إدوارد الخراط فى طريق النسر

قمت في فجر شبابي المبكر بالعمل السياسي المباشر، العمل السياسي الثوري، المناهض للنظام الملكي القديم، ‏وبذلت في هذا أيضا من الجهد والطاقة الشيء الكثير، واعتقلت، في النهاية، سنتين أو أقل قليلا في أيام فاروق، ‏في معتقلات أبو قير بالإسكندرية، وهاكستب في صحراء القاهرة، والطور في صحراء سيناء

ولكن بعد هذه التجربة أدركت أنني بقدر ما كانت السياسة، أو الاهتمام بالسياسة، فطرة ثانية، فقد كان الاهتمام ‏بالأدب والثقافة فطرة أولى. ووجدت أن المجال الوحيد الحقيقي الذي أتصور أنني يمكن أن أفعل فيه شيئا، أو ‏يمكن على الأصح أن يلبي الاحتياجات العميقة عندي، هو مجال الأدب والإبداع الروائي بالذات

ورد هذا المقتطف على لسان إدوار الخراط في واحد من أهم كتبه العديدة التي أثرى بها المكتبة العربية (أكثر من ‏‏84 كتابا ما بين مؤلف ومترجم، وما بين الإبداع الروائي والقصصي والدراسات الأدبية والنقدية) خلال مسيرة ‏إبداعية على مدى أكثر من نصف قرن، وهي مسيرة آسرة مفعمة بالعزم والإصرار والتفرد الشامخ

هاتان الفقرتان اللتان نشرتا في عام 1997 (وربما كان تاريخ اللقاء الذي اجتزئت منه الفقرتان قبل ذلك ببعض ‏الوقت) تتصلان اتصالا وثيقا بأحدث روايات إدوار الخراط “طريق النسر” ، التي نشرت عام 2002. فالفقرة ‏الأولى من هذا المقتطف تعبر بإيجاز دقيق عن فحوى هذه الرواية التي يمكن اعتبارها تفصيلا مسهبا لذلك التوجه ‏الثوري للمؤلف في مطلع شبابه، ومشاركته في النشاط السياسي السري الذي انتهى بإيداعه المعتقل قرابة ‏العامين. وفي الوقت نفسه، فإن “طريق النسر”، بما تمثله (كما سنعرض له لاحقا) من ذروة فنية و “درس” في ‏فن “الرواية الكبيرة”، شكلا وموضوعا، إنما تقيم الدليل على مضمون الفقرة الثانية، التي أقر فيها الخراط بإيثاره ‏خيار الأدب والإبداع الروائي بالذات، على خيار السياسة (وإن كان في النهاية قد وظف الخيار الأول لخدمة ‏الخيار الثاني بما تعكسه أعماله من رؤى سياسية وفكرية ثاقبة).

نشرت “طريق النسر” في أوائل هذا العام بعد نشرها مسلسلة في إحدى الصحف المحلية المصرية في أواخر ‏العام الماضي، وهو العام الذي شهد أيضا نشر عمل كبير وهام من أعمال إدوار الخراط، وهو رواية “صخور ‏السماء”، وفي إطار سلسلة الأعمال البديعة التي أثرى بها الرواية العربية. وتؤرخ “طريق النسر” لفترة معينة في ‏حياة إدوار الخراط وهو بعد يدرس الحقوق في جامعة الاسكندرية في أواخر الأربعينات، التي شهدت ارتفاع مد ‏الشعور الوطني ضد الاحتلال البريطاني والحكم الملكي، إلى أن قامت ثورة تموز/يوليه في عام 1952. ولا تقف ‏الرواية عند سرد حوادث فردية تتعلق فقط بالسيرة الذاتية للمؤلف على نحو يدعو القارئ إلى أن ينظر إليها فقط ‏بهذه الصفة (صفة السيرة الذاتية)، لكنها تتجاوز تماما هذه الصفة لتتخذ شكلا روائيا متماسكا يغلب فيه السرد ‏الروائي على وقائع السيرة الذاتية، ويتجاوز فيه المؤلف زمن السيرة إلى أزمان أخرى متعددة عبر الماضي ‏والحاضر

فمع أن الأحداث الفعلية لواقعة اعتقال “يوسف”، بطل الرواية، لم تتجاوز العامين (منذ 15 آيار/مايو 1948، ‏وهو أيضا تاريخ دال، حتى أيلول/سبتمبر من العام التالي)، وتنقل خلالها (بطل) الخراط في ثلاثة معتقلات ‏‏(سنظل نضع “بطل” الخراط بين قوسين دائما لأن الأحداث الكثيرة التي تكتظ بها الرواية تنطبق في جانب منها ‏على “صاحب السيرة الذاتية”، وفي جانب آخر على “بطل الرواية”، وأحيانا لا يمكن الفصل بين هذا وذاك، ‏وتلك أيضا سمة أو خاصية أو ميزة إبداعية آسرة في فن الخراط، أعود فأقول إنه على الرغم من أن الزمن الفعلي ‏لأحداث الرواية لا يتجاوز العامين، إلا أنها أصبحت، في شكلها النهائي، بانوراما نفسية واجتماعية وسياسية ‏خصبة تغطي عشرات الأعوام في عمر بطل الرواية وشخوصها المختلفة، بل وتغوص لفترات أبعد في تاريخ ‏الوطن وأمجاده وانكساراته، فتكون النتيجة، كما يقول (بطل) الخراط “نص متقلب، يجيش بأنصاف الوقائع ‏وأشباه الذكريات، كما يحتشد بضجيج الأحداث وتحليقات الخيال.” ص 195‏

كنت أعرف أنهم سيأتون. سيأتون الليلة، بلا شك. ولكن، ماذا أفعل؟” السطر الأول في “طريق النسر”. ولعله ‏يشي بفكرة الرواية من أولها إلى آخرها. فالواقعة الأساسية في ذهن (بطل) الخراط هي واقعة الاعتقال، ومن ثمَّ، ‏فقد أبرزها في أول سطور الرواية. بعد ذلك، بدأ الراوي في الكشف عن توالي الأحداث التي انتهت إلى واقعة ‏الاعتقال الفعلية التي استغرق الوصول إليها قرابة 150 صفحة، بعدها يعلن الراوي “اعتقلنا جميعا ليلة 15 مايو ‏‏1948. وفي المعتقل كنا أعضاء كوميونة واحدة نتقاسم بالمساواة مع أعضاء الكوميونة كل مايرسله لنا الأهل من ‏مآكل وأطايب مهما كانت تافهة لها في الحبس مذاق خاص ونعمة مضاعفة.” ص 150‏

ولكن قارئ اليوم، الذي سمع عن (أو اطلع على) أدبيات المعتقلات، وخاصة في ما بعد “الثورة”، سيجد في ‏معتقل (بطل) الخراط نزهة أو رحلة مدرسية يندى ويسودُّلها جبين معتقلات الأزمنة التالية. ففي ذلك المعتقل ‏كان (بطل) الخراط يتراسل بريديا مع والدته، وتصله منها الطرود التي تحتوي على المواد الغذائية والكتب ‏وأدوات الحلاقة والبطاطين والشورتات. وكان أهل المعتقل يحصلون على إعانة شهرية من الحكومة. وعلى غير ‏مبعدة من معتقل الرجال الذي أودع فيه (بطل) الخراط، كان هناك عنبر المعتقلات الذي يأوي ناشطات من ‏المصريات واليهوديات اللائي كن يقضين يومهن في التمتع بحمامات الشمس وهن يرتدين الشورتات والبلوزات ‏الجابونير بدون أكمام. بل إن أحد المعتقلين وقع (أو كاد) في هوى إحدى المعتقلات، وراجت وشاعت الأقاويل ‏عن وجود اتصالات بين رجال المعتقل وعنبر البنات، وأن أمورا تحدث في أنصاف الليالي. وفي ذلك المعتقل، ‏ترجم (بطل) الخراط مسرحية مكسيم جوركي “في الحضيض” وقام المعتقلون بتمثيلها على خشبة مسرح أعدت ‏سريعا لهذا الغرض

< ويسجل (بطل) الخراط عودته إلى أهله بعد هذه “الرحلة” سليما معافى، لا عينا مفقوءة، ولا ضلعا محطما أو ‏نفسا مكسورة. وهو يسجل هذه اللحظة تسجيلا حرفيا لكنه غاية في التأثير: “عندما فتحت لي هناء باب الشقة، ‏شهقت وصاحت: ماما، ماما، أخويَ جَه. واحتضنتني وهي تقول بهمس، كأنما لنفسها: يا حبيبي يا خويا. كانت ‏أمي هي التي سارعت إليَّ، هي التي أخذتني في حضنها الطيب الحنون، أنشق منها رائحة ثوبها الأسود وعرقها ‏الخفيف.” ص 424‏

لكن تجربة اعتقال (بطل) الخراط، على هونها ويسرها، كانت قد أعملت فيه (وفي القارئ) أثرا عميقا وكاشفا ‏وتطهيريا: “هأنذا قد انتقلت عبر المعاناة، من اختناق الحبس إلى نشوة قبول التضحية بالذات وبكل شيء من أجل ‏شيء لا يتحقق إلا في طريق النسر عبر سماوات مفتوحة بلا نهاية. انتقلت من اليأس الكوني إلى ضوء الأمل، ‏ومن الوحدة الموحشة وعويل الرومانسية الخائبة أو السنتمنتالية المتسايلة إلى صلابة الزمالة وحرارتها،من ‏التوجس والقلق الميتافيزيقي والشكوك التي تضرب أسس عقيدة قديمة تتوعد بعذابات غير مفهومة إلى بهجة ‏التحدي – تحدي سطوة القمع المتجددة أبدا، وسلطة النص المكرس العتيق، وقبول المخاطر مهما كانت عواقبها. ‏قلت: قد يبدو ذلك كله ساذجا وبدائيا، حتى. لكن لا. فيه صدق لا يريم مهما تقلبت صروف الأحداث.” ص410‏

طريق النسر”، “السنتمنتالية”، “التوجس”، “القلق المتافيزيقي”، “سطوة القمع”، “سطوة النص”، كلها عبارات ‏تحيل إلى متن هذا العمل الكبير، وإلى توجهات الخراط وفكره منذ صدور مجموعته القصصية الأولى “حيطان ‏عالية” في عام 1959(التي وجدتني، لسبب لا أدريه، مدفوعا إلى قراءتها من جديد بعد قراءة “طريق النسر”). ‏إن الخيط المتين الذي يربط بين “حيطان عالية” و “طريق النسر”، بكل ما ينتظمه وينطوي عليه من أعمال، هو ‏شهادة صادقة على أهمية وعمق المسيرة الإبداعية لهذا الروائي العظيم

يستهل الخراط “طريق النسر” بمقتطف من كتاب الأمثال

أربعة لا أعرفها:

طريق نسر في السماوات،

‎‎

وطريق سفينة في قلب البحر،

وطريق رجل بفتاة،

كذلك طريق المرأة الزانية، أكلت ومسحت فمها،

وقالت: ما عملت إثما. (التوراة – أمثال 30/18-20)” (ص5‏

وهو اقتباس يعكس صداه في ما انتهت إليه تجربة (بطل) الخراط كما يصورها في الفقرة المقتبسة أعلاه. تجربة ‏ملتبسة، لا سبيل إلى معرفة حدودها وإدراك كنهها. تجربة تضع الراوي أمام أسئلة لا نهائية لا جواب لها، وتدفع ‏به في أتون قلق دائم وبحث دائب عن معنى الأشياء كمنطلق لإبداع مختلف ومتفرد. “على هذا النحو، إذن، كنت ‏أحيا حياتي المزدوجة، أو متعددة الطبقات، حياة الثوري المنخرط حتى النخاع في المروق على مواضعات ‏المجتمع، وحياة الممتثل لهذه المواضعات نفسها، السائر على سننها، وحياة العاشق الشبق المنغمس في حمأة – ‏ونشوة – الشهوات الجسدية والروحية معا، والمحلق معا في أوهام ليست من هذه الأرض. أي جدوى من سؤالي: ‏أيها الحياة الحقيقية؟ ما معنى الحقيقة هنا؟ كلها – في النهاية – حقيقية. (ص156‏

ولا يني (بطل) الخراط يقدم لقارئه، في غضون “طريق النسر”، “تفصيلات و “تجليات” لهذا الاقتباس من ‏التوراة: “طريق رجل بفتاة”. فهذه العبارة يرد ذكرها في متن الرواية حينما يزور البطل زميله في الحلقة الثورية ‏النقابي شاكر المريوطي. “لم أكن أملك إلا أن أتساءل ماالذي جمع بين هذه المرأة القوية الجميلة، بطريقتها، في ‏العشرينات من عمرها، وبين الرجل المتهدم المصدور الذي بدا أكبر من سنه بكثير. ماالذي يجعلها تنظر إيه ‏بعينين ملؤهما الحب والحدب والإكبار والإجلال والانصياع لسطوة غير مرئية لكنها محسوسة؟ لم يكن عندي ‏أدنى شك في إخلاصها لرجلها، وتعلقها به، بل إجلالها وامتثالها له. ما طريق رجل بفتاة؟ هل كان الفعل الجنسي ‏بينهما هو، من جانبه، حمى التشبث بالحياة في تحد لموت قادم ومؤكد، ولكنه مرفوض من الرجل ومن الفتاة ‏معا؟ ص 70‏

سيبدو خط السيرة الذاتية واضحا في الرواية حينما يتذكر الخراط الأصدقاء الذين “أثْروا الحياة في مساراتها ‏القديمة والحديثة على السواء، أحمد مرسي، سامي علي، بدر الديب، مصطفى بدوي، عدلي رزق الله”، وحينما ‏يتحدث عن الراحلين من أمثال رمسيس يونان، ومحمد ناجي، وراغب عياد، وكامل التلمساني، وإنجي أفلاطون، ‏وفؤاد كامل وغيرهم. و(بطل) الخراط، بحديثه الموجوع عن الأصدقاء الراحلين يثير شجنا حقيقيا وأصيلا: “لماذا ‏تثقل عليّ السنوات الطوال وتنوء علىَّ بأحمالها؟‏

وإذا كان من المتفق عليه أن أي عمل أدبي هو، في النهاية، لمحات أو مقتطفات من السيرة الذاتية، فإن الخراط ‏يستحضر في “طريق النسر”، سواء بوصفها “سيرة ذاتية” أو عملا روائيا، معظم الشخصيات والوقائع التي ‏عرفها القارئ في أعماله السابقة بدءا من “منظومته النسائية”: عايدة وزينب وجمالات، والأختان أرليت ‏وأوديت، ودولت “التي تسكن تحتنا في بيت ابن زهر وتكتب لي رسائل غرامية تبعث إلىَّ بها في طوايا روايات ‏الجيب”، وفاطمة، الموديل العارية في مرسم صديقه أحمد قنديل، وقبلهن جميعا نعمة ورامة “ذلك الكيان ‏الأسطوري التي سوف تصاحبني إلى آخر العمر، وما بعده، ربما (ص121)”، إلى أصدقاء العمر ممن سبقت ‏الإشارة إلى بعضهم، وأضيف إليهم هنا شفيق راقم، الحاضر الغائب في معظم نوستالجيات الخراط كصديق ‏عمر، وقاسم اسحاق “الذي عرفته باسم مصطفى وحفرت اسمه على يدي بالدم في طقس صبياني” (تفاصيل هذه ‏الحكاية أظنها وردت كاملة في رواية الخراط “صخور السماء”)، وكامل الصاوي الذي توفي محترقا في سريره ‏وهو يدخن، وغيرهم

ولذلك فإن “تناص” الخراط مع نفسه يجعل قارئه لايني يسأل نفسه دائما وهو يقرأ أعماله: أين قرأت هذه العبارة، ‏وأين مررت بمثل هذه الصورة أو قابلت هذه الشخصية، ويكون ذلك قد حدث بالتأكيد في عمل آخر من أعمال ‏الخراط. وسيتبين القارئ أن الكثير من عناوين أعماله ينتثر في أرجاء النص في غضون السرد العادي: “ساعات ‏الكبرياء”، “رقرقة الأحلام الملحية”، “”تباريح الوقائع والجنون”، “اختناقات العشق والصباح”، فالخراط ‏‏”مسكون” بشخصياته التي تتلبسه ويتلبسها إلى حد التماهي الكامل

في “طريق النسر” يطلق (بطل) الخراط، العاشق الثوري، شعاراته ومبادئه في العشق والثورة. “إن المرة ‏الواحدة الوحيدة من فعل الحب تصنع أو تضع ميثاقا دائما وأبديا، وليس مجرد أمر عارض أو عابر، ليس مجرد ‏إطفاء لرغبة عادية، بل هو ختم ووشم لا يزول. عقيدة الجسد.” (ص18) “الغاية عندي لاتبرر الواسطة. الوسيلة ‏الفاسدة لابد سوف تعطب الغاية إن لم تحبطها تماما. (ص 404) “هل كنا نعرف، أو نتصور، أن يأتي زمن كأنما ‏يدين فيه البلد بالخضوع لسماسرة التوكيلات وناهبي البنوك وتهريب الثروة إلى الخارج باسم الخصخصة ‏والعولمة، المرتشين وتجار السلاح والمزورين وأباطرة المخدرات، وحيتان الأعمال من كل نوع، الأبشع نهبا، ‏والأغلظ ذوقا، والأنكى جشعا، والأبعد جشعا من باشوات الإقطاع؟ ص 74‏

‎‎ “‎قلت: في تلك الأيام ـ أين ذهبت تلك الأيام؟ ـ كان الشعب عفيا، قوي‏ العود غير مخصي بعد. كان يعرف ـ من ‏علمه؟ ـ معنى الحرية وعلى استعداد لبذل الحياة نفسها في سبيل الحرية. كان عصيا على الانصياع لكل سلطات ‏القمع العتيد أو سلطات النص العتيق. قلت: لم تكن تضلله ـ كثيرا ـ غوايات تغييب الوعي من خلال أجهزة الإعلام ‏كاسحة الانتشار، ولم تكن تظلله وصاية أبوية ديكتاتورية فرضت عليه تحقيق مطالبه هو نفسه فرضا من غير أن ‏يسهم في الحصول عليها ومن ثمَّ سرعان ماانهارت وجرفتها موجات الخصخصة العارمة وفحش العولمة ‏والتبعية للرأسمالية المتوحشة. أما يكفي هذا تفجعا، أو توجعا؟” (ص 96‏ ‎) ‎

‎‎‎ وفي قلب كل هذه الوقائع والتوجعات يتربع الخراط على عرش هذا النص المحكم النسيج ويشد إليه القارئ في ‏تتابع صفحاته التي تتجاوز الأربعمائة والتي تفتح أمام القارئ كنزا من اللوحات الحية النابضة التي تتداخل فيها ‏وقائع السيرة الذاتية والوقائع التاريخية والاجتماعية للوطن‏

مقتطف من “طريق النسر

تختفي عايدة السوداء، على ترجيعات موسيقى فيردي والقبو الفسيح يتخذ مقاييس إنسانية، ويحل في إهاب عايدة ‏مثول للمجدلية، ومن القبر تصعد تهليلات القيامة، وأنا أحيط بذراعيَّ ظهرها الشامخ العريض، أحيط بذراعيَّ ‏أنوثة العالم، أحيط جسم عايدة التي تهتز برفق على أمواج المينا الشرقية الرقراقة، يهدر المحرك، يتقلب زبد ‏الموج على الجانبين، تنصب دفقة المدفع على المبنى العريق المنيع وتسري في الجسم رعشة مع انطلاق الضربة ‏واصطفاق الموج وهتافات الآلاف المحتشدين على رصيف الميناء، “أورورا” تضرب فيشتعل سحاب سان ‏بطرسبرج وتحترق سماء الاسكندرية الساجية. يتهاوى جدار “رأس التين” ويرد المدفع الضخم من ربوة سيدي ‏بشر ويتردد صدى القصف المدوي في صمت المدينة المطبق المفاجئ تتلوه رشاشات من أبراج المنتزه كابية ‏الحمرة التي طالما أرهبت الناس بزخات متلاحقة ثاقبة تستجيب لها – في تحدي مقاومة تكاد تكون مستحيلة – ‏طلقات بنادق قديمة من القناصة الثوريين الكامنين وراء رمل ربوات المندرة ومتاريس باريس. رأيت الجموع ‏تحاصر قصر السلطان فؤاد في ميدان الأزهار وتهتف بسقوط الطغاة، وسمعت أصداء إعلان الجمهورية في ‏أقاليم مصر الثائرة. هل قامت الجمهورية حقا؟ جمهورية روبسبيير، جمهورية الكوميون، جمهورية أكتوبر، أم ‏جمهورية محمد نجيب؟ (ص43