ابراهيم نصر الله فى شرفة الهذيان

من طيور الحذر الى طيور الانتفاضة واعادة اختراع ادب اللامعقول

أطلق مصطلح اللامعقول أساسا علي مسرح اللامعقول الذي ازدهر خلال النصف الثاني من القرن الماضي والذي يعيد إلي الأذهان علي الفور أعمال صمويل بيكيت وبخاصة مسرحيته الشهيرة في انتظار غودو . لكن بعض اللغويين يعيدون المصطلح إلي وقت سابق علي ذلك ويربطونه بالمذهب الفلسفي الوجودي وبأعمال الفرنسي ألبير كامو، ويفسرونه بأنه تعبير عن شعور إنسان العصر الحديث بفقدان الهدف في عالم يفتقر إلي المعني والقيمة.

ولكن سرعان ما خرج هذا التعبير عن نطاقه الفلسفي ليشمل أيضا الرواية النثرية، وإن كان ظل يحتفظ بنفس العنصرين، الفلسفي والنثري، في الأعمال الروائية لفرانز كافكا وألبير كامو وغيرهم. وأصبح من الممكن تلمس هذه النزعة في الكتابة لدي معظم الروائيين من غوغول وديستوفسكي وديكنز إلي جوزيف كونراد وهنري جيمس وفلاديمير نابوكوف، علي سبيل المثال لا الحصر. وكان أهم ما تميزت به الأعمال البارزة في هذا المجال بعدها عن المألوف شكلا ومضمونا. فمن حيث الشكل، اتسمت، إلي جانب تخليها عن فكرة الحبكة الروائية، بكسر الإطار التقليدي للسرد واللجوء إلي استخدام المقتطفات واللقطات والحوارات المعرفية والحكايات القصيرة والاسكتشات وقصائد الشعر والنثر فضلا عن التناص مع أعمال أخري.

أما المضمون فهو غرائبي ومخيف وينزع أحيانا إلي الكوميديا السوداء، وينطلق من رؤية تؤكد علي تناقضات الواقع وقسوته. ولا عجب والأمر كذلك أن تحفل هذه الأعمال بالرؤي القاتمة للواقع الذي تفرضه الممارسات الفظة لسلطات الطغيان والقمع وانعدام الحريات.

في ظل هذه الخلفية، يفتتح الروائي والشاعر الفلسطيني المرموق إبراهيم نصر الله أحدث أعماله الروائية شرفة الهذيان (روايات الهلال، أيلول/سبتمبر 2005)، بفصل بعنوان أغنية البداية ، لكن سرعان ما سيكتشف القارئ أنها ليست أغنية بل هي كابوس الرعب والجحيم الذي يواجهه المرء مع افتقاد حريته في مواجهة قوي القمع التي تحوله إلي مجرد كتلة من العري فوق كتلة العري التي تحتها فوق كتلة العري الأخري التي تحتها بينما الجلادون حول الضحية يشرعون حماستهم وهم يتضاحكون، في إشارة صارخة لانتهاكات سجن أبو غريب، التي سيرد ذكرها في الرواية في ما بعد، بشكل صريح ومباشر، بل ومع إدراج صورة فوتوغرافية لهذه الكتلة من العري التي سماها الراوي تل الرجال في سجن أبو غريب .

وبمناسبة الحديث عن إدراج صورة سجن أبو غريب في متن الرواية، أود أن أشير إلي أن النص، في سعيه إلي كسر جميع أشكال السرد التقليدية لجأ إلي استخدام الصور الفوتوغرافية والقصاصات الصحافية وإلي قصائد الشعر ومقتطفات السيناريو والمسرح في ما يمكن أن يطلق عليه أسلوب السرد المتعدد الوسائط وهو أسلوب لم تعرفه من قبل الرواية العربية. وكان لهذه الصور الفوتوغرافية تأثيرها الفعال في النص في رسم الأجواء التي يريد أن يعبر عنها المؤلف.

فإلي جانب صورة سجن أبو غريب هناك صور هزت العالم وضمير الإنسانية مثل صورة الطفل الشهيد محمد الدرة، وصورة اختراق الطائرات الانتحارية لبرجي نيويورك التي أطلقت شرارة عصر ما بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. وفي أحيان كثيرة يتدخل الراوي شارحا للقارئ أبعاد واقعة معينة أو موضحا أن ذكرها سيأتي في ما بعد أو معلقا تعليقات عابرة علي علاقة الأشخاص داخل النص وهو ما يؤكد شكل النص الشارح أو الميتارواية الذي آثر المؤلف أن يتخذه لهذا العمل الفريد. شرفة الهذيان هي قصة تحول بطلها رشيد النمر من شخص متفائل إلي حد لم يخطر له ببال وهو في طريقه لاستلام عمل جديد إلي شخص كافكاوي معقد وخائف يعاني الإقصاء والعزلة حتي داخل بيته بين زوجته وأبنائه، ومن شخص رومانسي يقع في حب ممثلات السينما ويعشق المعرفة والشعر وصحبة العصافير إلي شخص عملي متجرد من نوازعه النبيلة إلي أن ينتهي به الأمر بالتربص بالعصافير في شرفة منزله شارعا سكينه لقتلها واحدا إثر الآخر إرضاء للسلطة القمــعية (وخوفا منها) وسعيا إليها كمخرج وحيد من مركزه المهمش والمأزوم في ظل مجتمع تحكمه أعين العسس وتغلب عليه السلبية والخنوع لقرارات السلطة الجائرة.

وتمهيدا لرحلة التحول تلك، تبدأ الرواية باغتيال عصفور، تسقط قطرات من دمائه علي حلته الجديدة التي توجه بها إلي مركز عمله الجديد الذي يطلق عليه مجازا المركز الصحافي . أسرَّ إليه المدير الذي انتهت خدمته، والذي تسلم العمل منه، ببعض المحاذير والممنوعات التي كان أهمها ألا يسمح لأي صحافي بالصعود إلي سطح المبني لالتقاط الصور. كان عليه فقط أن يجلب له طاولة يضعها وسط الساحة لكي يعتليها الصحافي ويلتقط الصور التي يريد وهو فوق الطاولة. وحذره أيضا من أن يحاول أي صحافي أن يوجه كاميراته ناحية الغرب، فهذا ممنوع، يمكن له أن يلتقط الصور من جميع الجهات، ما عدا الغرب.

وسيظل أمر هذا المركز الصحافي سرا غريبا إلي أن يكتشف رشيد النمر ذات يوم أنه ليس هناك أي شيء يمكن تصويره لا شرقا أو غربا، ولكن التعليمات هي التعليمات، وكان عليه أن ينفذها حرفيا. وحينما قرر ذات يوم أن يصلح رأبا في أحد حوائط المركز، فوجئ في اليوم التالي، وقد أعد الأدوات والمواد اللازمة لذلك، بأن هذا الرأب قد جري إصلاحه ليلا. وفوجئ بمسؤول الأمن ينذره بألا يفكر مرة أخري في الإقدام علي أي خطوة من هذا القبيل من تلقاء نفسه.

المركز الصحافي لم يكن إذن سوي الخلفية التي ينطلق منها المناخ المخابراتي والقمعي الذي سيسود الرواية بعد ذلك في تجليات تعامل السلطة مع البشر وتعامل البطل مع جاره أستاذ الجامعة وأفراد أسرته وبائع العصافير التي صدرت أوامر من الحكومة بعدم اقتنائها وبأنها ستدفع عشرين قرشا مقابل كل عصفور حي أو ميت يحضره أي شخص لأي مركز أمن في حارته أو مدينته أو قريته. وكان رشيد النمر قد حقق حلمه القديم باقتناء عصفور ووضعه في القفص في شرفة بيته لكنه صحا ذات يوم ليجد أن الصقر قد التهمه.

تتتابع فصول الرواية في أحداث كابوسية من وجهة نظر رشيد النمر الذي جاءه الشرطي ذات يوم حاملا بعض الأشلاء طالبا منه دفنها عميقا. وحينما سأله: وما علاقتي بهذا؟ قال له الشرطي: هذا حُلم عبر شرفة بيتك العالي بعد منتصف الليل . قال للشرطي إنه لم يحلم. قال له الشرطي: أتريد أن تقول إنك تعرف أكثر مني؟ وهل أنت واثق من أن أبناءك أو زوجتك لم يحلموا في غفلة منك؟ قال: بالتأكيد. وحينما سأله الشرطي بغضب: لماذا؟ رد رشيد النمر قائلا: لأنني قتلتهم. ويكمل الراوي: ـ وهل دفنتهم كما ينبغي؟

تلعثم: غير متأكد.

ـ عد لأسرَّتهم وتأكد. قال له الشرطي بلطف باغته.

ولم يكن ثمة سبب للطفه، غير أن هذا الشرطي، مثل بقية الشرطة هنا، يعرفون جيدا أن هذا الخطأ الذي وقع فيه رشيد النمر هو واحد من الأخطاء الشائعة في هذا البلد، كسواه، لا أكثر . منذ هذه اللحظة يتعامل رشيد النمر مع أفراد أسرته علي أنهم ميتون، وعلي أنه هو الذي قتلهم. لكن أحداث الرواية تستمر كما لو كانوا علي قيد الحياة. تطلب منه زوجته أن يترك الغرفة إلي الشرفة كلما أرادت هي أن تدخن سيجارة، وهكذا يطلب منه الأبناء كلما حاولوا مشاهدة توم وجيري في التليفزيون. هو يصر علي اقتناء عصفور وهم يصرون علي اقتناء كلب، لا يشعر بوجوده إلا في أحلامه وخيالاته واسترجاع لحظات العشق القديمة. في لحظات التألق السردي، يعبر المؤلف، شعرا، عن أزمة البطل

: تأمل الرجل الذي في المرآة

لم يعرفه، لم يذكره بأحد أو بشيء

لكنه بدا مستسلما لقدره كصحراء

ما الذي يمكن أن يفعله برجل آخر؟

رجل آخر لا يعرفه.

يدخل رشيد النمر في جدل دائم مع طفله الصغير الذي يصر علي اقتناء الفيلم السينمائي للبرجين المخترقين، وهو يحاول إفهامه أنه ليس فيلما سينمائيا، ومع زوجته التي تلومه دائما علي تركه عمله السابق (في الخليج): الآن، انظر إلي نفسك. تسير جنب الحائط كما لو أنها ستسقط عليك، وتغلق باب الشرفة وشبابيك المنزل كلما أردت أن تتنفس.

تؤنبه في مكان آخر: أكان عليك أن تحلم؟ أكان عليك أن تصل إلي ذلك الحد من الرعونة بحيث تفكر في اقتناء العصافير؟ ولكن ما فائدة هذا الكلام الآن؟ . ورغم الحملة الشعواء من الحكومة علي العصافير، واشتراك رشيد النمر في هذه الحملة باعتباره أصبح واحدا من قادتها، فإن العصافير تنتصر في النهاية، وتملأ الشرفات، وتغني غناء جميلا وصافيا لم يسمعه أحد من قبل. ويستخلص رشيد النمر درسا هاما حينما يهوي بالنصل سريعا محاولا قتل العصفور الذي حط علي شرفته، لكن العصفور كان أسرع، فتفادي الضربة وطار بعيدا. يقول الراوي: ـ كانت الفكرة الوحيدة التي خطرت له أن زمن الســـكاكين قد ولَّي، ما دامت العصافير باتت تتجرأ فتهبط علي حـــواف الشرفات وتغني. في رواية مهمة سابقة لإبراهيم نصر الله ( طيور الحذر ، دار الآداب، بيروت، 1996) استعان المؤلف بمجازية العصافير ولكن بشكل مخالف. لقد كانت عصافير الحذر مجرد أداة تسلية ولهو في أيدي الصغار ومصاحبة لهم وهم يشبون عن الطوق من الطفولة إلي الصبا. أما في شرفة الهذيان فقد شبت الطيور نفسها عن الطوق، وأصبحت عناصر فاعلة في أحداث الرواية، ومن خلال انتفاضتها تسدد فاتورة الحلم بواقع جديد وتحقق التغيير علي أرض الواقع الذي يسوده الرعب والقمع والدم. ومن خلال هذه الانتفاضة بزغت أغنية النهاية (انظر الاقتباس) التي تبشر بواقع جديد ترنو إليه البشرية جمعاء، في ظل ما يمور به العالم حاليا من انتفاضات وتحولات في هذا الاتجاه. وهذا ما يعطي شرفة الهذيان قيمة عالمية ويجعلها علامة بارزة ضمن أشكال القص الأدبي المعاصرة.

مقتطف من شرفة الهذيان

أغنية النهاية

أقفاص طائرة عبرت من خمس جهات، حطت فوق سطوح الأسمنت، انتشرت مثل العشب الأسود، غنت، أقفاص ولها أجنحة لا يشبهها شيء، أقفاص ترقص، تتراكض، تغفو وتنام. تملأ بر الصحو، وسائدها الأحلام. نامي يا امرأتي ثمة قفص يضحك فيك وقفص يمرح كالنسمات هنا ما بين جدائل شعرك، هذا الأبيض مثل الغيم. نامي يا امرأتي بين النوم وبين النوم. ان مثل الندم الأعمي في صفحات الدم. نامي ثمة أقفاص تحرس أجمل ما في صدرك من أشجار. أقفاص تحلم عنا بالأمطار. أقفاص تكتب شعرا وتفيض مواويل، وكالغزلان هنا تتقافز عبر السهل وفي الجبل الأجرد تتلفت كالشنار… أقفاص طائرة وتهاجر من بدء الخلق وتعبر حقل الورد كما تعبر يوم الطوفان. تتنزل مثل الشعر علي قلب الأحزان. أقفاص تأكل حينا، تشرب، تلهو، تتراكض من أول هذا الشارع حتي أطراف الصحراء. أقفاص في داخلها أنهار تجري وسماء، تتلوي، حمراء. ضيعت مساء الأمس طريقي للقفص المنذور. بكيت ليمنحني أحد قفصا مهجوراً. قالوا لن تجد هنا شيئا مهجورا غير الدور. وجناح العشب الأخضر، وغناء العصفور . كاتب من مصر يقيم في نيويورك