ريحانة" ميسون صقر: دراما اجتماعية ورحلة انعتاق في ظل تحولات مابعد الاستعمار

“الأجنحة لاتترك أثرا في الهواء؛ لم أر السمراء، وإن رأيتها؛ الجن لا يأتون هكذا، بل يرتدون أشكالنا كيلا نخافهم؛ الأولة في الغرام؛ الصمت بلاغة المحب، والبوح عماد المودة؛ الضحك يميت القلب”: ليست هذه العبارات عناوين لقصائد شعرية، أو أبياتا في قصيدة، لكنها عناوين الأجزاء الستة لرواية مسيون صقر: “ريحانة”، التي صدرت عن دار الهلال القاهرية في كانون الثاني/يناير الماضي. وينقسم كل جزء من هذه الأجزاء إلى عدة فصول تحمل أيضا عناوين وأرقاما فرعية، يضمها جميعا مجلد واحد في 227 صفحة. “ريحانة” هي الرواية الأولى لمؤلفتها ميسون صقر، الشاعرة والفنانة التشكيلية المرموقة. وسيدرك القارئ على الفور من الاطلاع على هذه الرواية أنه بصدد عمل كبير وهام وعلامة بارزة في ذلك المد الروائي الذي تشهده الرواية العربية الآن، وبخاصة الرواية النسائية (وإن كان البعض يرفض هذا التصنيف). وتبرز “ريحانة” ليس كعمل روائي أول لمؤلفته، والذي أنجزت به بحق عملا فريدا يفرض نفسه على التو كنموذج أصيل في ساحة السرد العربي، ولكن كامتداد طبيعي، وذروة، لفنها الشعري والتشكيلي، وكتعبير صادق عن كثير من الإحباطات التي تثقل الضمير العربي في الوقت الراهن.

ريحانة تقدم نفسها إلى القارئ: “أنا ملك لعمتي، لهذا فأنا لست أمة لسيدي، لست مما ملكت يمينه، ولم تهبني عمتي له، ومن ثم لا يستطيع أن يطارحنى الفراش، لكنني أخدمه كعبدة مخلصة وأمينة”. الزمان: أوائل الخمسينات، والمكان: إحدى الإمارات العربية في عهد ما قبل الاستقلال. تعيش ريحانة مع أسرة حاكم الإمارة التي تقرر الرحيل إلى القاهرة إثر انقلاب على الحاكم دبره ابن عمه. كان الانجليز لا يحبون عمها الحاكم لأنه كان ضدهم دائما، يساند الثوار في ظفار، وينتمي إلى حركة القوميين العرب، ويذهب إلى القاهرة، التي يعتبرها كعبة الثوار والمناضلين. أغضب الحاكم الانجليز لأنه اتفق مع الرئيس جمال عبد الناصر على ترتيب زيارة إلى الإمارة يقوم بها الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عبد الخالق حسونة. لم يذعن الحاكم لطلب الانجليز الإعتذار عن إتمام الزيارة. هيئ المطار للاستقبال، وانطلقت المظاهرات العديدة التي رتب الحاكم بنفسه خروجها. وكان من بين المستقبلين في المطار طفلة الحاكم “شمسه” التي ارتدت فستانا على هيئة علم مصر، وصديقتها “شهله” التي ارتدت فستانا على هيئة علم الإمارة. فيما بعد، ستكبر “شمسه” في القاهرة، وستعيش حياتها في مدارسها وجامعتها. قصة “شمسة” نفسها هي عمل آخر مواز لقصة “ريحانة” وجزء لا يتجزأ منه. ومن خلالهما سيتفتح أمام القارئ عالم صاخب لمرحلة سياسية واجتماعية تضطرم بكل عوامل الحركة والسكون، والجمود والتغيير، في عالم مابعد غروب شمس الاستعمار والبحث عن واقع جديد.

كانت ريحانة قد تزوجت “حبيب” السائق. “حين تزوجها، أحس كم هي حرة برغم عبوديتها. جسدها يسـتمتع بإرادة كاملة، وينتفـض برغـبة عارمة، ويحس بـحرية حقيقية.” أنجبت منه ريحانة “محراك” و “نصور”، وفيما بعد “حليمة”. ولم يكن حبيب ضمن من صدرت الأوامر بسفرهم إلى القاهرة. في القاهرة، تصاب ريحانة بالاكتئاب وإدمان الشراب، وخاصة حينما تعلم أن زوجها تزوح من أخرى، “فطوم”، وهي امرأة لعوب كانت قد عقدت العزم على أن تسرقه منها. في مراحل لاحقة من الرواية ستعود ريحانة إلى الإمارة، وتعتق، وتستعيد زوجها الذي يطلق “فطوم”. ويعيشان معا حياة هانئة ورغدة بعد أن يكون قد عين في جيش البلاد المنشأ حديثا. ويمارسان تجارة الأسلحة الصغيرة التي بدأت في الرواج. ويشتريان المنازل ويقتنيان الخدم: “انقلبت الدنيا، وصرنا نحن السادة.”

عند هذه الذروة، تبدأ حياة ريحانة في النكوص. ذات يوم تنقلب السيارة التي تقل زوجها وابنتهما حليمة، فيقتلان على الفور. بعد وفاته بدأ البنك يطالب بسداد ديونه. كانت ريحانة قد أنفقت كل مالديها من مال على مباهج الحياة والرغبة في أن تكون محط أنظار الجميع لكي تحقق لذاتها الوجود الذي لم يتحقق من خلال الشرف أو الإرث الاجتماعي. وحينما انفض الجميع من حولها، أدركت حقيقة واحدة كانت تتهرب منها دائما، وهي أنها مهما حاولت أن تتغير، فإن الواقع لن يتيح لها ذلك إلا ضمن شرطه الخاص. وعبر حالة من الحقد والكآبة والإدمان، وبعد أن استولى البنك على بيتها، ووجدت ريحانة نفسها وحيدة بعد وفاة زوجها وابنتها، وفقدها لابنها الأكبر “محراك” الذي ضاع في حالة من الشذوذ الجنسي، وابنها الأصغر “نصور” الذي اجتذبته الجماعات الدينية، وانضم إلى الأفغان العرب المحاربين في أفغانستان، بعد كل ذلك، أصبحت ريحانة: “تتذكر لحظات، وتغيب أخرى. تبكي ولا تنام. كلما وجدت أوراقا أو علبا فارغة وضعتها على ثيابها. ولبست عقودا كثيرة من الأوراق اللامعة داخل علب السجائر، وضفرت شعرها بجميع قصاصات القماش الصغيرة التي تجلبها من مخلفات محلات الخياطين، حتى أصبحت ضفائرها ذات ألوان كثيرة وطويلة.”

ثم جاءت النهاية: “أصبحت مثل أمها “مهيرة الخبلة”، تركض في الطرقات حاملة طبلة عبارة عن علبة صفيح، علبة سمن فارغة، تدق عليها بعصا صغيرة، أو حصاة. تجلس بجانب البحر، ثم تذهب إلى المدينة تعطيها النسوة بعض فتات، ويركض وراءها الأطفال، يغنون وراءها: مهيرة الخبلة، مهيرة الخبلة. تنزعج وتدق على طبلتها.”

ربما تكمن أهمية سيرة البطلة ريحانة في شخصية ريحانة نفسها ورحلتها من العبودية إلى الانعتاق، ولكن ما يعطيها أهمية أكبر هو السياق الاجتماعي والسياسي الذي صاغت فيه المؤلفة هذه الرحلة، حيث ألقت الضوء على جوانب كثيرة من عملية التطور الاجتماعي والسياسي في فترة تاريخية هامة منذ بداية الخمسينات وفورة المشاعر القومية ضد الاستعمار البريطاني في منطقة الخليج، مرورا بمصر الناصرية ونكسة حزيران وتصاعد حركة الإسلام السياسي وصولا إلى هبوط السادات في مطار بن جوريون. عبر هذه الرحلة الطويلة، قدمت المؤلفة عملا معرفيا أنثروبولوجيا عميقا متعدد الأبعاد. وفي غضون ذلك العمل استمتع القارئ بنبذات تاريخية وسوسيولوجية عن أصول الإمارات العربية، وتاريخ النوبة، والعبودية، وشخصية إنديرا غاندي، وأغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وأشعار أبي فراس الحمداني.

في مواجهة البطلة ريحانة، وبالتوازي معها، تقدم المؤلفة بطلة أخرى على نفس الدرجة من العمق والأهمية، وربما أكثر. هذه البطلة هي “شمسة” إبنة الأسرة الحاكمة التي سافرت إلى مصر في بداية الرواية، والتي لفت نفسها بعلم مصر وهي في استقبال الأمين العام لجامعة الدول العربية. تقول “شمسة” لصديقها في الجامعة “هادف”: “أريد أن أكتب سيرة عبدة من خلال العالم القديم منذ الستينات إلى الآن.” وكتبت “شمسه” سيرة “ريحانة”، لكنها كتبت أيضا سيرتها الخاصة المفعمة بالتساؤلات والبحث عن الذات والحب، وزميل الجامعة الذي يصدها رغم حبها الشديد له. يصدها عن ضعف، وهي تجد قوتها في صراحتها وفي إعلان حبها.

وبينما كانت ريحانة تنطلق من أسر العبودية إلى الانعتاق وتحرير الذات، بدا أن شمسه تتحرك نحو عبودية أخرى من نوع خاص. وها هي أسرتها تختار لها زوجها:

“قالوا: زوجناك لابن عمك، أنت منذورة له.

“قلت: في هذا العصر، ومنذورة؟

“ذهبت إلى هادف، وقلت له:

ـ هادف، أنا مش حرة.

رد على: يعني إيه؟ كل إنسان يقدر يحرك حياته ويختارها.

ـ ده مش حقيقي.

ـ إنتي اللي عاجزة، وبترضي بالسهل.

ـ تتصور كده؟ لأ. أنا مش عاجزة. أنا عبدة. عبدة لتصوراتك وتصوراتهم. عبدة لخوفي ورعبي من العالم حولي، لأنك حتى مش قادر تحميني.”

“ريحانة” دراما اجتماعية تستعرض وتوثق ذخيرة هائلة من التجارب والأفكار والقيم التي انطلقت منها عملية تحول اجتماعي شاملة للأفراد والمجتمع. وقد استطاعت المؤلفة، من خلال رؤية واسعة معززة بالتاريخ والفولكلور والروايات الشفوية والتجارب الشخصية، أن تعرض مادتها في شكل سردي فني جديد أعملت فيه ما تتمتع به من قدرات إبداعية في الشعر والفن التشكيلي، ومن موهبة سردية تنم عن اطلاع واسع حول موضوع كتابتها، وعلاقة وطيدة بأسرار لغتها، ولذلك جاءت “ريحانة” عبقا فريدا لتركيبة سحرية تليق بصانعتها وتضمن لها مكانا مرموقا في ساحة الإبداع العربي.

مقتطف من “ريحانة”

يلفونني بالعلم أنا وابنة عمي. ثم أترك الوطن. تلبس هي علم بلادها فيموت والدها في السجن داخل الوطن. و ألبس أنا علم مصر، فأترك الوطن و أذهب إليها. كانت النداهة تناديني. يشد أخي يدي من بين الجموع لأستقر في سيارة مرفوعة على الأكتاف. ينقذني أخي، ويموت في سيارة على طريق يؤدي إلى الوطن. وتسحبني يد العلم إلى مصر التي ألتف بعلمها، وتبدأ الهزيمة. أجد الشهداء تلتف أجسادهم بذات العلم، علم مصر الذي لفوني به من قبل. كانت هزيمتنا صغيرة بحجمي. وكانت هزيمة مصر كبيرة بحجم شهدائها. شرف الوطن في الدم المراق من حوله.وأعود إلى المكان على سبيل الحنين فقط.

نظر إليَّ هادف وهو يسألني عن مفهوم الوطن. كانت أمي تنام وبجانبها راديو صغير، وعبد الحليم يغني:”نبتدي منين الحكاية؟” ضحكت، وقلت له: “عبد الحليم مات من زمان”. (الرواية، ص 158).