعرف أسماء الأشجار. قال لها عار عليها أنها لم تكن تعرفها حتى الآن. وبدأ يعلمها الأسماء. تقول بريجيت:”لم يمت هذا الدرس أبدا. عندي في كل بلد أصدقاء من الأشجار. أذهب إليها لتشاركني فرحي ولكي أشكو لها حزني.” ثم فاجأته بسؤال:

ـ مارأيك أن ننجب طفلا؟

ـ أنت تمزحين؟

ـ … طفل هو أنت وهو أنا. نعيش فيه معا ونعيش معه، بعيدا… في جزيرة أو فوق جبل. نعلمه أن يحب الأشجار والزهور والشعر، ونعلمه هو أيضا أن يتخذ من الأشجار أصدقاء له… دعنا ننجب ذلك الطفل.

لكن هذا الدرس وهذا الرجاء ولدا ميتين.

“كان صمت ووجوم. توهج شىء لحظة واحدة ثم انطفأ. … رحنا نثرثر ونحاول أن ننسى ذلك الطفل الذي ولد لحظة واحدة عشق فيها الأشجار ثم مات على طرف سؤال. ولكنا نعرف أنه هناك يخايلها ويخايلني. يعذبها بالندم لأنها أحبته، ويعذبني لأني وأدته من قبل أن يكون.”

إن شخصية بريجيت في الرواية، بكل ماتمثله بزواجها من إفريقي ضد إرادة مجتمعها العنصري، وبانخراطها في قضايا حقوق الإنسان، وبأفكارها الطليقة، بل حتى بطبيعة عملها “مرشدة” سياحية، هي رمز الحرية في المنفى الذي تتناوله الرواية. وقد تجاوب معها البطل الناصري، ولكن في حدود فرضها واقعه. ولذلك فهي حينما طالبته بنوع من الإلتزام تخاذل ولزم الصمت. (بريجيت كانت لها أيضا تجربة مع الصديق الماركسي، لكنها فشلت في أول لقاء(.

في “الحب في المنفى” يقدم لنا بهاء طاهر أيضا شخصية أمير عربي يدعي التقدمية ولكن تتكشف علاقاته واتصالاته المريبة مع أكبر أصدقاء إسرائيل في المدينة. وحينما تفشل محاولاته في تجنيد بطل الرواية وأيضا صديقته بريجيت يستغل نفوذه وتأثيره لإنهاء إنتداب البطل إلى تلك المدينة الأوروبية ولفصل بريجيت من عملها. وكانت تلك هي الحركة الأخيرة في لعبة الشطرنج أو لعبة الحب في المنفى. حوصر الحب، فمات. درس آخر من دروس “الحب في المنفى” لكنه هذه المرة عن صلافة استخدام المال العربي.

في “الحب في المنفى” أيضا درس جمالي هام يتجلى في لغة بهاء طاهر العذبة “الناطقة”. فهو يبتدع مايمكن أن نسميه النص/اللوحة كجداريات فنية ناطقة تفصل بين مواقف وجدانية معينة أو تمثل النغمة الختامية أو “الفينالي” لينهي بها موقفا حادا أو مونولوجا داخليا مؤثرا. هذه الجداريات تنتصب داخل النص بجماليتها المكثفة وعمقها الفكري والنفسي وصدقها الناصع فتضفي على النص أبهة كأنها أعمدة المعابد القديمة بما توحي به من غموض وأسرار. في معظم هذه الجداريات تركز عدسة بهاء طاهر وريشته وقلمه على طائر البجع الأبيض فيجسد فيه مايريد أن يجسده من معنى في موقف معين.

“مامعنى أن أستمر في هذه الحياة الكذبة؟ من أكون؟ ولم لاأنزل الآن في جوف النهر. أرقب من قلب الماء بطون ذلك البجع الأبيض الرجراجة وأصلي أن يحملني التيار بعيدا جدا، بعيدا عن البجع وعن البط وعن الأشجار والجبال وعن البشر ـ بعيدا إلى فجوة مدفونة وسط الصخور أندس فيها وأنزوي ثم تغمرني الطحالب والنباتات والقواقع والأسماك وتخيفني إلى الأبد؟ لو أني فقط أتلاشى!”

ومرة أخرى:

“ركزت عيني في النهر ومرت فترة طويلة لم أكن أرى فيها شيئا، ولكنى أفقت على حركة فوق السطح الساكن وضجيج. كانت هناك بجعة ترتكز على ذيلها وتشب بجسدها تكنس بجناحيها الأمواج بسرعة مخلفة وراءها خطين متوازيين من الزبد الأبيض. وذعرت بطات رمادية صغيرة كانت تسبح متراصة خلف أمها فاندفعت نحو الحاجز الصخري أسفل النافذة وهي تصيح بأصواتها الرفيعة وتهز ذيولها التي لم ينبت فيها الريش بعد. أما البجعة فسكتت أخيرا وراحت تنزلق فوق الماء بجلال وهي تتلفت في بطء نحو اليمين واليسار.”

وفي مكان آخر:

“تركته مستغرقا في تأمل النهر الذي كانت مياهه الرائقة تندفع بسرعة وترفع موجات فضية متلاحقة تتألق بنور خاطف، وفي متابعة بجعات بيضاء تسبح في حركة دائرية وهي ترفع رؤوسها الشامخة متطلعة إلى النوافذ في صمت. ولم يكن البط بجسمه البني ورقبته البنفسجية اللامعة يكتفي بالتطلع نحونا وهو يحوم بحركات قلقة تحت النوافذ، بل أخذ يحرك مناقيره، بنداءات متعاقبة، فاستجابت له سيدة تجلس بالقرب منا وراحت تلقي له بفتات الخبز.”

فهل فهمنا درس البجع؟

إن البجع هنا عنصر فاعل في تجسيد مايفكر فيه بهاء طاهر. والبجع، في حيرته وفي شموخه وانزلاقه بجلال وهو ينظر ذات اليمين وذات اليسار، إنما يجسد واقعا مضطربا مشوبا بالنذر، وينطوي على دلالات عميقة الغور عن أحداث حقبة “الحب في المنفى”. وبهاء طاهر هنا يدعونا إلى نفكر بعمق كي نفهم هذه الدلالات وكي نعي هذا الدرس.

إن أهمية “الحب في المنفى” لاتكمن فقط في أنها تفسر برؤية الفنان والمفكر والسياسي الواعي واقعا توارى فيه المثل فسقطت رموز كثيرة واختلطت الأوراق واهتزت المبادئ والقيم، ولكن في قدرة الفنان على التأصيل وعلى أن يولد من موقف سياسي في المقام الأول أفكارا مشبعة بالرؤي الفلسفية والسوسيولوجية.

لقد كان آخر أعمال بهاء طاهر قبل “الحب في المنفى” العمل الفكري العظيم: “أبناء رفاعة: الثقافة والحرية”، الذى تناول فيه دور المثقف في المجتمع وقدم لنا بانوراما تزخر بفكر رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين وطه حسين باعتبارهم طلائع كوكبة التنوير في ثقافتنا الحديثة. وفي “الحب في المنفى” يثبت بهاء طاهر أنه إبن بار من أبناء رفاعه وأنه جدير بمواصلة الرسالة التي حملها الأبناء الأوائل دفاعا عن الثقافة والحرية.