نقطة النور

بردية مصرية لزمن الانكسار والعجز والحلول الوسط

تحتل شخصية الكاتب المصري مكانة خاصة في التاريخ المصري القديم . وكانت وظيفة الكاتب من الوظائف ‏المرموقة التي تدفع بصاحبها إلى طبقات المجتمع العليا. ويقول البروفسور جيمس هنري بريستيد في كتابه التليد ‏‏”تاريخ مصر” إنه ورد في الآثار أن أبا أرسل ابنه ليتعلم في مدرسة القصر الملكي ليتخرج كاتبا فزوده بنصائح ‏غالية معددا له مصاعب ومعايب الصنائع اليدوية كل على انفرادها ومفضلا له في آخر الكلام صناعة الكاتب ‏مظهرا له مناقبها وما يعود على صاحبها من الشرف والراحة والثروة .

وعلى مر التاريخ أصبح الكاتب المصري هو مؤرخ الأسر والامبراطوريات، ومسجل الوقائع والحوليات ‏وأحداث الحياة اليومية. وتحفل العديد من البرديات التي خلفها هؤلاء الكتبة بأشكال نابضة من ضروب الحياة في ‏تلك الأزمان، و”كتاب الموتي” الشهير خير مثال على ذلك، وفيه من الأطروحات والأفكار والمعاني ماجعله درة ‏فكرية يعود تاريخها إلى عام 1450 قبل الميلاد. ولعل شخصية الباشكاتب (المصري) التي اختارها بهاء طاهر ‏لتكون الشخصية الرئيسية في روايته “نقطة النور ” هي استمرار لهذه الشخصية بما تمثله وتعبر عنه خلال حقبة ‏زمنية معينة في تاريخ الوطن، وهي حقبة رغم ما أراد الباشكاتب المصري وتمنى لها من الانطلاق إلى نقطة ‏النور، ظلت أسيرة عوامل محبطة من الانكسار والعجز والحلول الوسط .

الباشكاتب المصري توفيق، سليل أسرة كريمة المحتد، ورث عن أبيه بيته بجوار مقام السيدة زينب في قلب ‏القاهرة، عيش أرمل وحيدا بعد أن ماتت زوجته منذ سنوات عديدة .

يعيش معه في نفس المنزل إبنه شعبان، وهو أيضا أرمل، ماتت زوجته بعد أن أنجبت له فوزية وسالم، حفيدي ‏الباشكاتب، الذي يكنُّ لهما ويبادلهما محبة خاصة ويقوم على تربيتهما خاصة بعد أن أحيل إلى التقاعد، ومع ‏انشغال إبنه شعبان في كسب عيشه من محل بيع الأقمشة الذي ورثه عن جده، بعد أن فشل في إكمال تعليمه. ‏‏”نقطة النور” هي وقائع أحوال هذه الأسرة: الباشكاتب، ولده شعبان، حفيداه فوزية وسالم، وهي أيضا وقائع ‏أحوال ذلك البيت المكون من أربعة أدوار يشغلها سكان آخرون من أصحاب المحلات القريبة ورث أبناؤهم ‏مهنهم ومساكنهم وهم نجار ومنجد وعطار وكهربائي وتاجر أحذية. كان الباشكاتب هو الموظف الوحيد من سكان ‏البيت وكانوا جميعا يحترمونه ويحبونه. ولكي تكتمل وقائع الصورة في بردية بهاء طاهر فإننا نلتقي، في مقابل ‏هذه الأسرة “الشعبية”، أسرة “راقية” هي أسرة الطبيب شوكت ومطلقته صفاء وابنتهما لبنى الطالبة في كلية ‏الحقوق التي يحبها زميلها سالم، حفيد الباشكاتب. هناك أيضا شخصيتان مساعدتان أو مساندتان وإن كانت لهما ‏أهمية كبيرة في اكتمال الصورة التي تقدمها هذه البردية، وهما دادة سنية، مربية لبنى، ونازلي هانم الأرملة التي ‏كانت تتردد على الباشكاتب في مكتبه قبل إحالته إلى التقاعد لينهي لها معاملاتها، وتنشأ بينهما علاقة تنتهي إلى ‏زواج عرفي لم يدم كثيرا حينما شعر كلاهما بدبيب العجز والشيخوخة .

لكن هذا العرض السريع لشخصيات الرواية لا يكتمل إلا بالإشارة إلى شخصية ذات حضور رمزي في الرواية، ‏وهي شخصية الباشمحضر السيد السنانيري، الذي عرف بلقب “أبو خطوة”، وهو رجل ذو كرامات كثيرا ما ‏يرويها الباشكاتب لحفيده سالم، وهي كلها كرامات من قبيل ما يتردد على ألسنة الناس من أفعال خارقة، كأن ‏يظهر هذا الرجل في أسيوط والقاهرة في وقت واحد، أو أنه استطاع إيقاف قطار يقل قاضيا أراد حاول إيذاء ‏الباشمحضر وما شابه ذلك من حكايات، أبدى سالم، وهو بعد في التاسعة من عمره، اعتراضه عليها قائلا لجده، ‏كيف يصبح (الباشمحضر) شخصين في الوقت نفسه، واحد في أسيوط وواحد في القاهرة. وينفعل الباشكاتب ‏قائلا: “إذن ما الفرق بين أبو خطوة وبقية الناس، أنت الآن طفل، ولكن عندما تكبر ستفهم.” وحينما كان الجد كاتبا ‏حديث التعيين في أسيوط اصطفاه أبو خطوة لأمانته ونزاهته، وكان يحدثه في الدين والتقوى بروح سمحة ‏وبشوشة، وأبلغه الباشكاتب بأنه نشأ مدللا يجري في يده المال فلم يبخل على نفسه بأي لذة من الملذات. واعترف ‏له بأنه حتى بعد أن بدأ العمل في الوظيفة وانتهت سنوات الفراغ والطيش لم يستطع أن يكبح نفسه. غرس أبو ‏خطوة في نفس الباشكاتب رغبة صوفية في أن يسلك طريق الهداية والتوبة. ولم يدخر الباشكاتب وسعا في القيام ‏بذلك، فكان مثال الرجل الصالح الطيب النزيه الذي لا يرضى إلا بما يقره دينه وضميره. وظل آملا في أن يرى ‏‏”نقطة النور” التي تقربه من ربه، لكنه كان دائما يشعر أنه لم يكرس نفسه لهذه الغاية كل التكريس، وأنه لايزال ‏أسير رغباته .

و “نقطة النور” هي نتاج تفاعل وترابط وتشابك هذه الشخصيات مع بعضها البعض. وتصبح قضية الباشكاتب ‏الحفاظ على “بيت السيدة زينب” الذي ستصيبه الشروخ المادية والمعنوية. ويقرر إصلاح الشروخ المادية وترميم ‏البيت، وإن كان البعض قد نصحه بأن هذه فرصة لهدمه وبناء شقق جديدة للتمليك. وقد عرف الباشكاتب متى ‏بدأت عملية الترميم لكنه لم يعرف أبدا متى ستنتهي . أما الشروخ المعنوية فستظهر في حياة أهل الحي، وبالذات ‏أسرة الباشكاتب. وقد بدأت المشاكل بسالم الذي ألمت به حالة نفسية كانت تجعله يتحول من شخص مهذب ورقيق ‏ومسالم إلى شخص مختلف تماما يوجه أقذع السباب لمن هم حوله. واحتار الأطباء في حالته، واضطر جده إلى ‏أن يسأل الشيخ أبو خطوة في أمره، فيكتب له “حجابا” يطلب منه أن يعلقه دائما بالقرب من قلبه. ويلجأ الجد أيضا ‏إلى علاج العطار الذي بدا أنه حقق نتائج أفضل من نتائج الطب الحديث وآخرها الصدمات الكهربائية التي كانت ‏قد أنهكت سالم. سالم أيضا صوره المؤلف على أنه كان عزوفا عن معرفة النساء. وفشلت تجربتاه الأوليان مع ‏زميلة دراسة، ثم مع مطلقة (كان جده الباشكاتب كلفه بأن يسهل لها بعض المعاملات) وحاولت أن ترمي شباكها ‏عليه، لكنه لم يبد حماسا. التجربة الوحيدة في حياته هي تجربة لبني، وهي تجربة تراكمت الأسباب لكي تقضي ‏عليها بالفشل. ولبنى نفسها هي فريسة أسرة ممزقة، وتعيش مع والدها الطبيب المرموق، الدكتور شوكت، الذي ‏طلق والدتها بعد ان اكتشف خيانتها له مع أحد أصدقائه، وسيظهر أيضا أن الدكتور شوكت، الذي كان له ماض ‏في النضال السياسي، لكنه انسحب منه مبكرا، يعاني من عجز جنسي يسبب له عقدة نفسية. وقد تعرضت لبنى في ‏بداية حياتها لحادثة اغتصاب أفقدتها عذريتها. وحينما يكتشف سالم ذلك في أول لقاء حميم بينهما تعاوده حالته ‏المرضية وينهال عليها بالسباب والشتائم. وفي تطور آخر، تقبض الشرطة على لبني لاشتراكها في توزيع ‏منشـورات ضـد النظام (قبل أحـداث ثورة الغذاء في 18 و19 يناير 1977، التي وصفها النظام آنذاك بـ “انتفاضة ‏الحرامية”). ولكن والدها يتمكن من إخراجها من المعتقل ويرتب لسفرها إلى إيطاليا لتكمل تعليمها. وحينما يفشل ‏سالم في معرفة مصيرها يتوجه إلى والدها في مستشفاه، فيعنفه بشدة على أنه لم يوزع المنشورات بدلا منها، لكن ‏سالم، الذي لم تكن له أي صلة بالعمل السياسي، يقول إنه يبحث عنها لأنه يحبها ويريد أن يتزوجها. ويطرده الأب ‏طالبا منه عدم التعرض لابنته بعد ذلك. أما الأب شعبان فقد أصيبت حالة السوق بالتوقف ولم ينقذه سوى أنه أجر ‏ركنا في واجهة المحل يبيع فيه أحدهم السجائر المستوردة. ومع أن الباشكاتب لم يوافق على ذلك في البداية إلا أنه ‏وافق في نهاية الأمر للخروج من الأزمة المالية التي تواجه الأسرة. المشاكل تطال أيضا الحفيدة فوزية التي ‏اضطرت إلى الزواج من جارها الموظف المبتدئ بعد أن تورطت معه في علاقة عاطفية‏ . وأصبحت تعاني من ‏المشاكل مع زوجها وخاصة بعد أن أنجبت منه. ولم يعد مرتبه يكفي لمصاريف الحياة اليومية بعد أن تبدد حلمه ‏في السفر في بعثة متوقعة إلى ألمانيا الشرقية، مما هدد أسرتهما بالانهيار لعدم تحمل تكاليف الحياة لولا تدخل ‏سالم الذي تطوع بالمساهمة بنصف مرتبه الذي بدأ يحصل عليه من إحدى شركات الانفتاح. وينتهي الأمر بـ ‏‏”فراج” إلى إطلاق لحيته والانضمام إلى الجماعات الاسلامية . وحينما تعود لبنى من إيطاليا، يكون بيت السيدة ‏زينب قد جدت عليه تطورات هامة، وأصيب بشروخ كثيرة. ويبدأ الباشكاتب في الترميم لكن العملية لا تنتهي. ‏ويقرر في النهاية أن يهدمه ويبيع جزءا من الأرض يعيد بها بناء المنزل على الجزء المتبقي من الأرض. في ذلك ‏الوقت، تكون الحالة الصحية للباشكاتب قد ساءت كثيرا. ويكون “شعبان” قد بدأ يأخذ زمام الموقف. ويقرر ‏الانتقال إلى “المنيرة الجديدة” لحين الانتهاء من بناء المنزل الجديد. وفي تلك الأثناء يكون سالم مع جده المريض، ‏الذي يتطلع إلى “نقطة النور” الربانية. ومع أن الباشكاتب في الفصول الأخيرة من الرواية كان قد قارب الموت ‏تماما، إلا أن المؤلف يصر على بقائه حيا، لأنه، بالطبع، يمثل الرمز الرئيسي لتاريخ “البلد” وتراثه وثقافته، ‏فيجعله يبقى، وإن كان مريضا لايقوى على الحراك. في آخر الرواية أيضا تتوجه لبني إلى “السيدة زينب” بحثا ‏عن سالم، وعن جده عن اقتناع بأن فيهما خلاصها. تقول لسالم :

ـ ” حدثني ماذا يقول جدك عن الأرواح “.

ـ يقول كل الأرواح جميلة وكلها طيبة .

ـ وهل قال لك يا سالم ما الذي ينقذ هذه الأرواح؟

ـ نعم، قال: الحب .

بهذه السطور الموحية تنتهي “نقطة النور”: مجتمع يموج بتغيرات صاخبة ومفاجئة انعكست على أوضاعه ‏الاقتصادية والاجتماعية وكان لها تأثيرها النفسي على أفراده، كل حسب استعداده وخلفيته الثقافية وتطلعاته ‏الاجتماعية. ومن وجهة نظر علماء النفس، فإن الفرد حينما يشعر بأنه جزء من شبكة مستقرة من العلاقات ‏الاجتماعية من حيث الأسرة، والنسب، والدين، فإن هذه العلاقات تشكل سندا قويا للإنسان في تعميق تجربته وفي ‏مواجهة الآلام والشدائد حيث تصبح هذه العلاقات بمثابة النقاط المرجعية التي يتحول إليها لكي يفهم ما يجري ولكي يستمد منها الدعم والقوة للخروج من أزمته. ولكن مع الحركية التي أصابت المجتمعات الحديثة وتبدل ‏الأماكن والمهن والمراكز الاجتماعية واهتزاز النظم القيمية، لم يعد الأسلوب القديم في النظر إلى الأمور قابلا ‏للتطبيق. وانكفأ الناس على أنفسهم وذواتهم. ولم يعد للمرء سوى نفسه. وحلت محل التقاليد والقيم نظريات في ‏البحث عن أسباب الخوف والشكوك والأحلام والكوابيس .

وتنطبق هذه الصفات على الحقبة التي تتناولها “نقطة النور” من حيث ما أصاب المجتمع من تحول مفاجئ دون ‏أن تتاح له فرصة ما أصبح يعرف في مصطلحات الاقتصاد الحديث بعملية “التكيف الهيكلي” المطلوب. وهاهو ‏الباشكاتب الذي أوحت الرواية منذ صفحاتها الأولى بأننا سنكون معه بصدد تجربة صوفية وروحانية يكذب على ‏نفسه وعلى من حوله وهو يخفي زواجه العرفي عن أسرته وأحفاده، ورغم حنينه الجارف إلى التوبة والصفاء ‏وبلوغ نقطة النور نجده في حوار مع نفسه يقول: “أعرف أني لم أكن ملاكا في أي يوم. ظللت عمري كله أغمز ‏بعين للدنيا وبعين للآخرة دون أن أستقر على حال. ولكن لماذا نزلت إلى هذا الحد؟ أخفي عن الجميع سري مثل ‏لص يخفي ما سرق. لص شديد البراعة نجح سنين طويلة في أن يخفي سرقته. عمر طويل آخر وأنا أكذب على ‏الناس وعلى نفسي .”

هكذا اختار الباشكاتب الطريق الوسط الذي لم يقتصر على الغمز بعين للدنيا وبعين للآخرة، لكنه أيضا بعد أن ‏كان يحرص على اتباع الأصول في دفع الضرائب على محل تجارة الأقمشة الذي يديره ولده شعبان قبل أخيرا، ‏وإن كان على مضض، بأن يقوم بذلك أحد المحاسبين الذين له طرقهم في التهرب من هذه الضرائب، وكما كان ‏مصرا أيضا على عدم السماح بتأجير واجهة هذا المحل لأحد الباعة لعلمه أنه سيتاجر في السجائر والبضائع ‏المهربة، قبل بذلك تحت إلحاح ضغط مطالب المعيشة .

وليس الباشكاتب وحده هو الذي يعيش هذا المأزق، فكل شخصية من شخصيات “نقطة النور” تعيش مأزقها أو ‏كابوسها أو “ضعفها” الخاص، . وعبثا سيجد القارئ أي شخصية لا تعيش حالة مَرضية معينة. وسيلفت نظر ‏القارئ، في هذا الصدد، أن لبنى حينما عادت من إيطاليا، وجدت أن والدها قد حول غرفة مربيتها “دادة سنية” ‏إلى مخزن وضع في مقتنياته الفنية الثمينة التي كان من بينها تمثال خشبي لرجل طويل نحيل محني الرأس. ‏ويصف المؤلف التمثال قائلا: “كان يقلد أسلوب “جياكوميتي” الذي تحبه، ولكن بدلا من الرشاقة والتوازن ‏والشموخ في تماثيله، كان هذا يشبه تمثالا لرجل مريض. كان تمثالا مريضا. حولت بصرها عنه.” حتى التماثيل ‏مرضى في بردية بهاء طاهر . ” نقطة النور” لاتمثل فقط البحث عن المرجعية الروحانية أو التراثية التي تمثلها رحلة حياة الباشكاتب، ولكنها ‏تمثل أيضا البحث عن البطل/المثل، بل إنها تتحول في النهاية إلى “بكائية” ترثى “غياب” هذا البطل وهذا المثل. ‏يجسد هذه الرؤية المشهد الأخير في الرواية. وهاهي لبنى التي عادت إلى بيت “السيدة زينب” في وجود الجد ‏المريض، وسالم الذي يكاد أن يكون غائبا عن الواقع، وكانت الدموع تطفر من عينيها دون أدنى محاولة لمنعها: ‏‏”راحت تنظر إلى وجهه الشاحب، وإلى ذقنه النابتة، وإلى عينيه الجميلتين اللتين تتحركان في قلق، وإلى ساقيه ‏الطويلتين اللتين يبدل وضعهما في كل لحظة. وسألت نفسها: هذا هو سالم؟” وكان جواب لبنى على هذا السؤال ‏مناجاة مؤثرة لبطل غائب اختتم بها بهاء طاهر نقطة النور: “نعم هو. سالم الذي فعلت كل شيء لتطرديه من ‏حياتك، لكنه ظل يظهر لك دون توقع فيمسك يدك وأنت تمشين هناك على شاطئ النهر… سالم الذي تمر أسابيع ‏وشهور لا تذكرينه وإذا به فجأة يحيط بك كغلالة تزين كل شيء من خلالها ولكنك لاترين غيره. ماهمك إن كان ‏مريضا؟ لماذا طوال تلك السنين ظل الأصحاء والأقوياء الذين رأيتهم أشباحا عابرة، وبقي هو يغيب ثم يعود بلا ‏انقطاع؟ لو ترجع ياسالم أيام خوفنا معا؟ “

وحينما نستعيد تأملات لبنى مع نفسها وهي تسترجع شجار والديها حينما كان والدها في بداية حياته من الناشطين ‏الشيوعيين، وكانت أمها تصرخ فيه كثيرا: “فلقتنا بالامبريالية والبروليتاريا”؛ وبعد ذلك تخلى الدكتور شوكت عن ‏تطلعاته الثورية بعد أن سجن بضعة شهور؛ وفي لقائه الوحيد مع سالم ليلة اعتقال لبنى يقول له: “من أدخل في ‏عقولكم لعب العيال الذي تعملونه الآن؟ كنتم تريدون الحرب، والحمد لله حاربنا وانتصرنا. البلد بالكاد تشم نفسها، ‏وأنتم تريدون أن نرجع إلى أيام الخراب. وتتذكر لبنى مخاطبة أمها: “… لا امبريالية ولا بروليتارية. نحن الآن ‏نهتف للرجل الذي كنتم تلعنونه: بابا لأنه البطل الثوري الذي أدخله السجن، وأنتِ لأنك سليلة المجد والشرف ‏الدكتورة صفاء بنت الدكتور عبد العظيم بك.” حينما نستعيد كل ذلك نستطيع أن نجزم بوضوح من هو البطل ‏الغائب الذي تبكيه لبنى .

في “نقطة النور” تطرق بهاء طاهر بجرأة إلى موضوعات شائكة وأمراض اجتماعية بالغة الحساسية فتناول ‏الاغتصاب والعجز الجنسي واشتهاء المحارم (في مشهد صادم بين الدكتور شوكت ولبنى)، والماسوكية كسلوك ‏جنسي (حيث كانت نازلي هانم تتحول وسط الآهات والصرخات من أميرة متحكمة تطلب، إلى جارية خاضعة ‏تبذل، ومن التهتك السافر إلى الحياء والتمنع، ومن نمرة إلى شاه)، وتغلغل في نفوس أبطاله تغلغل المحلل النفسي ‏البارع، وعبر عن كل ذلك بلغة بالغة السمو، وفي أسلوب عذب راق، وكأنه يجدِّف بقارئه في خضم بحيرة تبدو ‏هادئة على السطح، لكن أعماقها تمور بتيارات جارفة. ولذلك فإننا في “نقطة النور” أمام نص خادع قد يبدو ‏وديعا هادئا في مظهره، لكنه ينطوي في جوهره على عالم مضطرم من الرموز المتشابكة والمجازيات المركبة ‏والإحالات المتتالية والمراوغة. وحسب القارئ أن يتساءل: لماذا بدت النساء في الرواية أكثر قدرة على “الفعل” ‏من الرجال “العاجزين” سواء أكان العجز متعلقا بالجنس أو الإرادة؟ ولماذا كل الشخصيات، حتى التماثيل، ‏مرضى؟ وما هو المغزى من الانتقال من “السيدة زينب” إلى “المنيرة الجديدة”؟ وما هو السر وراء صرخة ‏فوزية، حفيدة الباشكاتب، قائلة: “كيف يكون عندنا هذا الكنز، ونعيش فقراء؟”، وما هو مغزى مجازية البطل ‏الغائب الذي تحول إلى ما يشبه حائط المبكى؟. ولكن كل هذه التساؤلات تجرنا إلى دوامة لا خروج منها. ولعل ‏المؤلف، الذي لم يقدم أي إجابات، قد قال كلمته في مطلع الرواية مقتبسا مقولة أحد الحكماء: “يا أبنائي وأحبابي، ‏أفنيت العمر في البحث والترحال، فما عرفت إلا أن الجواب هو السؤال .”

لقد أصبحت تحولات السبعينات من الأحداث والوقائع الشائعة التي تناولتها أعمال فنية كثيرة، شأنها في ذلك شأن ‏قضايا البحث عن الذات والهوية واستلهام التراث. وفي “نقطة النور” استطاع بهاء طاهر أن يتناول هذه الأحداث ‏من زاوية متفردة وبرؤية بالغة الخصوصية والجرأة مقتحما فيها دخائل نفوس كسيرة ومريضة ومعذَّبة، متنقلا ‏ببراعة بين الواقع والخيال والحلم . وقد بلغ في هذا التحدي ذروة جديدة في أسلوبه السردي السامي الخلاب على ‏طريقة الكاتب المصري القديم: جلست، فتأملت، فكتبت، فكانت تلك البردية المزدانة بأزاهير التراث والفولكلور ‏من شعر وغناء وعادات وتقاليد شعبية، والتي لا أشك في أنه لن يمر وقت طويل قبل أن تصبح ضمن قائمة أهم ‏الأعمال الأدبية العالمية المعاصرة .