خيري شلبي في زهرة الخشخاش : سيرة شعبية تهاجم الفساد وتنتصر للبسطاء ضد قوي الاستغلال واحتكار الثروة

الرواية فن شعبي طوال تاريخها، وهي ضد الأرستقراطية رغم كونها ابنة للبورجوازية، لكنها في مصر ابنة شرعية للسيرة الشعبية التي دربتنا علي الإنصات ومتابعة الحكاية . جاء هذا الرأي علي لسان الروائي القدير خيري شلبي في مقابلة صحفية أجريت معه مؤخرا (1). ويمكن القول بأن وجهة النظر هذه هي التي صدرت عنها معظم أعمال خيري شلبي وأحدثها رواية زهرة الخشخاش (2). يؤكد وجهة النظر هذه أمران، يتعلق أولهما بالموضوع والثاني بلغة السرد. فمن حيث الموضوع تشكل البيئة الشعبية القاعدة التي تنطلق منها شخصيات خيري شلبي الروائية والتي تتجلي حتي في عناوين رواياته من قبيل عدل المسامير ، و وكالة عطية ، و صالح هيصة ، وثلاثية أولنا ولد، وثانينا الكومي، وثالثنا الورق ، و منامات عم أحمد السماك (دون ترتيب زمني لصدور هذه الأعمال). وتعني البيئة الشعبية هنا العناصر النابعة من الأوساط الشعبية العادية وتفاعلاتها سواء فيما بينها أو مع عناصر أخري، ربما تكون هي أيضا عناصر شعبية نابعة من نفس التراب الوطني لكنها انتقلت، نتيجة دوافع أو أسباب ذاتية أو اجتماعية، إلي مراتب مختلفة، فبدت منفصلة عن شخصية ابن البلد البسيط في مظهره وجوهره، لكنها تنطوي علي المكونات التي تميز هذه الشخصية من انتماء فطري أصيل لبلدها ومن إلمام ببعض جوانب الثقافة التي تميز هذه الشخصية من معرفة بتاريخها الماضي والحاضر، وهي أيضا ثقافة تضم خليطا من الأفكار الموروثة والتقليدية والحكايات الشعبية والأمثال والأغاني. وأتصور أن شخصية ابن البلد هذه هي الشخصية الرئيسية في الشكل الروائي الذي يدعو إليه خيري شلبي في الاقتباس المشار إليه أعلاه.
يقودنا ذلك إلي الحديث عن الأمر الثاني وهو لغة السرد التي يتطلبها تصوير مثل هذه الشخصيات تصويرا واقعيا يعبر عن ثقافة هذه الشخصيات وأبعادها المختلفة وينقلها إلي القارئ في أجلي صورها. وأحسب أن خيري شلبي، من فرط تعامله مع هذه الشخصيات، بل لكونها أصبحت تشكل الخامة الأساسية، أو القماشة الأصلية (إذا استخدمنا تعبيره الشخصي في الحديث المشار إليه) التي يبدع منها أعماله، أنشأ متنا لغويا خاصا تنهل منها شخصياته في التعبير عن مكنون نفسها وعن مواقفها، ويشكل هذا المتن لغة خاصة لا أقول إنها تغلُب عليها بساطة القول أو عاميته، ولكنها تنقل القول كما هو وكما تنطق به شخصياته سواء في بساطتها أو في تعقدها.

تقع أحداث زهرة الخشخاش في الفترة ما بين 2 حزيران (يونيو) 1945 (وهو التاريخ الذي يخطه مدرس اللغة العربية علي سبورة الفصل في المدرسة الابتدائية الوحيدة ببلدة ميت الديبة ، إحدي قري الريف المصري في قلب الدلتا)، ووقت ما في أعقاب العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956 وربما بدايات عام 1957. ويتمثل الخط الرئيسي للرواية في تطور شخصية بطلها الأساسي وراويها الذي أعطاه المؤلف اسم بهاء قاسم الراوي (وكان في بداية الرواية تلميذا في الشهادة الابتدائية بمدرسة بلدة ميت الديبة). وعلي مدي أكثر من عشرين عاما شهدت تطور هذه الشخصية من صبي مراهق في قريته الريفية المتواضعة إلي كاتب صحفي واعد في إحدي الصحف المحلية بمدينة الإسكندرية، يعرض المؤلف لفترة هامة وخصبة من التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي للوطن ملقيا الضوء علي كثير من جوانب الحراك الاجتماعي والسياسي خلال هذه الفترة الهامة التي شملت في ما شملت حرب فلسطين وقيام إسرائيل وثورة تموز (يوليو) في مصر والعدوان الثلاثي ومؤامرات اليهود في مصر ونزوحهم منها إلي فلسطين بما أعطي للعمل قيمة معرفية خاصة لمسها القارئ في أعمال سابقة للمؤلف.

في ذلك اليوم من عام 1945، يحل علي قرية ميت الديبة أعيان أسرة الشماشرجية هربا من الغارات والقلاقل التي كانت تتعرض لها الإسكندرية في الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية. والشماشرجية أسرة عريقة استمدت ثراءها وقوتها منذ وقت يعود إلي أيام محمد علي باشا الذي استقطب جدهم الأكبر الحاج عبد الرؤوف البدوي، أحد كبار عربان الشرقية وأقطعه مساحات كبيرة من الأراضي، وامتد نفوذ الأسرة إلي عهد الخديوي إسماعيل الذي عين أحد أفرادها وهو عبد الحميد بك بدوي شماشرجيا للخديوي. وحسبما يصف المؤلف دور الشماشرجي، فهو الشخص الذي يرافق الخديوي كظله، يسافر معه من باريس إلي لندن وروما وبلاد تركب الأفيال. وهو المسؤول الوحيد عن ذوق وفخامة أزياء الخديوي . ومنذ ذلك الحين تغير اسم العائلة إلي عائلة الشماشرجي، وسرعان ما حظي عبد الحميد بك بلقب الباشوية. ومن هؤلاء الشماشرجية من كان شريكا لكبار الرأسماليين اليهود في مصر آنذاك. يقول الراوي: الشماشرجية خلقوا في بلدتنا تطلعات طبقية دفعت الناس تلقائيا إلي تقليدهم في تعليم الأولاد في مدارس البندر، وفي لبس الحرير والكشمير، أو علي الأقل البوبلين والجبردين ليظهروا بمظهر المحترمين. أصابوا كبار وصغار الملاك والتجارة والحرفيين بمرض الفشخرة الكذابة . ويقول الراوي أيضا: حضور الشماشرجية بات كثيفا في البلدة. أصبحت سياراتهم مصدر بهجة للناس في غدوها ورواحها، يجري وراءها الأطفال، يتشعبطون في مصداتها الخلفية. عيال الشماشرجية النواعم وبناتهم الشيكولاته غيروا منظر البلدة بألوان ثيابهم الزاهية وعطورهم الزاعقة ولعبهم وألعابهم التي يشركوننا فيها بأريحية جعلتنا نحبهم ونصاحبهم ونتسابق في خدمتهم وتلبية طلباتهم . ويضيف في مكان آخر: أصبح اللقب الاسم مصدر فخر للعائلة بل لأهل بلدتنا جميعا، حتي اسم بلدتنا تغير علي الألسنة من خارجها إلي بلدة الشماشرجي . تبرز بقوة مع بداية الرواية هذه الثنائية الاجتماعية بين الشماشرجية والفلاحين، والثراء والفقر، والجاه والعوز، والنخبة والعامة في ما وصف بعد ثورة تموز (يوليو) بمجتمع النصف في المائة. وتفرد الرواية فصولا طويلة وحكايات أشبه بوقائع ألف ليلة وليلة أو السير الشعبية عما حققته هذه الأسرة من ثراء وسلطان. هذه الوقائع يرويها بطل الرواية بهاء الرواي الذي ما ان حصل علي الشهادة الابتدائية حتي انتقل إلي الإسكندرية ليكمل تعليمه الثانوي والجامعي، وحل ضيفا علي أسرة الشماشرجي وفاء من أحد كبار أعيانها لوالد بهاء صديق الأسرة الذي انبهر جميع الشماشرجية بوعيه السياسي كعضو في الجمعية التأسيسية لحزب الوفد وبذاكرته الحديدية التي تحتفظ بالكثير مما لا يعرفه الكثيرون منهم عن تاريخ أجدادهم القدامي.

ومن خلال إقامة بهاء الراوي في غرفة ملحقة بأحد قصور الشماشرجية حيث التحق بعمل مؤقت معهم إلي جانب دراسته، تكشفت له جوانب كثيرة من أسرار هذه العائلة من صفقات ومضاربات. وكان منهم الرجل الصالح الحاج مصطفي الشماشرجي الذي استضاف بهاء الراوي في قصره. وفي عملية تقييم سريعة لآل الشماشرجي يقول قاسم الرواي لولده بهاء: إن أصلح من في الشماشرجية السكندريين هما الحاج مصطفي وعنتر بك من الأعلام المشهورين، وأفسدهم بصورة محتملة هو هاني بك، أما أفسدهم عل الإطلاق فهو عمرو بك . ينخرط الراوي في أعمال تجارية مع حمادة الشماشرجي ابن هاني الشماشرجي من أم يهودية تدعي راشيل. ويتعرف الراوي علي الكثير من أوجه الفساد التي نشأ فيها حمادة في رعاية أمه بما كانت تقوم به من إدارة لموائد القمار وجمع التبرعات لليهود المهاجرين إلي فلسطين والإلحاح علي اليهود المصريين وإغرائهم بكل وسيلة علي الهجرة إلي أرض الميعاد في فلسطين لكي ينصروا اخوتهم من أبناء الرب المجاهدين . وتبلغ ذروة مناوراتها بتخزين أسلحة في شقة استأجرها الشماشرجية باسم الراوي توطئة لنقلها إلي اليهود في فلسطين. في غضون ذلك، يكون الراوي قد تعرف علي زوجة عمرو بك الشماشرجي بعدما أرسلته راشيل إلي منزلها لكي يوصل إليها عرضا يخص عمرو الشماشرجي الذي لم يبدِ أبدا أي مشاعر ود للراوي. زوجة عمرو الشماشرجي طالبة في قسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب تزوجها كجزء من صفقاته ولا تكنُّ له أي حب أو احترام. وتنشأ قصة حب قوية بين الراوي و لولية وهو اسم زوجة عمرو.

ومع تطور الأحداث وقيام الثورة يعيد الشماشرجية ترتيب أوراقهم وأولوياتهم، ويهرِّبون أموالهم إلي الخارج، وتنقطع صلة الراوي بلولية التي تكون قد سافرت إلي بور سعيد حيث تقيم أسرتها، إلي أن يجمعهما اللقاء مرة أخري بعد انسحاب القوات الغازية والبدء في إعادة تعمير بور سعيد. ويكون الراوي آنذاك قد تخرج من كلية الآداب قسم الفلسفة والتحق بإحدي الصحف المحلية في الاسكندرية وبدأ نجمه في الظهور، أما لولية فتكون هي أيضا قد تخرجت من قسم اللغة الفرنسية وتزوره في مكتبه حيث يخططان للزواج بعد انفصالها عن عمرو الشماشرجي بعد أن ثبت ضلوعه في واقعة تخزين الأسلحة ومحاولة تهريبها إلي اليهود، ومع تطور الأحداث يصاب عمرو الشماشرجي بأزمة صحية تودي بحياته، وتنتهي الرواية بزواج الراوي من لولية.

هذه التفاصيل المتشابكة في أحداث زهرة الخشخاش لا تشكل سوي الحد الأدني من التفاصيل التي يمكن إيرادها لبيان الخطين الرئيسيين اللذين انتظمت فيهما أحداث الرواية ذات الخمسمائة صفحة، وهما سيرة الشماشرجية، وسيرة حب الرواي. إلا أن هذا الإيجاز يحجب الكثير من جوانب الاستمتاع بهذه السيرة الشعبية التي يكمن الاستمتاع بها في الاستماع إليها، أو قراءتها، كاملة بكل تفاصيلها: اللقاءات الحميمية بين الراوي وحبيبته، نصائح والد الراوي له وهو علي وشك أن يغادر قريته إلي المدينة ليعيش ضيفا علي الشماشرجية، نقاشات الراوي مع عمه إسماعيل، رجل السياسة المثقف والمحنك بتجارب الحياة. فساد الشماشرجية هو بيت القصيد في زهرة الخشخاش ، وهو ما يعطي الرواية قوتها وقدرتها التنبؤية إذا ما قرئت في ضوء الفساد الراهن الذي يضرب بأطنابه في أركان المجتمع علي يد جماعات المصالح ومحتكري الثروات والمضاربات علي حساب قوت الشعب ومستقبل أبنائه. وها هو العم إسماعيل يقول كلمته، أو يدلي بتحذيره، عن آفة الشماشرجية التي ضربت جذورها في المجتمع: صدقني يا خليل أفندي، بعد عمر طويل ستري شجرة الشماشرجية الفاسدة هذه تسيطر علي المجتمع المصري بشكل أو بآخر.

إنها العائلة المستعدة دائما للتحالف مع الشيطان. اليوم ضربوا جذورهم في كل الحقول، منهم الطبيب والمهندس والمحامي والوزير والكاتب والفقيه والتاجر والمقاول، جميعهم في النهاية شماشرجية. إنهم كالجراثيم التي تكمن في الجسم حين تشتد عليها مقاومته، لكنها لا بد أن تعود من جديد بعدما تكتسب مناعة ضد الأدوية. حتي وهم في الكمون لا يسكتون: في الخفاء تحت السطح يهبرون، يسلبون، يهربون، يخربون، يقتلون القتيل ويمشون في جنازته أكثر حزنا عليه وتأثرا برحيله من أهله. مع الأسف سيعودون ولو بأسماء جديدة لأنهم في قعر المجتمع خميرة معتقة تتعيش عليها كائنات كثيرة . كلمة أخيرة عن عنوان زهرة الخشخاش الذي يوحي للقارئ لأول وهلة بلوحة عباد الشمس الشهيرة لفان غوخ. ولأن المؤلف يستهل روايته باقتباس من أشعار فؤاد حداد يتحدث فيه عن موال العبَّادية فربما يخطر للقارئ أن المؤلف خلط بين الزهرتين. أم أنه يقصد زهرة الخشخاش التي يستخرج منها الأفيون، فهل قصد بذلك السحر المغوي لحبيبته لولية أو لهذه المادة المخدرة في حد ذاتها، وهي مادة ذات حضور دائم ومؤثر علي كثير من أبطال رواياته؟ أم أنه استقي هذا العنوان من أبيات لبابلو نيرودا الذي ألمح في الرواية إلي تعلق الراوي بأشعاره، وفي هذه الأبيات يناجي الشاعر حبيبته السمراء التي تنطبق أوصافها علي أوصاف حبيبة الراوي، قائلا: آه يا فراشتي السمراء، أنت قمح وشمس وماء وخشخاش؟ مجرد تساؤلات ربما تكون بعيدة كل البعد عما عناه المؤلف بإعطاء هذا العنوان لهذه اللوحة البديعة.

مقتطف من زهرة الخشخاش

عدم المؤاخذة يا بهاء أفندي، خلِّ بالك معي: الشماشرجية الذين تراهم الآن باعوا أصولهم القديمة في سبيل أن يبقوا أثرياء عصرهم مثلما كان أجدادهم البدو الذين أكلوا حلاوة بعقل محمد علي باشا ونهبوا الأراضي وسخروا الفلاحين والأنفار كالعبيد! الذين تعمل عندهم الآن أثرياء السوق السوداء والبضائع المضروبة والتهريب بجميع أنواعه! فليفعلوا ما يشاؤون لأن الأسواق بطبيعتها يا بهاء أفندي لا تعرف الرحمة ولا الإنسانية، ولكن ليس لهم الحق في التسيد علينا وعلي من أحذيتهم برقابهم. إنما نحن الأسياد عدم المؤاخذة بقي! طبعا نحن أسياد باحترامنا للأصول والتزامنا بمبادئ الشرف حتي لو الدنيا كلها باظت أخلاقها نزداد نحن تماسكا، إذ ربما يجيء يوم تكون فيه عضلة قوية من العضلات التي تشد حيل المجتمع ليصلب حيله ويسترد أخلاقه المفقودة من عصر فاروق الملك إلي عصر الثورة التي شطبت الأخلاق ووضعت بدلا منها الجبن والخساسة! وعلي فكرة يا بهاء أفندي، أقولها لك أمام عمك إسماعيل، فإن كنت مخطئا فليصححني، فليس من بأس فهو أستاذ لي: عهد الثورة أوسخ من عهد فاروق بطوفان!

الفضل الوحيد للثورة في نظري هو أنها كسرت شوكة الشماشرجية وأمثالهم، هدَّت طغيانهم، وفي النهاية، هم ورجال الثورة ما أوسخ من ستي إلا سيدي . (الرواية، ص 356) كاتب من مصر يقيم في نيويورك

(1) انظر، صحيفة الحياة، 28 آذار (مارس) 2006.

(2) زهرة الخشخاش، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولي، 2005.