طفل شقى

محمد توفيق في ”طفل شقي إسمه عنتر“
مقتل ممثلة يكشف عن واقع مهترئ في برج السعادة المتوهمة

”في يوم من الأيام، راح أكتب قصيدة، عن السما، عن وردة على راس نهد، عن قطتي، عن الكمنجة الشريدة، عن نخلتين فوق في العلالي السعيدة، عن عيش بيتفتت في أودة بعيدة، عن مروحة م الورق، عن بنت فايرة من بنات الزنج، عن السفنج، عن العنب، عن الهموم الجديدة، عن حدايات شبرا، عن الشطرنج، عن كوبري للمشنقة، عن برطمان أقراص منومة، …. عن قوس قزح بعد الصلا في العيد. ح اكتب قصيدة، ح اكتبها، وإن ما كتبتهاش أنا حر . الطير ماهوش ملزوم بالزفزقة.“

بهذا الاستهلال الجميل تبدأ رواية “طفل شقي اسمه عنتر” لمؤلفها محمد توفيق، والصادرة مؤخرا عن دار ميريت للنشر والمعلومات بالقاهرة. تكمن أهمية هذه الأبيات، وبالتالي اقتباسها في صدر هذه القراءة السريعة لهذا العمل الأدبي المتميز، في أنه يمكن اعتبارها بشكل أو بآخر حجر الأساس الذي تقوم عليه الرواية، وتعبيرا عن فحواها: ذلك الشعور القوي والرغبة التي تتسم بالإصرار لدى الفنان الملتزم، شاعرا كان أو روائيا، بأن يخلق عملا جامعا يعبر به عن كل مكنونات فكره، وعن واقعه، وأحلامه، ونوستاليجياته، ورغباته الظاهرة والمكبوتة، وعن همومه ويأسه وتطلعه إلى المستقبل. هي تبدو بالفعل مهمة عويصة وخارقة. هنا أيضا يرسم الفنان لنفسه خط الدفاع ودرء اللوم: إن ما كتبتهاش، أنا حر. الطير ماهوش ملزوم بالزقزقة.

ومن شأن أي قراءة سريعة للرواية (سأشير إليها من الآن فصاعدا باسم مختصر هو “عنتر …”) أن تعزز هذا الاستنتاج الأولي عن التطابق بين ما تثيره أو ما تشير إليه هذه الأبيات من قضايا متشابكة، و”هموم جديدة“، وبين فحوى الرواية وما تثيره أيضا من قضايا وهموم استلهمت أسلوب جاهين شاعر الشعب، ذي القدرة الفائقة على التعبير عن روح الوطن وروح الشعب في كل ما يصدر عنه من إبداع. (سيلجأ المؤلف إلى هذه الطريقة في استهلال فصول الرواية باقتباسات معبرة من أعمال شعراء مرموقين مثل عمر الخيام، وصلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي، وعبد الرحمن الأبنودي، وجبران خليل جبران. وكان لهذه الاقتباسات أهميتها في إبراز وحدة الشكل الروائي الذي اختاره المؤلف والذي يتسم بالتجريب والابتكار.

تحمل فصول الرواية عناوين “الصفحة الأولى” و “الصفحة الثانية” والثالثة، وهكذا، إلى أن تصل إلى إثنتي عشرة صفحة (أو إثني عشر فصلا تشكل في مجموعها 333 صفحة)، يتقمص المؤلف في كل منها شخصية من شخصيات هذا العمل المركب، وتقوم هذه الشخصية بسرد وقائع الرواية من وجهة نظر هذه الشخصية. ووزع المؤلف مهمة السرد على أربع شخصيات رئيسية هي الشاويش أشموني، عسكري المرور في أحد التقاطعات الهامة على كورنيش النيل بجوار “برج السعادة” الذي تدور فيه وتنطلق منه أحداث الرواية. وعبد الملاك، العالم المصري الذي تعلم في أمريكا وحصل على الدكتوراه في الهندسة الوراثية، وعندما ييحث عن عمل لدى عودته إلى الوطن لا يجد سوى مكتب للتوظيف يحاول إرساله إلى إسرائيل. وعندما تضيق به السبل يقبل عرضا عن طريق الإنترنت للعمل كوسيط روحاني. وإصلاح المهندس، الصحفية التي تكرس كل جهدها لحل اللغز التي تتمحور حوله الرواية وهو جريمة قتل الممثلة المشهورة أحلام الشواربي، الشخصية الرابعة. تلي هذه الصفحات أو الفصول الإثني عشر، 12 فصلا آخر (تكتمل بها صفحات الرواية البالغة 362 صفحة) ويحمل كل منها عنوان دقة من دقات الساعة: الدقة الأولي، الدقة الثانية، وهكذا حتى الدقة الثانية عشرة التي تنتهي مع نهاية يوم 31 ديسمبر 1999، الذي يوافق الاحتفال باستقبال الألفية الثالثة.

بداية، ينجح المؤلف في اقتناص الشكل الروائي الذي شاع في أعمال هامة كثيرة (من نجيب محفوظ في فندق “ميرامار” في الرواية التي تحمل هذا الإسم، وفي عوامته الشهيرة في رواية “ثرثرة فوق النيل” حيث كشف محفوظ من خلال شخصياته عن تحولات الاشتراكية، وحتى عهد قريب في “عمارة يعقوبيان” التي يفضح فيها علاء الأسواني تحولات الانفتاح والتفسخ الاجتماعي)، حيث يختار المؤلف “برج السعادة” على كورنيش النيل الذي تقطنه مجموعة متنوعة من النماذج التي أفرزتها تحولات الانفتاح والعولمة: الشيوخ وأصحاب الملايين الذين يشترون هذه الأبراج أو يقطنونها لتنفيذ الصفقات والمصالح والمتع الشخصية. الشيخ وهدان، والمليادير عبد الفتاح توتو، والمليونير شاكر شاكر وإبنه المنتج السينمائي شكري شاكر، وكساب بك الذي تكتظ شقته بأدوات ومنشطات جنسية شاذة، وكريم نافع الذي كان في يوم من الأيام زعيما للطلبة الوطنيين وأصبح الآن من أعلام التطبيع، والراقصة لولا حمدي التي تفتح صالونها لعلية القوم من رجال الأعمال والسياسة مثل الشربيني بك عضو مجلس الشعب، الذي أنفق الملايين كي ينتخب في دائرته مع أنه “لا يعرف قانون الحكومة من قانون المزيكا” والصاجات التي يتقن الشخللة بها في جلسات الأنس مع الراقصة لولا حمدي التي تدللـــه باسم “ابن الدايرة”، وفرح المثقفة الناصرية السابقة التي تقبل في نهاية المطاف بأن تصبح محظية للمليونير شاكر صاحب الشركة التي تعمل بها.

في “برج السعادة” يعيش أيضا البعض ممن حاولوا القفز على الواقع واقتناص متع الحياة الجديدة: شقة على النيل، وطبق استقبال إرسال تليفزيوني “ديش”، وسيارة من أحدث الموديلات ومركز اجتماعي يؤهلهم للبقاء في هذا العالم الغريب والصاخب: الدكتور محجوب، الذي أنفق محصلة سنوات عمله في الخليج لشراء شقته في البرج، الوحيد من بين سكان البرج الذي لم يضع يده يوما في جيبه ليخرج لشاويش المرور شيئا، والوحيد الذي يذهب إلى السوق شخصيا لشراء الخضار والفاكهة، ويقطع أنفاس الباعة المتجولين فصالا وتدقيقا. يعد الدكتور محجوب دراسة عن “المدلول السيكولوجي لأزمة المرور في مصر”، ويطلب من الشاويش أشموني “التعرف على رؤيته المكتسبة من واقع احتكاكه اليومي بقضايا المرور في مصر”. تثيره دائما الخادمة سعاد بأنوثتها الطاغية: “يابت عمالة تهزي يمين وتهزي شمال لما طيرتي برج من نافوخي”، وحينما يحاول الانقضاض عليها طالبا “بوسة واحدة مش أكتر” تفلت بمناورة بارعة وتقول “كله ممكن، بس في الحلال”. الدكتور محجوب هو والد عنتر الولد الشقي في البرج والذي لايكف عن تدبير المقالب للجميع وخاصة الشاويش أشموني عسكري المرور.

تهتز ضاحية المعادي بجريمة مقتل الممثلة الشهيرة أحلام الشواربي والعثور على جثتها عارية في مصعد “برج السعادة”، وتحوم الشبهات حول المنتج السينمائي شكري شاكر الذي يلقي بشباكه بعد مقتل أحلام حول أختها ديدي. بعد شهور قليلة من وقوع الجريمة يفاجأ سكان البرج بظاهرة غريبة في الشقة التي يعتقد أن أحلام قتلت فيها حيث يتطاير أثاث الشقة ويسقط في الشارع قرب التقاطع الذي ينظم المرور فيه الشاويش أشموني. يلجأ صاحب الشقة إلى استخدام أخصائيين في تحضير الأرواح لطرد الأرواح الشريرة من الشقة ويقع اختياره على عبد الملاك الذي حصل على شهادة في الباراسيكولوجي. يلتقي عبد الملاك بالصدفة مع فرح التي كان يحبها أيام الدراسة في الجامعة ويحاولان أن يعيشا قصة حبهما من جديد إلى أن يكتشف عبد الملاك حقيقة علاقتها بالمليونير الذي تسكن شقته. تحاول الصحفية إصلاح المهندس كشف أسرار الجريمة بعد أن حصلت على كشكول مذكرات الممثلة من أمها، لكن شكري شاكر ينجح بصلاته القوية في وقف التحقيق ونشر أي شيء عنه، وتتعرض إصلاح للابتزاز بحرمان أخيها من وظيفة لم يكن قد حصل عليها بعد، وهي وظيفة عرضت عليه لاستخدامها كوسيلة للضغط على إصلاح. تلتقي إصلاح المهندس ذات يوم في مصعد البرج بكريم نافع الذي يتمكن من اصطحابها إلى شقته في غياب زوجته، ويقنعها بأنه وقع في حبها، وتقع إصلاح، التي لم تهتم أبدا بأنوثتها وجسدها، ضحية هذه الغواية في مشهد ساخن ومعبر. كما ينجح المنتج السينمائي في إسكات الشاويش أشموني الشاهد الوحيد على ظهور الممثلة معه ليلة الجريمة. ومع أن ضمير أشموني يستيقظ في النهاية ويحاول الإبلاغ عما لديه من معلومات، يستخف به ضابط الشرطة، ويعزو اعترافه إلى اختلال أعصابه، كما يتعرض أشموني للضرب والابتزاز من أعوان شكري. وتغرق الحقيقة في دوامة أحداث متلاحقة من الاغتصاب والابتزاز والسحر والشعوزة وتحضير الأرواح في احتفال لاستقبال الألفية بإيقاعات بذيئة مرتجلة تصور واقع برج السعادة المتوهمة وتعكس الذهنية المنحطة لساكنيها ”خللي المزاج يشعشع، والرقص يلعلع، خلي الدولارات تهل، والملاليم تفلسع، باي باي للعناد، وهاللو للانسجام، باي باي للضنك، وهاللو للعم سام“.

ولعل القارئ يتساءل “أين عنتر؟” الذي تحمل الرواية اسمه، فقد كان ظهوره محدودا وغير مؤثر إلا في بعض المواقف التي كانت تتلبسه فيها الأرواح التي يتم تحضيرها في شقة الجريمة ويتكلم بصوت شيطاني، كما يحدث في أفلام تقمص الأرواح أو “البولترجايست”، مصدرا أحكاما على الجالسين: “كلكم ظلمة وكلكم عارف نفسه. ح تروح من ضميرك فين يا أشموني؟”.

وواقع الأمر أن “الطفل الشقي” في هذا النص هو المؤلف نفسه. وهو الأمر الذي يحتم على القارئ أن تكون عينيه في رأسه دائما كما لو كان في حضرة ولد شقي مراوغ يأتي بكل ماهو غير متوقع. وقد استطاع هذا المؤلف “الشقي” أن يجر القارئ إلى دوامة صاخبة من الشخصيات المتشابكة والأحداث المتلاحقة والأحكام والتقييمات التاريخية والاجتماعية على لسان كل شخصية حسب توجهاتها وهواها. أحكام على الثورة وعبد الناصر والسادات وحرب 67 و 73 وحرب الخليج، وعلى التعليم والتطبيع والديمقراطية والحرية وثورة الطلبة، وجميل البطوطي، والسي إن إن، والتحيز الإعلامي. وهي كلها في النهاية أحكام تصدر عن عقل مثقل بمتغيرات العصر وبالهيمنة الإعلامية وسيطرة الكولونيالية الجديدة على مقدرات وفكر أفراد وشعوب يسعون إلى خلق واقعهم الجديد في الألفية الثالثة لكنهم لا يملكون فكاكا من قبضة التحكم والسيطرة التي تفرضها القوة.

وتغوص الرواية في التاريخ السياسي والاجتماعي على مدى عقود متصلة من الزمان. ومن خلال الرؤية الذاتية لأبطال متنوعي الأنماط، تكشف الرواية عن واقع سوريالي يعوزه الاتساق، ويتحول الواقع إلى سيرك يكتظ بالبهلوانية والسحر ، وإلى مولد ”صاحبه غائب“ نظرا لغياب القدوة والنموذج في واقع مهترئ، وتتحول معظم شخصيات الرواية، وقد فقدت اتجاهها، إلى شخصيات مغيبة، عاجزة عن التصدي للاختراق الذي اقتحم واقعها الإنساني فحولها إلى كائنات مادية همها المال والجنس والشهرة الزائفة.

“عنتر …”، هي في النهاية تجسيد للصراع الذي يمثله “برج السعادة”: الصراع بين من هم داخل البرج، ومن هم خارجه. بين من يملكون ومن لا يملكون. صراع ذوي الملايين وأصحاب المصالح الكبرى ومراكز القوى أيا كانت، من ناحية، والمهمشين المحبطين فاقدي القدرة والجاه، من ناحية أخرى. وتركز الرواية على أن هذه الفئة الأخيرة هي الفئة التي ضحت وحاربت وظُلمت واستُغلت، وكان والد أحلام الشواربي ووالد إصلاح المهندس من شهداء حرب 73، كما حارب الشاويش أشموني في حربي 67 و 73.

ويأخذ هذا الصراع بعدا عالميا عن سطوة الإعلام وجبروت القوة السياسية حينما يتعرض المؤلف لأحداث من قبيل سقوط الطائرة المصرية قرب الشواطئ الأمريكية ومصرع جميع ركابها وإلصاق تهمة سقوط الطائرة بقائدها بعد إعطاء عبارة “توكلت على الله” التي تفوه بها البطوطي قبل سقوط الطائرة تفسيرا غريبا ومريبا.

وفي حوار دال بين الشاويش أشموني والدكتور عبد الملاك يمسك هذا الأخير برزمة من الدولارات يلوح بها في وجه أشموني ويقول له ساخرا: “هي دي اللي بيشترونا بيها”، فيرد أشموني في ابتسامة تقطر حزنا: “عشان هم يشترونا لازم احنا الأول نعرض نفسنا للبيع”.

ومع أن المؤلف استطاع بحرفية فنية شديدة أن ينسج كل هذه الأحداث ويربط بينها ويعرضها من أكثر من زاوية في نص صاخب وغني بالرؤى والأبعاد، لا بد من الإشارة إلى نقطة ضعف أساسية شابت النص في صياغته النهائية مما كان يستلزم الأمر معه مراجعته مراجعة تحريرية ولغوية، فنحن مثلا نقول: “ياما جاب الغراب لأمه”، وليس “يامجايب الغراب لأمه”، و”الطمع يقل ما جمع” وليس “الطمع ياما قل ما جمع”، ونقول ثومة أو سومة وليس سوما، و”نفيسة” وليس “نفيثة”، وندى الفجرية وليس ندا الفجرية، وتبلبط في الهوا وليس تبربط في الهوا، ومياصة بمعناها العامي وليس مياسة، و”تحملتِ” كثيرا وليس “وتحملتين كثيرا”، وعمَّ تبحث وليس عما تبحث، والأثاث الاسكندينافي وليس الإسكنديناوي، وزدادشت وليس زارتوسترا. هذه الهنَّات الكثيرة في النص مقلقة ومشتته لفكر القارئ الواعي ومتابعته للنص خاصة حينما يكون النص حافلا بقضايا هامة ووقائع بالغة التشابك والتعقيد وتتطلب متابعتها تركيزا شديدا من القارئ.

في يوم الغواية، حينما زارت إصلاح المهندس كريم نافع في شقته، وقفت أمام مكتبته تطالع عناوين مهمة لإدوارد سعيد وجارودي وشومسكي وماركيز وبهاء طاهر وسول وينكا النيجيري الحائز على نوبل في الأدب عام 1986 وفاتيكيوتس صاحب واحد من أهم المؤلفات عن تاريخ مصر الحديث، وتطالع أيضا عملا بعنوان “عجميست: قصص قصيرة لكاتب لم تسمع عنه”. هذا الكاتب هو محمد توفيق نفسه. وظني أنه الآن، وبعد نشر “عنتر …”، أصبح الأمر مختلفا، ذلك أن عملا على هذا المستوى من العمق وتعدد الأبعاد والبراعة الفنية كفيل بأن يضع صاحبه في طليعة الروائيين الجادين والمرموقين.

مقتطف من:

طفل شقي اسمه عنتر

عندما تكتشف أنك تتأمل جسدك كأنما تراقب جسد شخص آخر، تدرك أنك قد مت.

بيد أن إدراكك هذا، رغم بداهته، يبقى استنتاجا. مجرد افتراض تؤيده بعض الدلائل والمؤشرات، وحقيقة الموت تظل غائبة عنك. فالممات كالحياة، رحلة، مغامرة بلا مقدمات، تفرض عليك فرضا، دون فرصة لأن تقبل أو تأبى. بلا أسئلة تطرح أو إيضاحات تقدم. دون استعداد مسبق لخوضها. سقوط مفاجئ، أم هو صعود؟ أيهما في خضم حيرتك لاتدري.

ساعاتي الممتدة أمام المرآة. فتنتي المتربعة فوق عرش الشاشة الذهبية. عيناي الهائمتان على أغلفة المجلات، زهوي النرجسي وتواضعي الخدَّاع، كلها لم تشبع عينيَّ بجمال حقيقي طالما تمنيته، فكان علىَّ أن أنتظر الأجل حتى أستسيغ حلاوتي الجسدية، كان علىَّ أن أشاهد جثتي تجر فوق الرخام اللامع، ثم تلقى هامدة على أرض المصعد.

ولم أر جسدي قط بهذا الجمال. لحظة تحرري غير الفاطن. جمال تجلى بعد أن تجرد الجسد من غضبه. ذلك الغضب الذي لازمني في رحلة العمر ثم استمر في ملاحقتي بعد الممات. لفظه الجسد المسترخي في رقدته الأخيرة، فلحق بي وأخذ يحاصرني. غضبٌ أبقي من الجسد الذي ولَّده. كالعفريت، تجسد أمامي، قبيح في هيئته، مخيف في عناده، مضاعفا هلعي ولوعتي. رد نظراتي بنظراته الوقحة. وقاحته من وقاحة اللحظة. لحظة انتهاكي وأنا جثة هامدة، تتويج لاغتصابي السابق. إغتصابي المتكرر في أكثر من صورة وشكل. إغتصابي الممتد عبر الأيام والسنوات.

“من أقوال أحلام الشواربي، ص 288، 289”.

محمد عبد السلام العمري في “صمت الرمل”:

تعددية الصراعات الذاتية في مجتمع الراضخين

لسيف السلطان

سيظل دائما من المشاهد الأثيرة والمعبرة والمفعمة بالدلالات في قصّ محمد عبد السلام العمرى، بل وربما، على الإطلاق، في أدب الاغتراب الذي جاء تعبيرا عن هذه الظاهرة التي سادت السبعينات لأسباب اقتصادية أو سياسية، مشهد الختام في روايته قبل الأخيرة “اهبطوا مصر”*. فقد كان ذلك المشهد تتويجا لمغامرة مثيرة خاضها بطل الرواية عمرو الشرنوبي، المعماري المصري الذي كان يعمل في بلد عربي نفطي، لكي يعود إلى وطنه، رافضا بإصرار ووعي كل المحاولات التي استهدفت تهميشه وكبح حريته وطمس هويته وإخضاعه لعسف الكفيل والسلطة والثقافة المحلية المهيمنة. وكان هذا الموقف هو جوهر تلك الرواية الفريدة الذي جعل من بطلها بطلا نموذجيا ورمزا للدفاع عن الذات والهوية الوطنية في مواجهة رياح التغيير وكل أشكال الضغوط.

“صمت الرمل”** هــي الجزء الثاني في متتالية “اهبطوا مصر”، ولا أقول ثلاثية أو رباعية، لأن هذا أمر لم يتضح بعد بالنسبة إلى القارئ، وربما بالنسبة إلى المؤلف نفسه، فهو يرصد قضايا مفتوحة ومتشعبة ومتجددة أبدا، وهي قضايا تتعلق بالفرد والأمة والثقافة والهوية. وتتشابك هذه القضايا على المستوى الأفقي مع اختلاف الثقافات الأساسية والخلفيات الاجتماعية الاقتصادية والعادات والتقاليد الراسخة، كما تتشابك على المستوى الرأسي مع التفاعلات الفردية للشخصيات البالغة الاختلاف فيما بينها من حيث تكوينها الثقافي والنفسي وخلفيتها الحضارية والأنثروبولوجية.

نقطة البداية في “صمت الرمل” هي عودة عمرو الشرنوبي مرة أخرى إلى البلد الصحراوي الذي كان قد بذل المستحيل لكي يهرب منه ومن أسره. وعلى الفور ستشكل هذه العودة انتقاصا من المقومات الأساسية لشخصية هذا البطل وتراجعا أساسيا في العناصر المكونة لهذه الشخصية. ولذلك فإن المؤلف يحاول كثيرا أن يتجاوز هذا المنزلق سواء بالتبرير أو بالتساؤل: “هل كان حلما أم حقيقة؟ بدا مساقا بفعل قوى خرافية وهلامية، يحاول قدر إمكانه الإختلاء إلى نفسه، يطرح الأسئلة، يعزل مكوناتها عن بعضها حتى لا تتوه الرؤى وتتسرب الأحلام، ويعرف الدافع الحقيقي لمجيئه ثانية” ص19. لكنه كان قد قال بالفعل في مناسبة سابقة (عن عمرو الشرنوبي) أن حصاره كان قد استمر عاما وبعض العام، وتساوى لديه في لحظة ما العمل في أرض لا يرغبها ولا يحبها، مع عدم العمل في أرض يحلم بالموت في ثراها. وبناء على هذا الاعتقاد فقد تقدم لوظيفة أعلن عنها للعمل من جديد في ذلك البلد الصحراوي.

عمرو الشرنوبي كما عرفه القارئ في “اهبطوا مصر” شخصية قوية، صعبة المراس، يختار دائما الطريق الصعب، لا يعرف المداهنة ولا المهادنة، لكنه في ذات الوقت ذو قلب رومانسي مرهف يضعف أمام الجمال الحسي والعقلي وينساق للعاطفة ونداء القلب. وهو أيضا شخصية انطوائية أو داخلية النزعة، يرى أن سر قوته يكمن في عناده ورفضه ووحدته. وهو أحيانا أسير خيالات وأوهام يصنعها بنفسه كأن يتصور أنه محاصر أو مستهدف من آخرين لأسباب لم يتمكن أبدا من توضيحها للقارئ.

بهذه الشخصية المركبة يعود عمرو الشرنوبي إلى بلاد الرمل، حيث يقدم لنا محمد عبد السلام العمري ما يمكن أن نطلق عليه تنويعة أخرى على لحن “اهبطوا مصر”. وسيتابع المؤلف في عمله الجديد مصير بعض الشخصيات التي عرفها القارئ في العمل الأول، وسيتعرف القارئ على شخصيات جديدة، لكن هذه الشخصيات عموما، قديمها وجديدها، تندرج في نفس الهيكل الذي حدده المؤلف في العمل الأصلي. وهذه الشخصيات تندرج تحت فئتين: فئة الذين يملكون، وفئة الذي لا يملكون. فئة الشيوخ والكفلاء وأصحاب المال، وفئة “الشغيلة” القادمين من مصر والسودان واليمن والهند وبنغلاديش وغيرها من البلاد غير البترولية التى انطلقت منها تدفقات الكفاءات والعمال المهاجرين صوب تلك البقع النفطية على خريطة الثراء المرتقب والمنشود.

وتكاد هاتان الفئتان أن تشكلا طبقتين متصارعتين. أما الطبقة الأولى، وهي طبقة الذين يملكون، فهي الطبقة المهيمنة التي تحاول أن تفرض إرادتها وقيمها وسلوكها على الفئة الثانية، الفئة التابعة. ولأن الفئة المهيمنة تملك مقاليد السيطرة، لأنها التي تمنح وتمنع، وتستقدم وتطرد، وتسجن وتعفو، ولأنها تعيش في بيئتها الأصلية، ثابتة مستقرة، فإنها قادرة بسهولة على فرض إرادتها على الفئة الثانية، وهي فئة مجزأة ومشرذمة، تتألف من عناصر بالغة التباين في خلفياتها الإثنية والفكرية وفي نظرة أفرادها للأمور وللأهداف التي يتوخاها كل فرد من أفرادها. ومن هنا فإن ذلك الصراع يأخذ مايسميه ميشيل فوكوه شكل “تعددية الصراعات الذاتية التي تتفاعل من خلال المستويات الجزئية في المجتمع”. ولذا فهي تتجاوز قضايا الصراع الطبقي كصراع ذي طابع كلي إلى قضايا تمس “ذات” الأفراد المشتبكين في هذا الصراع، ويتحول النص إلى ما يمكن أن يطلق عليه “إثنوغرافيا سردية” تتناول حياة فئات متباينة من البشر وخلفياتهم الثقافية وسلوكهم الحياتي، ويتحول المؤلف إلى باحث إثنوغرافي مدقق ملقيا الضوء من وقت لآخر على جوانب بالغة الأهمية من “تاريخ” و “نفسية” و “تراث” و”طقوس” الشخصيات التي يتناولها. على أن السرد الإثنولوجي للعمري لا يتوقف عند حد تصوير “الحالة الميدانية” شأنه في ذلك شأن الباحث الإثنوغرافي أو الأنثروبولوجي، لكن براعته تتجلى في توظيف عناصر ونتائج هذه الحالات لخدمة عمله الروائي. وبينما هو في صلب عرض تقريره الميداني نراه يدلف فجأة إلى عرض جوانب شخصية لحياة العديد من الشخصيات الثانوية التي تعج بها الرواية، ويقدم إلى القارئ صورا إنسانية آسرة يملأ بها فجوات ذلك التقرير الميداني ويزيل جفاوته. ومن خلال هذا الأسلوب تعرف القارئ على شخصيات فصيل آخر من المهاجرين القدامي من الإخوان المسلمين الذين لاذوا بتلك البلاد هربا من بطش السلطة وسجونها. وفي سهراتهم في ليل الغربة يسترجعون بعض ما تعرضوا له من مآسي السجن والتعذيب والمهانة، ويكشفون عن الندوب التي خلفتها تلك الأيام على أجسادهم ونفوسهم.

ومما يرمز إلى هيمنة الفئة الأولي عبر النص مجازية السيف التي تؤرق الراوي. ففي زيارة عابرة لأحد أصدقائه المغتربين في ذلك البلد الصحراوي استلفت نظره سيف معلق على الحائط. ولدهشته عرف أن هناك مصنعا للسيوف افتتحه أحد الشيوخ، وأن له من السطوة ما يفرض على أي متعاقد أن يشترى هذا السيف وأن يعلقة، وإلا فقد يكون مصيره الترحيل من البلاد. أصبح مرأى ذلك السيف (ودلالته) هاجسا يؤرق عمرو الشرنوبي. وحينما هرب من مرآه عند صديقه وتوجه إلى إحدى المقاهي بوغت به أيضا معلقا أعلى “النصبة” مستقيم النصل. استطاع أن يقنع العامل اليمني بأن يحضر له السيف كيف يتفحصه. “لمح بعد أن أزال الأتربة كتابة باهته رغم أنها جديدة، حاول قراءتها، كتابة منقوشة وخط رديء، وكانت بين قوسين (العز في الطاعة والغنى في القناعة). ومع أن المقصود بالعبارة، عادة، أن العز في طاعة الله والغنى في ما قسم به، فإن استخدم الراوي لهذه المجازية، في هذا السياق، هو تأكيد لسلطة وهيمنة أخريين تفرضهما فئة مهيمنة على فئة تابعة.

وقد تعرض الراوي نفسه للكثير من أشكال التعسف من قبل هذه السلطة المهيمنة، واقتيد اكثر من مرة إلى مخافر الشرطة لادعاءات وهمية بأنه يخرق قوانين البلد، لكنه سرعان ما يخلى سبيله إثر تدخل، في إحدى المرات، من إحدى السيدات ذوات النفوذ في ذلك البلد، وهي رئيسة ممرضات مصرية استطاعت أن تجعل من نفسها مركز قوة مستعينة في ذلك بكل الأساليب التي أتاحها لها جمالها وقوة شخصيتها. وبالمناسبة، فإن هذه الشخصية النسوية هي واحدة من العديد من الشخصيات النسوية التي تتناولها الرواية واللائي حققن لأنفسهن وأزواجهن الثروة والاستقرار، وربما الجنسية، نتيجة للدخول في شبكة علاقات اجتماعية وجعل أنفسهن “سلَّما للأحلام”. يقول الراوي: “عرِفَ لم بعض هؤلاء الممرضات طاغيات وساحرات. يتزوجن لممارسة الأمومة وللحفاظ على الشكل الاجتماعي. لا يتزوجن إلا الذين يرون فيهم سلما للصعود والتعرف إلى الطبقات العليا من المجتمع.”

اختلط عمرو الشرنوبي بهذا الوسط بحكم عمله في بناء المستشفيات والرسوم المعمارية لكبار المسؤولين. لكنه يقع في حب سناء الفنانة الرسامة، مدرسة التربية الفنية. وكان قد تعرف على والدها في إحدى الحدائق العامة. وقد قامت بينهما صداقة وطيدة قررا بناء عليها أن يرتبطا بالخطوبة. وكان ذلك إبان اتفاقات كامب ديفيد، وحملة المقاطعة ضد مصر. ويبدو أن مجاهرة سناء بالدفاع عن بلدها كلفتها وظيفتها. وفوجئ عمرو الشرنوبي بترحيلها من البلاد.

ومثلما يتصدى عمرو الشرنوبي لأحوال هذه الفئة الواردة بكل ما تنطوي عليها من خصال، فهو يتعرض أيضا لفئة “الذين يملكون”، الشيوخ، أصحاب المال، أبناء البلد المتحكمين والمهيمنين والذين لا يقبلون إلا بما يريدون. حكت له سناء ما علمت عن شروط الخضوع والخنوع وعن المحظورات التي يجب أن يبتعد عنها الفن المصري حتى يسمح له بالتداول في تلك البلاد.

وكجزء من تركيز المؤلف على الطابع والسمات والطقوس الثقافية التي تميز أهل ذلك البلد، تحفل “صمت الرمل” بالكثير من الحكايا التي تلقي الضوء على حياة هؤلاء الناس وعاداتهم وتقاليدهم. والانطباع العام الذي يخلفه تناول المؤلف لهذه العادات والتقاليد هو أنه انطباع رافض لسلوكيات هذا المجتمع وللكثير من عاداته وتقاليده. وفي معالجة مسألة العادات والتقاليد والمسلك الثقافي لمجتمع ما فإن القضية التي تفرض نفسها هي قضية قبول الآخر أو رفضه ووجوب ألا تخضع هذه القضية لاعتبارات فردية أو ظروف نفسية معينة، فهناك الكثير من التصرفات وضروب السلوك التي تكون مقبولة في حضارة ما ولا تقبل بها حضارة أخرى.

وكمثال على ذلك فقد أفاض الراوي إلى حد يثير غثيان القارئ في ولع “الشيخ” باقتلاع عيون الصقور وطهيها وتناولها، لما يتنسمه في هذه الوجبة “من سرعة البديهة والذكاء بعد أن يقوم بفرزها وانتزاع عيونها عنوة إثر ربطها.” لكن تجربة الشيخ في تدريب الصقور وترويضها هي تجربة دالة لعلها تجسد في النهاية تجربة عمرو الشرنوبي في رحلة عودته إلى بلاد الرمل. يقول الراوي: “يعاود الشيخ تدريباته (مع الصقر) حتى يستأنسه ليصبح طائرا مطيعا. نسي السماء والانطلاق، وتعامل مع مصيره بشهامة.”

وللأسف، فإن هذا هو المصير الذي آل إليه عمرو الشرنوبي في آخر الرواية وتحول إلى صقر مدجن. يدل على ذلك المقارنة بين الصفحات الأخيرة في “اهبطوا مصر” حيث عمرو الشرنوبي يلهث في العودة إلى وطنه عزيزا مكرما، بينما هو في “صمت الرمل”، بعد أن اقتحمت الشرطة مكتبه ومنزله، ربما لعلاقته السابقة بسناء، وحطمت محتوياتهما وما بهما من لوحات لها، نراه خائفا مرتعدا مذهولا. “فكر في تصفية المكتب أو التنازل عنه. هل سيسمح له أبا الخير بالرحيل أم أنه واهم؟” ويكون قراره في النهاية أنه “لن يطلب مغادرة البلاد والأمور هكذا منهارة وفي الحضيض. لن يرحل إلا بعد إعادة الأمور إلى نصابها.” الصقر القديم لم يعد يقوى على الطيران.

“صمت الرمل”، بكل صراعاتها ومثالب شخصياتها واختراقها لعالم شديد الانغلاق والخصوصية، وكشفها عن ضروب صارخة من العلل الاجتماعية التي يفرزها مثل هذا المجتمع، من شهوة السلطة والهيمنة وفرض إرادة الذات (وبخاصة ضد الأجنبي)، إلى سطوة النساء والجنس والثروة، واختطاف واغتصاب الأطفال، والبزخ الصارخ، والفقر الشديد، وسوء استغلا ل الثروة، واستغلال المهمشين وكسر إرادتهم، هي في كل ذلك عمل مقلق حتى النخاع، وقد تجسد هذا القلق بقوة في شخصية بطل الرواية عمرو الشرنوبي، واستطاع العمرى ببراعة قص ـ تجلت بشكل خاص في هذا العمل ـ أن ينقل هذا القلق إلى القارئ لحظة بلحظة دافعا به أحيانا إلى ذروات (ممتعة فنيا) من التوتر والانقباض والغثيان. كما استطاع أن يسيطر على شخصياته والتحكم في تصرفاتها ورسم سلوكها وضمان اتساقها وتطورها خلال هذه العملين الكبيرين.

مقتطف من “صمت الرمل”

“قال أحدهما: مصرى أنت؟ قال: نعم. قال له بلهجة مصرية: آه ياقفل!! انتبه إلى ضحك الآخر قائلا بلهجة باكستانية: “مخ مافي”. ثم قال الثاني: فتح مخك ياأخ. إيش مهندس؟

ظهر تردده واضحا. تقترب الساعة من الواحدة صباحا. يعرف مقدار القوة الجاهلة والغاشمة للعسكر البدو. إنهم يعادلون الهجانة المصريين الذين لم يرهم لكنه سمع عنهم كثيرا. لكنه يراهم الآن مجسدين، واقفين أمامه، يتهمونه بالغباء.

استعان بمخزون طاقته من الصبر والهدوء والسماحة، فلا تصلح المعاملة الندية والمتحضرة مع هؤلاء، وقد عرف أن هذا الفراغ وهذا الصمت يجعل الإنسان هكذا تافها، ليس لديه مخزون من الحكمة أو العقل أو الثقافة، أو حتى مراعاة شعور الآخرين. انتبه في تلك اللحظة فقط إلى أن بإمكانهما إيداعه السجن حتى يظهر له صاحب، كما قالا.

عندما أخرج حافظته قال أحدهم: دا احنا اللي دهنا الهوا دوكو. وقال الآخر: دا احنا اللي خرمنا الغربال. يتكلمون بلهجة مصرية تشوبها لكنة بدوية. إنتبه إلى مونيتور صغير موضوع أعلى سيارة أحدهما يذيع إحدى مسرحيات عادل إمام.”