حسام فخر في وجوه نيويورك

مرثية للتفاحة الكبيرة التي أصابها عطب الكراهية والتعصب

بعد مرور ثلاث سنوات على صدمة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، لا تزال نيويورك تعاني من توابع صدمة ذلك اليوم المروع الذي شكل حدا فاصلا ليس فقط في تاريخ الولايات المتحدة ولكن أيضا في تاريخ العالم ككل. ذلك أنه ليس بخاف على أحد أن عالم ما قبل 11/9 ليس كعالم ما بعد ذلك اليوم المشؤوم. ونيويورك مدينة صارمة ورائعة في الوقت نفسه. وهي تصدم زائرها لأول وهلة بضخامتها وقسوة التعامل مع أهلها بما يتميزون به من طابع عملي وسريع الإيقاع. وما أكثر الذين تعرضوا لتجارب سيئة من زائري نيويورك اتخذت أشكالا متنوعة من جرائم السرقة والنصب والاحتيال والاعتداء الجسماني في الطرق العامة وفي وضح النهار. لكن نيويورك لها وجه آخر مضيء. فهي ”بوتقة الانصهار“ التي يضم سكانها أكثر الجنسيات تنوعا، وذكرت إحدى الدراسات الأخيرة أن نيويورك ولوس أنجلوس تضمان خمسي المهاجرين إلى الولايات المتحدة. وهي ”التفاحة الكبيرة“ التي أطلق عليها هذا الاسم لأسباب اختلف فيها المفسرون، ولكن ما هو ثابت هو أن هذا الشعار أطلق عليها في عام 1971 كجزء من حملة لدرء الصورة العامة التي كانت سائدة عن المدينة آنذاك باعتبارها مدينة تغص بالقذارة والضجيج والخطورة، والتأكيد على جانبها المضيء كمدينة للمتعة والثقافة والمتاحف والأعمال التجارية.

في “وجوه نيويورك”* لا يشير المؤلف إلى شيء من ذلك. لكنه يغوص، عبر 17 لوحة، في الجوانب الإنسانية لساكني هذه المدينة خلال سنوات ما قبل 11/9 إلى أن وقعت الواقعة، فتغير وجه المدينة الجميل، وأصبحت، تحت تأثير الميديا التي تحركها الدوافع السياسية، أسيرة لذلك الكابوس الذي صحت عليه صباح ذلك اليوم، فألقى الرعب في قلبها، وبدد وداعتها، وأخل بروح التسامح والتنوع العرقي التي سادتها كمدينة تفتح ذراعيها عبر بوغاز “تمثال الحرية” لملايين المهاجرين من كل أنحاء العالم.

وبداية، فإنني لا أتفق مع المؤلف على اعتبار “وجوه نيويورك” مجموعة قصصية، لأنها تشكل بفصولها السبعة عشر “رواية” متكاملة الأركان، وأطروحة حداثية في فهم الأنا والآخر في ظل تحولات العولمة وامتزاج الثقافات، وليس التصارع بينها.

يحل الراوي على المدينة في بداية الثمانينات حاملا معه “ثقافته”: شرائطي وصور أصحابي وكتب أسميها “حافظات الهوية”، وترن في أذنيه أبيات صلاح جاهين التي يصدِّر بها روايته: “فين أنا، إيه اللي وصلني هنا، أنا صاحب بيت ولاّ ضيف؟” وفي حوار سريع مع سائق الأجرة الذي سيوصله إلى الفندق المتواضع، محطة الوصول الأولى، يعطيه السائق مفتاح المدينة المُغوية قائلا: لقد تركت الأم وأتيت إلى الزوجة… ولكن لا تسمح لها أن تنسيك أمك.”

في نيويورك، قلما يعرف الجيران بعضهم بعضا، ونادرا ما يتبادلون التحية حتى وإن جمعهم المصعد صباحا أو مساء في ذهابهم إلى العمل أو العودة منه. ويلقن الناس أطفالهم عدم التحدث إلى الغرباء أو الاستجابة لمداعباتهم. في المكان المخصص لإلقاء القمامة، كان اللقاء الأول للراوي مع جارته العجوز، التي قدر أن عمرها يقارب المائة عام، توجست منه خيفة، وظنته “من العزاب الذين يقيمون الحفلات الصاخبة حتى الصباح”، وهددته بأنها ستشكوه لإدارة العمارة والشرطة إذا لزم الأمر إذا تسبب لها في أي إزعاج. مرت أسابيع على ذلك اللقاء دون أن يتصادف لقاؤهما مرة أخرى. وحينما سأل عنها جارة أخرى أخبرته أنها مريضة جدا ولا يزورها أحد. ويبادر إلى زيارتها، ويشتري لها احتياجاتها التي طلبتها، كما يهديها باقة من الورد أدهشتها وفرحت بها معلنة أن الورد لم يدخل شقتها منذ أربعين عاما حينما مات زوجها.

كثيرا حاول الراوي أن يتبادل التحية مع بائع تذاكر المترو تحت الأرض. لكنه كان دوما لا يرد التحية. كل صباح يقف أمامه خلف حاجز زجاجي سميك. يلقي عليه التحية. لا يرد. يدفع إليه بثمن التذكرة. ويدفعها إليه عبر شق ضيق في الحاجز السميك. يقول الراوي: شكرا. لا يرد البائع. حينما تكرر هذا المشهد لعدة أشهر، وقف الراوي أمام البائع، دفع إليه بثمن التذكرة، ودفع إليه البائع بها. ويمضي الراوي صوب الرصيف: “لا أعرف هل أفرح أم أحزن لأنني أصبحت نيويوركيا حقا. أصبحت الآن واحدا من أهل المدينة.”

وذات يوم عرض عليه أحد المارة كلبا دون مقابل. قال الرجل: “كما تعرف، في هذه المدينة لا أحد يريد مساعدة الآخر. كل واحد عنده مشاغله التي لا تترك للآخرين مكانا في حياته، فما بالك بكلابهم؟” هذا الكلب له أيضا قصة. فهو يخص زوجة ذلك الرجل، وقد تخلت عن الزوج أيضا لأن عشيقها الجديد لا يحب الكلاب. يستمع الراوي إلى قصة الزوج المهجور، يحاول أن يتعاطف معه. “لا تعرف كم أريد مساعدتك، ولكني حقا لا أستطيع.” يرد الرجل: “نعم، لا أحد يستطيع مساعدتي”.

نيويورك مشهورة بمشرديها. أشخاص اختاروا طواعية أن يعيشوا هذه الحياة، وكثير منهم يرفض الانضمام إلى دور الرعاية التي توفرها بلدية المدينة. “يسكن تومي في شارعي، لا تفصلنا إلا أمتار معدودات. الفارق الوحيد أنني أفتح بابا بمفتاح صغير، ثم أفتح بابا بمفتاح كبير، وعلى باب شقتي قفلان. أما تومي فيسكن في صندوق ضخم من الكرتون، ولا يملك في الدنيا شيئا إلا ملابسه.” وتومي دائما نظيف وحليق الذقن وثيابه مهندمة رغم فقرها. تنشأ علاقة “ودية” بين تومي والراوي الذي ينفحه صباح كل يوم سيجارة أو سيجارتين على وعد من تومي بأنه سيردها إليه حينما يشترى علبة كاملة ويعطيه نصفها. تومي محارب قديم، تعاوده من وقت لآخر كوابيس حرب فييت نام، ويختفي أحيانا من مقر إقامته كي يزور أحد المستشفيات العقلية القريبة، لكنه لا يطيق البقاء فيها فيهرب عائدا إلى مقره الأثير في عرض الطريق.

في نيويورك، عرف الراوي “باربارا” التي يصفها بأنها “تجسد روح نيويورك. صوتها عال وسوقي وأخنف ومخارج ألفاظها غليظة. ولها قشرة من الصراحة الموجعة التي تقارب الفظاظة، تخفي وراءها تسامحا وإنسانية بلا حدود.” و”باربارا”، ذات الأربعة والسبعين عاما، تعرف كل خبايا نيويورك من مطاعم ومتاحف وكنائس. صحبته إلى كنائس هارلم، حي الزنوج، وحانات موسيقى الجاز في بروكلين. حينما ماتت “باربارا” بكاها الراوي كثيرا، وحضر مراسيم حرق جثمانها الذي أوصت بنثر رماده في أول شارع سكنته في نيويورك كي يكتب لها الخلود في تلك المدينة.

ويقدمنا الراوي إلى صديقه مانويل بييدرا، من بيرو، الذي يفاجأ الراوي بالشرطة تطلبه ذات يوم للإدلاء بشهادته في واقعة موته منتحرا. تعرف الراوي على مانويل في إحدى الحفلات العامة، ولم يكن يعرف له وظيفة معينة، ويعيش حياة متقشفة. وحينما سأله الراوي عما يجبره على الحياة في هذه المدينة القاسية وعلى عدم العودة إلى بلده، يدور بينهما حوار دالّ، يبين له فيه مانويل أن حياته في بيرو أقسى، وأن نيويورك لا تجعلك أبدا تحس بالغربة، وأن سر نيويورك هو في أنها ليست مجرد مكان، ولكن “فكرة”.

من أجمل الوقائع التي يقدمها المؤلف تلك العلاقة الرومانسية التي نشأت بين الراوي وإحدى الجميلات في حديقة نيويورك الكبرى المعروفة باسم سنترال بارك. كانت ترقد على ملاءة وتقرأ كتابا. عرف أنها تدرس ماجستير علم النفس في جامعة كولومبيا وتعشق الحديقة وتزورها مرارا. توطدت العلاقة بينهما إلى أن تحول انجذابه إليها إلى نوع من الهوس، ولم يكن يتوقف عن التفكير فيها. طلبت منه ذات يوم أن يلقاها في إحدى الحانات الليلية في شارع برودواي الشهير. وهناك اكتشف أنها نادلة/راقصة، تقف على البار عارية تماما إلا من مثلث صغير بين الفخذين، ترقص وتتلوى تحت الأضواء الملونة ووسط الدخان المتصاعد من الأركان. بعد أن أنهت رقصتها توجهت إليه وعيناها ترفضان بعناد أن تلتقيا بعينيه، وذراعاها متقاطعان على صدرها يخفيان نهديها. وكان ذلك الحوار الذي يكشف عن الهوة التي تفصل بين ثقافة كل منهما وفكره ومنطقه:

– إنتى حاطة إيديكي كدة ليه؟ مكسوفة؟ ولاّ عشان أنا مش ح ادفع؟

– مفيش داعي تهينني. أنا ما قدرتش أكدب عليك، ودلوقتي انت عرفت كل حاجة، وتقدر تاخد القرار اللي يريحك بالنسبة لعلاقتنا.

– تفتكري يعني قراري هيكون إيه؟ ح ادخل في علاقة مع واحدة زيك؟

– قصدك إيه واحدة زيي؟ أنا مش مومس.

– أمال اللي بتعمليه ده اسمه إيه؟

– أنا مابانامش مع رجالة عشان آخد فلوس. أنا بارقص بس، وهما بيتفرجوا على جسمي زي ما بيتفرجوا على جسم أي نجمة سينما بتطلع عريانة في فيلم، ما بيلمسونيش ولا بيقربوا مني.

– عن إذنك لازم أمشي، مش مستحمل الدوشة دي.

لأول مرة رفعت عينيها إليّ. كانت الدموع تترقرق فيهما، قالت:

– أفتكر إني مش ح اشوفك تاني.

استدرت خارجا. لفحني نسيم المساء المنعش. ركلت قطعة ورق على الرصيف. وعدت إلى البيت.

أود أن أشير هنا إلى أن اختيار المؤلف للعامية كلغة للحوار في كامل النص أضفى عليه طابعا من البهجة والمصداقية، رغم أن معظم المتحدثين لا يتكلمون العربية أصلا. وقد تصورت لأول وهلة أنه ربما كان من الأفضل أن يكون حوار راقصة الحانة (طالبة جامعة كولومبيا) بالفصحى مثلا، باعتباره حوارا مترجما، على أن يظل حوار الراوي بالعامية كما هو، لكني أدركت بعد قراءة النص كاملا، ولأكثر من مرة، أنه كان خيارا موفقا.

هكذا عاش الراوي حياته النيويوركية مستمتعا بوجوهها والغوص في بحورها إلى أن استيقظ ذات صباح على يوم الهول العظيم. ومن نافذته رأى على البعد سقوط البرجين. يتساءل: كم حجم الحياة التي دمرت الآن تحت الأنقاض؟ وماذا سيحدث لنيويورك؟ ماذا سيحدث لمدينتي؟ هل ستعود كما كانت؟ هل ستتغلب بروحها المتمردة وشبابها الدائم على هذه الطعنة الدامية؟

لم يمر وقت طويل قبل أن يسمع الرد على تساؤلاته: ارجع بلدك. عبارة سمعها من راكب واجهه في الباص الذي يستقله وهو يطالع صحيفة عربية كشفت للراكب عن هويته. كان وجهه يتقلص غضبا، وعيناه محمرتان، تقطر منهما الكراهية والاحتقار. واصل قراءة الصحيفة مؤثرا عدم الرد. “انت مش سامعني؟ باقول لك ارجع بلدك. مالكش مكان هنا.” تعالت أصوات الجالسين في الباص ترد عليه بأن يخجل من نفسه، وبأن هذا الكلام لا يقال في نيويورك. لكنه ظل متحفزا تتفجر عيناه بالغضب والحقد والكراهية. نزل من الأوتوبيس، ورمى بالجريدة في أول سلة مهملات. وسار على غير هدى. وهناك في الشوارع المتجهمة، وتحت سحابة الغبار والدخان “التمست نيويورك التي تحبها نفسي… التمستها فلم أجدها”. وأصبح هذا المشهد كابوسا يطارده في شوارع نيويورك كلما نزل إليها. تطارده الأصوات:سافل، مجرم، حقير، إرهابي، إرجع لبلدك. جدران نيويورك تحولت إلى غطاء تابوت يحمل آلاف الصور: صور الموتى والمفقودين.

وتصبح نيويورك، مرة أخرى بلغة مستعارة من صلاح جاهين: “مكان غريب، كأنه سجن، كأنه مخدع لحبيب، كأنه بير، شباك حديد، وعليه ستاير من حرير، والريح بينفد منه زي المسامير، الريح عوى، قلبي اتقبض، قلبي اتلوى، الشمس تلج أصفر، شعاعها صاروخ هوا، الضلمة تلج اسود كتير، ألوف ألوف القناطير”.

ويهدي المؤلف عمله “إلى مدينتي الحبيبة، نيويورك، التي فقدتها”. وعلى الفور يعيد هذا الإهداء إلى الذاكرة قصيدة قسطنطين كفافيس شاعر الاسكندرية في وداع المدينة التي أحبها: “لا تترك نفسك لهذه الأوهام الفارغة، وكدأبك دائما، تجمل بالشجاعة التي تليق بك، يا من أمتعتك هذه المدينة الجميلة. توجه إلى النافذة بثبات، وقل لها وداعا أيتها الإسكندرية، الإسكندرية التي خسرتها”. ومثلما كانت قصائد كفافي في حب الإسكندرية تعبيرا صادقا وخالدا عن ارتباطه بها وبأهلها وأماكنها، فقد جاءت “وجوه نيويورك” تعبيرا يتسم بنفس الصدق والعمق عن ارتباط المؤلف بالمدينة التي أحبها.

مقتطف من “وجوه نيويورك”

“صمت مخيف منذر بالشؤم. لا توجد سيارة واحدة في الشارع. أفاجأ بأنني وحدي تماما. أحيانا ألمح شخصا يسرع إلى وجهة ما، ولكن لا يوجد غيري واقف في مكان، والصمت سميك وثقيل، ولا يقطعه إلا إيقاع رتيب يأتي خافتا من جهة اليسار، ويعلو مع كل لحظة تمر.

“التفت نحو مصدره،ورأيتهم. وجوه، وجوه بلا عدد تتقدم صوبي. بدل رمادية وسوداء وفساتين من كافة الألوان.وجوه بيضاء، سمراء، سوداء، صفراء، تصطف صفوفا، وعليها جميعا نفس الرماد والغبار، ونفس الوجوم. يسيرون بالمئات، صامتين تماما، لا يصدر عنهم صوت إلا وقع الأقدام على الأسفلت. لا أحد يبكي. لا أحد يصرخ. لا أحد يهتف. لا أحد يهمس. لا أحد يقول أي شيء.لا شيء سوى الوجوم والصدمة المرتسمة على الوجوه، كفلول جيش مهزوم عائد من جبهة القتال. يسيرون خزيانين مصدومين مذهولين.

“وجوه نيويورك جميعها مرت أمامي. من كل الملل والأصول والجنسيات والأديان. وجوه لا يوحدها إلا المدينة التي فتحت ذراعيها لأصحابها، ويوحدها كذلك الوجوم والدهشة. ورأيت أيضا في وقفتي الصامتة أمام هذا الجمع الجنائزي وميض نار غضب في العيون. نار لا تلبث أن تضطرم وتأتي على كل شيء. ويخبرني قلبي الموجوع أن الحريق الهائل القادم حتما… سيلتهمنني.” الرواية، ص 78.

——————————————————————————–

* وجوه نيويورك، قصص، بقلم حسام فخر، دار نشر ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 2004.