صخور السماء لادوارد خراط

كنت قد عبرت جسرا خشبيا ضيقا على الترعة الصغيرة. خشب الجسر مغطى ببساط أحمر كثيف الوبرة. ‏وجدت أنني أمتطي صهوة جواد فاره أشمّ أتلع العنق بكبرياء، يمشي الهوينى مختالا على البساط الأحمر، وأنا ‏على ظهره، ثابتا بلا سرج أو لجام. ثم وجدت أنني أجري وحدي. ساحة المحطة تبدو رملية، وخالية، البلد كلها قد ‏نامت بعد أن غادر آخر قطار محطتها. لماذا أجري الآن لألحق به وأنا أعرف أنه قد مضى، مضى إلى غير ‏رجعة. حمل الناس ومقاطفهم وقففهم ولففهم
#1608;نسوانهم
وزلع المش والجبن القديم. تدفقوا على أبوابه وشبابيكه. ‏صفر القطار ونفث دخانه
الأبيض وصلصلت عجلاته، ومضى. المحطة خاوية، وأنا مازلت أجري لكي أصل قبل ‏أن يقوم القطار. لا أصل أبدا. المحطة بعيدة وخاوية.”(ص 459‏ بهذا الحلم الكابوسي المحبط يختتم إدوار الخراط أحدث رواياته “صخور السماء” (مركز الحضارة العربية، ‏القاهرة، 2001). وقد بدت هذه الخاتمة المقبضة نتيجة لازمة، أو طبيعية، للاستهلال القاتم الذي بدأ به المؤلف ‏صفحات هذا العمل الضخم
جسده المضني انحسرت عنه سورات النشوات القديمة. شجرة الدوم نحيلة، عتيقة، عليها طبقة خفيفة من ‏التراب، أغصانها تنوس في نعمتها القاحلة، على الجزع المكين المشقق، يعرف أنه لا حظَّ له منها إلا نظرات ‏أخيرة، واهنة، ربما، لكن فيها حدة النهايات. أحس في سمائه الداخلية رفرفة طيور الفراق، مازالت جثوما بعد، ‏فهل هي على أهبة الانطلاق؟” (ص 7‏). وما بين البداية والنهاية، سيعيش القارئ “حتى النخاع” أحداث ووقائع “صخور السماء”، التي ستبدو على ‏الصفحات الأولى للرواية
وكأنها مجرد استرجاع هادئ ومتأمل لذكريات الطفولة والصبا، لكنها سرعان ما ‏ستتحول إلى رمال متحركة تشد الراوي والقارئ معا إلى متاهة تتشابك فيها الرؤى والأفكار والأحلام ‏والكوابيس، وساحة نزال فكري ومعرفي يحمل فيها إدوار الخراط سيفه بكل اقتدار، حكاء مؤرخا مؤصلا مبدعا ‏ومجددا، وهو في كل هذا فارس لا يشق له غبار
كانت
الغارات الألمانية والإيطالية على الاسكندرية في الحرب العالمية الثانية قد ألجأت عائلة قلدس إلى الهجرة ‏إلى الصعيد، بينما بقي رب الأسرة في الاسكندرية التماسا للرزق. وتشكل الرسائل المتبادلة بين الأب والابن، ‏والصفحات التي يفردها الراوي للحديث عن أبيه، وكذلك الرسائل المتبادلة بين بعض الأقارب والتجار في ذلك ‏الزمان، مما وقعت عليه يد الراوي، تشكل وثيقة أنثروبولوجية فريدة من حيث تناولها للتفاعلات الاجتماعية في ‏مرحلة مضطربة من حياة المجتمع وقت الحرب. ويتساءل الراوي: “هل هذه الخطابات المتبادلة مجرد سرد ‏لمشكلات وربما مآس عائلية عادية وصغيرة فقط؟ هل هي مجرد وثائق اجتماعية لحقبة من تاريخ بلدنا، تاريخ ‏حرب لا شأن لنا بها إلا أننا من بعض ضحاياها؟ هل هي أيضا تاريخ هذه العائلة من مصر فقط؟ أم هي، فيما ‏أرجو، صورة لحياة نفوس تجتاز مضض محن روحية وجسمانية، مادية ومعنوية، كما يقال؟ (ص 128‏
ومع نهاية الرواية تقريبا ستنقطع الرسائل بين الأب والإبن. وحينما يكتب الراوي في ذيل رسالة مؤرخة 18 ‏أغسطس 1943 عبارة “وكان هذا خطابه الأخير”، سيصاب القارئ بغصة موت جديد سرعان ما سيحل في ليلة ‏‏22 ديسمبر التالي مسدلا الستار على حياة والد الراوي: “جبل أخميم الشرقي الوطيد الراسخ الذي لم تنل منه ‏العواصف، لكن كسره من الداخل موت ابنه الأصغر ألبير الذي انصب فيه كل حب كهولته.” وحينما عاد الفتى ‏بعربة الإسعاف لإنقاذ أبيه: “كان باب الشقة مفتوحا، أمي وأخواتي البنات واقفات في الفسحة، صامتات، في ‏البيت سكون منذر ورازح. قالت أمي بهدوء لا يحتمل ما فيه من حزن نهائي: “خلاص. خلاص يابني،
أبوك ‏راح.” (ص 445‏)
الموت الذي انتزع والد الراوي قرب نهاية الرواية كان هاجسا وقلقا كامنا في نفس الراوي ألقى بظلاله القاتمة ‏على الكثير من فصولها. وسيفرد فصلا لموت الأنبا باخوميوس رئيس الدير الذي نعاه الأب متياس بمرثية بالغة ‏الحزن والتعبير والدلالة قال فيها:
أنرنا يايسوع بالنور الباطن. أخرج من قلوبنا الظلمات. مُر رياح الشكوك وعواصف الظنون السيئة لتسكت. قل ‏لبحر الشرور الهائج أن يصمت. إنضح على قلوبنا المكلومة بنداك الذي من الأعالي. إنزع عنها صخور السماء ‏كما دحرج ملاك الرب الصخرة من على باب قبرك يايسوع. أنظر بعين الرحمة إلى حالة نفوسنا الثقيلة بالحزن. ‏اعتقنا من رباطات الاسترابة ومن عبودية الأفكار السوداء ومن عادات القلب الكريهة. (ص 58‏)
ومن موت الأنبا باخوميوس إلى موت عايدة شقيقة الراوي‏ (
التي بكاها المؤلف، وأبكانا عليها في أكثر عمل من
أعماله) “ماتت بالتيفود في العام التالي بعد عودتنا من أخميم،
بكيتها كما لم أبك أحدا في حياتي، وما زلت أبكيها ‏الآن.” (ص 92‏)

لكن القارئ سيتوقف كثيرا، وسيهزه كثيرا موت، أو قتل،‎ سالومة، ومنَّة، ضحيتي العشق المحرم. وسالومة هي ‏زوجة ميساك الصيدلي، حبيبة مرقص ابن عم الراوي، المزارع صاحب الأملاك، والذي يصفه الراوي بأنه ‏‏”البطل في عنفوانه”. دفعت سالومة حياتها ثمنا لعشقها على يد أخيها (وقيل زوجها)، انتقاما للعرض، وقيل إنها ‏وقعت من على السطوح. وفي اللحظة التي تسقط فيها سالومة

ستحس منَّة، بنت عمها، عشيقة الأب أغابيوس (في ‏منظومة الخراط المتشابكة من علاقات الحب الرومانسي، والعشق المحرم، في عالم مدينة أخميم، وفي ظل إلهها ‏الفرعوني القديم “مين”، إله الجنون والشبق)، ستحس، دون أن تعرف شيئا عن الحادثة، أنها ترتعد بقوة، وأن ‏شيئا قد تملك جسدها، دخل فيه، وسكنه، ارتجت له أوصالها جميعها، وشعرت أن روحها قد استلت منها.
ولن يمر وقت طويل حتى تلقى منَّة مصير سالومة،
هذه المرة على يد أبيها واثنين من أبناء عماتها. وهذه المرة، ‏سقت دماء منَّة طاحونة القرية في جريمة عرض مروعة، قيدت “قضاء وقدرا”. “فجأة، شعرها الوحف الغزير ‏الذي انفك بعد أن سقط عنه الشال اشتبك بتروس الماكينة وأخذ يتقطع بصوت مكتوم وتنبجس تحته الدماء. ‏‏(ص429‏)
ويتساءل الراوي: “هل راحت سالومة الصعيدية الأخميمية ـ وهي من قبيلة عابدات القمر وآلهاته: حتحور، ‏عشتار، أنانا، رامة، إيزه، والمريمات ـ قربانا لإيروس الذي هو سليل “مين” في عهود مصر الحية العريقة؟ ‏شهوة الحياة تبلغ حدا من العرامة إلى درجة القبول بالموت ـ القبول بالقتل ـ بل إلى درجة متاخمة الموت وطلبه.” ‏‏(ص 97‏) ومن خلال هذه الوقائع والتساؤلات والردود على هذه التساؤلات “والحكايات داخل
الحكايات”، سواء على لسان ‏الراوي أو على لسان شخصيات الرواية (الذين يفوق عددهم الحصر، ولذلك فقد أورد المؤلف قائمة بهم في آخر ‏الرواية، وهم ما يربو عددهم على مائة من الشخصيات الرئيسية والثانوية والرهبان والبنين والبنات)، من خلال ‏كل ذلك ستتشكل الصورة المعرفية العميقة والمتعددة الأبعاد التي تقدمها “صخور السماء” والتي تتعرض ‏لعمليات إعادة التشكيل الناشئة عن التشابكات والتعقيدات التاريخية والشخصية الكامنة والمعلنة، ولخطاب الأنا ‏والآخر وتكريس الذات باعتبارها صلة بينية تربط بين التجربة الشخصية والعملية التاريخية
وقد يتساءل القارئ في ضوء ماتقدم، هل “صخور السماء” رواية قبطية أو فولكلورية أو سيرة ذاتية؟ وهذا هو ‏ماينفيه المؤلف نفسه في تعريف بالرواية على غلافها الأخير وصفها فيه بأنها “ليست رواية فولكلورية ولا قبطية ‏ولا صعيدية
وليست سيرة ذاتية”، ولكنها “رواية مصرية أساسا، وإنسانية
والواقع هو أن “صوت” إدوار الخراط دائما هو الذي يشد القارئ إلى أعماله أكثر من أي عنصر آخر من ‏عناصر العمل الروائي، وفي هذا دليل على صدق هذا الصوت وعمقه وأصالته. وقد وصف هذا الصوت من قبل ‏بأنه “صوت صارخ في الشوارع”. وهو في “صخور السماء” الصوت الصارخ في البرية: الصوت المفجوع ‏المعذب، صوت الراهب الفيلسوف المتصوف المتأمل العاشق المتبتل الذي يكاد القارئ أن يحس فجيعته وعذابه ‏ويرى دموعه وانتحابه رأي العين وهو يجأر بالتأمل في عذابات البشر وفي محاولة إدراك كنه المعاني الأزلية ‏للوجود والموت والحياة والعقيدة في إبداعات نصية ترقى إلى لغة الترانيم والأدعية والمناسك، لكنها في الوقت ‏ذاته لغة عنيفة ذات نصل حاد يكشف عن المستور والمسكوت عنه في خبايا النفس وفي تصاريف البشر
نزلت مدينة الصلاة التحتانية أمّ الأسرار، فوجدت أنها زهرة منحوتة في
القلب المرمري الملطخ بدماء الذبيحة ‏ودماء الإثم بمقتل الأخ القديم، تقدمة وقربانا مرفوضا. ووجدت أنها قويمة سواء كانت التقدمة مرفوعة أمام بتاح ـ ‏أمون أم الفادي المصلوب أمام إيزيس أو مريم أو الزهراء.
أما زال وسط أرض مصر عامرا أم خربه التتار من مستنزفي الخيرات وناهبي عناقيد الكرمة وحيتان الانفتاح ‏وعملاء الكاوبوي وجفاة البدو أصحاب الأكباد الغليظة؟ هل “نامت نواطير مصر عن ثعالبها”؟
لكن عمل الآلهة السري لا يخيب. أحشاء الآلهة ولودة ومعطاء.
إذا كانت الهاوية والهلاك لاتشبعان، وكذا عينا الانسان لا تشبعان، فإن ثمار كيمي تتجدد كل يوم وكل عام على ‏الأغصان الوريفة، لأن كل مرير يستحيل عذبا ـ ولو كان مشوبا ـ في أرض هيكوبتاه، معجزتها ـ رغم كل شيء ـ ‏كالثلج في
الصيف وكالمطر في شهر هاتور الذهب المنتور، لن يستطيع التتار الآتون من الغرب أو الشرق سواء ‏أن يضعوا على هدب عينيها ظلال الموت أبدا، زهر أرضك ياأخميم لن ينحسم. ” (ص 241‏)
وسيذكرنا صوت إدوار الخراط في “صخور السماء” بصوت رولان بارث في عمله الشهير الذي قصد به أن ‏يكون “سيرة لا ذاتيه”، وهو “رولان بارث بقلم رولان بارث”. ففي هذا
العمل قدم بارث نصوصا مجزأة تحمل ‏عناوين أسماء وموضوعات ومفاهيم مختلفة الغرض منها تقديم “معرفة جديدة” بشان المواضيع المطروحة. ‏ومثلما حدث في “صخور السماء”، فقد قدمت المقطوعات الأولى من كتاب “بارث بقلم بارث” صورة عن نشأة ‏المؤلف وطفولته، ولكن الفصول التالية شهدت “تفكيكا” للنفس والذات وتجزئة لها بحيث لم تعد هي موضوع ‏الكتاب ولكنها أصبحت وسيلة لطرح هذه المعرفة الجديدة. (هل من قبيل الصدفة أن تتضمن “صخور السماء” ‏فصلا كاملا تحت عنوان “المعرفة”؟)
ولكن الإبهار،كل الإبهار، في “صخور السماء” هو هذا المزج التناصيّ المحكم بين وقائع وأحداث التاريخ القديم ‏المستقاة من كتب من قبيل الخطط المقريزية و”الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة”، وغيرهما من كتب تاريخ ‏مصـر القديمة والتاريخ القبطي، مع وقـائع الزمن الراهن وأحداث منشورة في الصحف السيارة المعاصرة، على ‏اختلاف أنواعها
وفي فصل بعنوان “أحداث أباهور” يستعيد الراوي جانبا من بعض ملامح “الوصمة الطائفية” ولا أسميها “الفتنة ‏الطائفية” كما يسميها البعض (ليس منهم الراوي، على أي حال). وقد وقعت هذه الأحداث في أباهور عقب أن ‏استطارت في البلدة صيحة واحدة: “الخواجا زكري منقريوس يبني كنيسة”. ويقدم المؤلف صورة موثقة للأحداث ‏الأليمة، ويربط بينها وبين أحداث تاريخية، فينقل عن المقريزي: “وتواتر الخبر من الوجه القبلي والوجه البحري ‏بكثرة ماهدم في
هذا اليوم من وقت صلاة الجمعة وما بعدها من الكنائس والأديرة في جميع إقليم مصر كله، مابين ‏قوص والاسكندرية ودمياط فاشتد حنق السلطان
كان ذلك في الزمان القديم، وكان الظلم يقع على الجميع، فإذا ثار العامة والغوغاء فلأنهم مسحوقون تحت نير ‏الأمراء والسلاطين وسائر الولاة والحاكمين، كبارا وصغارا، فلا يعلمنا أحد من المتفيقهين أن نسيج مصر واحد ‏وعضوي، ذلك بديهي وصحيح، ولكن لا تهوين هناك، كما أنه لا تهويل، في تباريح الوقائع وتواريخ الأحداث.” ‏‏(ص 329‏)
يقول الراوي: “هأنذا أدون النصوص المعتمدة لفولكلورهم القديم كأنما أخشى عليه ـ خفية ـ من الدثور، ثم أضيف ‏إليه الأبوكريفا من خلقي أو اختلاقي. لماذا، وأنا في النهاية لست منهم؟ أزعم لنفسي أنني ابن كيمي كلها، قديمها ‏ووسيطها والعصري على السواء، ترابها وتبرها، آلهتها وأوثانها وقديسيها وأوليائها ومشايخها وقسوسها ‏وملاحدها، شطارها وأشقيائها المارقين وشهدائها من كل ملة ودين
لا أدين لعصر واحد ولا لعنصر واحد بالتأليه والتمجيد ـ إلا كيمي، هذا الملاذ المكنون التليد المضروب الجريح ‏دائم البقاء، هذا عندي مقدس، مقدس، أجيّوس إلى دهر الداهرين.” (ص 179‏
يواصل الخراط في “صخور السماء” الانفراد بلغته وأسلوبه، وفي الحوار الداخلي (أقصد داخل الرواية) الذي ‏يقيمه المؤلف بينه وبين القارئ
إذا كان الروح يرف على وجه غمر المياه التي تنبثق منها ذوات الأنفس الحية الدفاقة بشبق الحياة وأشواق
الروح فإن عطشي إلى ينابيع الماء الحي لا ينتهي. شجرة مصوحة أنا، مغروسة على حافة المسقى، تمد فروعها ‏بتضرع إلى الماء الجاري في سبيله. فهل يرفع النهر البعيد صوته لينضم إلى صوتي الصارخ في الشوارع دون ‏إجابة من أحد ولا من شيء. لهذا أحببتك، لهذا سأظل أحبك حتى آخر لحظة، وهل ثم حقا آخر لحظة؟(ص ‏‏418‏)”
هل توقف القارئ قليلا عند هذه الجملة الأخيرة (وهل ثم حقا “آخر لحظة”؟) هذا التدخل من الراوي، لنقل هنا ‏بالتأكيد من المؤلف، الذي يجده القارئ فجأة كاشفا عن نفسه في ثنيات النص بجملة أو تعليق من هذا القبيل ‏‏(اللقطة الهيتشكوكية الشهيرة التي ابتدعها هيتشكوك،
وسار على نهجه حسن الإمام، في الظهور في لقطة مباشرة ‏وعابرة في الفيلم، كي يقول: نحن هنا!!) وهكذا، فإننا في مكان آخر نجده يسأل القارئ مباشرة بعد أن سرد عليه ‏إحدى الحكايات التي ربما استشعر المؤلف أنها خارج السياق، فنجده يتساءل: “أليست هذه ـ وحياة النبي ـ حكاية ‏طريفة؟” (ص 298). وهاهو (ص 65) يقول: “كنا في عربة البضاعة التي تشق طريقها (لماذا أحب هذا ‏التعبير؟ تشق الطريق؟) بين حقول الأرز الخضراء. لكنه في موضع آخر يتباهى، صراحة وعن حق، بفصاحته ‏المبكرة قائلا: “كنت فصيحا، منفلوطيّ الفصاحة تقريبا، وأنا أكتب ذلك في الخامسة عشرة من العمر.” (ص 66‏)
لكن الراوي سرعان مايرتد إلى حالته التأملية : “أما زلت أعيش في الكتب القديمة؟ أفي الرؤى والأحلام أحيا ‏بأقوى وأفعل مما أعيش على سطح الأرض؟ مازال عالم
السكك الحديدية المقطوعة، والفنادق التي لا أعرف أين ‏غرفتي فيها، والسلالم التي لا تنتهي إلى شيء، والمصاعد الضخمة لها صرير وأبواب من شبكات الحديد تقف ‏في العراء، والمؤتمرات والاجتماعات التي لا تنفض، والموتى الذين يعودون إليَّ في عز شبابهم، لم تنلهم يد ‏الزمن بعد، ولن تنالهم أبدا، السيارات المتأرجحة على شفا هوة سحيقة بين جبلين، محركها يدور وعجلة القيادة لا ‏تستجيب لي أنا الذي لا أعرف كيف أقود سيارة على أي حال. أنا، بلا عمر، على أرض الحلم التي أعرفها خير ‏معرفة وقد طرقتها كثيرا، أسير كالروبوت أو كالنائم إلى الأمام، دون هدف، بعد أن تمزق قلبي تماما. (ص 54‏) صخور السماء” نص متعدد الطبقات والتخصصات، يؤسس حدودا معرفية جديدة لماهية النص الأدبي، ‏والروائي بالذات، وينطلق بفن الرواية إلى ذرى جديدة في عالم صاخب سريع الخطو موار بكل التغييرات ‏والمخاطر. وهي سفر عظيم من التأملات والرؤى والوقائع التاريخية والأحداث الجارية واللمحات التراثية ‏والفولكلورية والغوص في أعماق الذات. وهي تعيد إلى الأذهان روائع لويس بورخيس الأرجنتيني وغابرييل ‏غارثيا ماركيز الكولومبي وغونتر غراس الألماني وجون فاولز الإنجليزي، رواد ماسمي برواية الواقعية ‏السحرية التي تجاوزت كل أشكال القص التقليدي، واقتحمت كل صنوف التجريب في الموضوع والشكل ‏والأسلوب وإلغاء التتابع الزمني وامتزاج العادي بالغرائبي والأسطوري والفولكلوري في ظل خلفية من أجواء ‏الأحلام والكوابيس والواقع والخيال وبلغة تتعامل مع العادي وتسمو إلى المقدس. وهاهو الخراط، الذي ترجم في ‏شبابه رائعة تولستوي “الحرب والسلام” وتأثر بها، يقدم لنا في عيد ميلاده الماسي، الذي وافق السادس عشر من ‏مارس من هذا العام، عملا يحمل في طياته عناصر قوة ذلك العمل التليد وجوهرة تليق بهذه المناسبة الجليلة في ‏مسيرة هذا الفنان العظيم.
مقطتف من صخور السماء
أخميم أراك ياأخميم حتى القرن الخامس الميلادي، مازالت الصروح سامقة مرفوعة البنيان للآلهة القدامى، أوزير ‏وزيوس، إيزيس وأفرديت معا، بينما الفلاحون المطحونون تحت سطوة الإغريق قد انضووا تحت لواء المخلص ‏الفادي أفواجا بعد أفواج، الإغريق أصحاب السلطة والجاه والثروة يفرضون طغيان الثروة وينعمون ببذخ الحياة ‏ومعابدهم قائمة بآلهتها الرخامية البيضاء على أرضك الأفريقية السوداء ياأخميم كيمي، والمذابح تسيل عليها دماء ‏الضحايا الحيوانية الغضة لتروي هذه الأرض التي لم تشبع قط من الدماء حتى الآن.
أخميم. المدينة التي سالت فيها دماء ثمانمائة وأربعة عشر شهيدا دفاعا عن عقيدتهم الأرثوذكسية، قتلهم أريانوس ‏في ثلاثة أيام، حتى أغرقت الدماء درب الظني الذي يأتيه المؤمنون من الشرق
والغرب حفاة الأقدام خاشعين ‏يركعون على أرضه، ويقبلون ترابه تمجيدا وعرفانا بالجميل، لأن مذابح الشهداء لا
تنتهي.
مدينة الأنوال التي تنسج خيوطها الحريرية من صميم الروح مدينة تي أم الفرعون العظيم الشاعر العظيم أخناتون، بنت يويا ذي المقام المرموق
أخميم التي من أحجارها بنيت مزارات أبيدوس وكعبة مكة المكرمة. مدينة كنيسة سوتير المخلص من العذاب، ‏وكنيسة أبي سيفين، ومار ميخائيل، بلدة القديسين باخوم، وضالوشاه، ويسقوروس، وإسكلابيوس، وأوليجيوس، ‏وأرسانيوس، والأنبا شنودة، والأنبا بسادة، مدينة الشيخ كمال الدين بن عبد الظاهر صاحب مسجده، ومدينة ‏العارف بالله ذي النون
المصري بن إبراهيم الذي تقلد علم الباطن وأشرف على كثير من علوم الفلسفة وكان كثير ‏الملازمة للبرابي، بيوت الحكمة القديمة، فيها التصاوير العجيبة والمثالات الغريبة التي تزيد المؤمن إيمانا ‏والكافر طغيانا، وقد فتح عليه علم مافيها المكتوب بالخط المطلسم القديم وله كرامات فقد كان من الملامتيه وحول ‏الحصي إلى حجر كريم، رضوان الله عليهم أجمعين.
أخميم، التي في غربها جبل من أصغى إليه بأذنه سمع خرير الماء ولغطا شبيها بكلام الآدميين لا يُدرى ما هو.
هأنذا في أخميم
صخور السماء، ص 195