نخلة على الحافة

التشبث بالموت انتزاعا للهوية وخلاصا من الواقع المر

كثيرة هي المعالجات التي تناولت تجربة الموت باعتبارها تجربة إنسانية طاغية وفريدة. ومع أن بعض الفلاسفة ‏رأوا بأن “حدث” الموت، من حيث أنه يشكل نهاية الحياة وتوقفها، لا يمكن اختباره أو تجربته، وبالتالي فإنه لا ‏ضرر منه كما أنه لا يشكل مدعاة للخوف، فقد ربط الكثير من الفلاسفة المحدثين بين الموت والهوية والمسؤولية. ‏وفي أطروحة بالغة الأهمية عن هذا الموضوع يقول الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا: “إن الموت هو الشيء ‏الوحيد الذي لا يمكن لشخص آخر أن يتعرض له أو يواجهه بدلا مني. ومن هنا، فإن الموت هو الذي يمنحني ‏صفة الفرد الذي لا يمكن لأحد أن يحل محله. ومن هذه البقعة، حيث يمنحني الموت هذا التفرد، فإنني أشعر بنداء ‏المسؤولية.”([1‏])

نخلة على الحافة
تعالج هذه الفكرة من خلال بطلها متولي عجورة، المفكر والمثقف والثوري القديم، بعد أن ‏تقدم به العمر وأصبح وحيدا، بعد وفاة زوجته وزواج ابنه الوحيد، في عالم لم يكن يخطر له على بال أن العمر ‏سيطول به إلى أن يراه ويعيشه، عالم الألفية الثالثة بما جلبته على الكون وعلى عالمه الخاص من متغيرات لا ‏يرى سبيلا إلى قبولها. ولذلك فهو يردد دائما أبياتا من الشعر بدأ بها المؤلف صفحات الرواية. وتقول هذه ‏الأبيات:”تشبث بموتك أيها المغفل. دافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب. فما الذي تريد أن تراه ؟”(ص5‏ ).

وبدءا من عنوان الرواية (نخلة على الحافة) إلى ختامها المأساوي الذي سيفاجأ فيه القارئ بمقتل بطلها الأساسي ‏متولي عجورة ورفيقه في الكفاح السياسي ضد الاستعمار الانجليزي قبل ثورة يوليو، كمال مسيحة، وحفيده الذي
انطلقت أيضا رصاصة طائشة من هذا الرفيق فأودت بحياة الطفل البريء، أقـول إنه بدءا من عنوان الرواية حتى ‏نهايتها سـيكون الموت هاجسا أسـاسيا، وربما رغبة مدفونة لدى بطل الرواية، وهو
يكاد أن يكون بطلا نموذجيا ‏في كل أعمال جميل عطية ابراهيم، بطل مهموم بالبحث والتدوين والدفاع عن تاريخ أمته وحقوقها، بطل يحمل ‏كل ملامح سقراط الفيلسوف بتأملاته القائمة على نقد الذات وبحثه
الدائب القائم على نظرة كلية وكونية للأمور

وبطل “نخلة على الحافة” متولي عجورة لا يختلف كثيرا من حيث السن والتوجهات والأهداف عن بطل رواية ‏جميل قبل الأخيرة، وهي “خزانة الكلام” التي كانت تعبيرا عن الرفض الصارخ لدعاوى العولمة والتطبيع وكل ‏أشكال السيطرة الاستعمارية الجديدة المتمثلة في السيطرة الاقتصادية وسيطرة الشركات عبر الوطنية. أهم من ‏ذلك أن “نخلة على الحافة” نفسها يمكن اعتبارها “خزانة كلام” جديدة وتعبيرا متواصلا عن ذات الأفكار والرؤى ‏التي تناولتها الخزانة الأولى”، لكنها هذه المرة في إطار فلسفي عميق يخيم عليه شبح الموت الذي يرى فيه بطل ‏الرواية خلاصا من واقع مرير لم يعد هناك سبيل إلى احتماله

في شكل روائي جديد يبدأ جميل عطية ابراهيم روايته بـ “مفتتحين” يجسدان فحوى الرواية والموت الآتي الذي ‏ينتظر بطلها في النهاية. المفتتح الأول بعنوان “بداية النهار”، والثاني بعنوان “خاتمة النهار”. وهذان المفتتحان ‏اللذان يسبقان فصول الرواية في ترتيبها العادي هما بمثابة استهلال موسيقي يهيئ القارئ لطابع و “جو
الأحداث ‏التي سيعيشها من خلال العمل ككل. وسيلاحظ القارئ أن معظم هذه الأحداث يمكن أن يندرج في إطار طرفي ‏النقيض اللذين تمثلهما بداية النهار وخاتمته. وفي هذا الاستهلال يركز المؤلف على فكرة الموت، وكيف أنها ‏تستحوذ على عقل متولي عجورة نهارا وتقلقه وتخيفه ليلا. وفيه أيضا نتعرف على متولي عجورة
الذي يصفه ‏المؤلف بأنه “رجل عجوز، حي وميت، وفي
الثانية والسبعين من عمره. رجل في أرذل مراحل العمر. ينام ‏ويصحو. يقوم ويجلس. يدخل ويخرج. يأكل ويشرب. يحب ويكره. يناقش. يختلف. يخاصم. يُعمِل ذهنه في ‏كبريات أمور العالم. يضع خططا للحرب والسلام. ويقوم بكل هذه الأعباء الجسام، وأولها شراء الخضار الطازج ‏من عند نفيسه وإعداد لقمته بنفسه، لكنه ميت. قال وهو يعد قهوته في المطبخ:

ـ تشبث بموتك يامتولي ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب.” (ص 6و7‏).

سيتولى جميل عطية ابراهيم فيما بعد، وخلال فصول الرواية، “تفكيك” هذه الصورة الكلية التي قدمها لنا عن ‏متولي عجورة. وسيعشق القارئ هذه الشخصية المسكونة بهمومها الذاتية وهموم الوطن والعالم. وسوف يتفاعل ‏مع الماضي الثوري لمتولي عجورة منذ أن شارك في المظاهرات ضد قوات الاحتلال البريطاني، وفتحت ‏الشرطة كوبري عباس، على نيل مصر، على المتظاهرين فسقطوا في النيل، وكيف نجا من الغرق لما له من ‏دراية ودربه على العوم منذ طفولته في قريتهم في الصعيد. متولي عجورة يؤرخ لحياته كلها بسنة وقوع هذه ‏الحادثة، وليس بسنة ميلاده أو قدومه من الصعيد. وبعد خروجه إلى المعاش أصبحت حكايات حاضره
كلها، ‏بجذورها وفروعها، تعود إلى تلك السنة، 1946‏

هناك حادثة أساسية أخرى في حياة متولي عجورة الشاب، حينما قرر القيام بعملية اغتيال سياسي للتخلص من ‏صديقه زعيم الحركة الطلابية في الجيزة، كمال مسيحة، بعد أن تخلى هذا الأخير عن واجبه الثوري وادعى ‏الجنون بالوقوف تحت تمثال ابراهيم باشا في قلب القاهرة والإتيان بحركات مخبولة. ويترصد متولي عجورة ‏صديقه يوميا على مقهى يطل على الميدان، يمتلكه صعيدي قوي الشكيمة يدعى المعلم عبد الجبار، والذي يعرض ‏على متولي القيام بالمهمة بالنيابة عنه. لكن صديقه يكتشف المؤامرة المدبرة له ويواجه عجوره بها فيتخلى عن ‏مهمته

على مر الأعوام، يتولى عجورة منصبا مرموقا في هيئة الإصلاح الزراعي. ويفاجأ ذات يوم باسم كمال مسيحة ‏ضمن المتقدمين لطلب عمل في تلك الهيئة. كان قد مضى على قيام الثورة ثلاث سنوات، وعلم متولي من مسيحة ‏أنه ألقي القبض عليه خلال هذه الفترة ثلاث مرات. ورغم ما يشكله ذلك من خطورة تحول دون تعيينه في الهيئة ‏خاصة وأنها كانت آنذاك ثكنة عسكرية مليئة بكبار ضباط الجيش وعلى رأسها قائد جناح، فقد تولى عجورة ‏المهمة ووفر لرفيق الكفاح القديم الوظيفة التي طلبها

سعد متولي بدوره في عملية توزيع الأراضي على المعدمين، وعمل ليلا ونهارا، ترس في طاحونة، ولكن بعد ‏سنوات عديدة، ومع تصفية الهيئة في السبعينات، وتبدل القوانين، أحال نفسه إلى المعاش المبكر بمحض إرادته. ‏لم يتحمل البقاء. تابع الكتابة والبحث والتدوين مفضلا ذلك على العمل الحكومي. رفض عروضا مغرية من ‏أصحاب النفوذ الجدد بسبب معرفته بخبايا القوانين، ورفض كتابة مذكرات قانونية دفاعا عن أصحاب الأرض ‏القدامى في مواجهة الفلاحين في المحاكم

من الشخصيات الأساسية الأخرى في عالم متولي عجورة شخصية “الجنرال أبو طرطور”: نصفه بني آدم ‏والنصف الآخر خيش وأعلام وخيوط طائرة وورق ملون وشخاليل. تاج ملكه طرطور، وسلاحه عصا جوافة. ‏أبو طرطور موكب متحرك وله زفة وهيصة بصفارة معدنية في فمه يعلن عن قدومه. يقلد كل الأصوات بدقة ‏وبالمجان. أبو طرطور هو الملك وهو الجنرال، وربما الشعب أيضا. على رأسه تاج ملكه، وملابسه الرثة تزينها ‏نياشين من صفيح وشارات عسكرية من قماش قديم. لكن أبا طرطور ليس مهرجا ولا متسولا. هو رجل خف ‏عقله وإدراكه بسبب مصيبة حلت به وبالبلد عام 1967. رجل رأى قتلى النابالم على ضفاف قناة السويس وفظائع ‏القوات الإسرائيلية، فقد رشده ودار في الطرقات، وكان في يوم ما في شبابه متعلما وفاهما. ساقه سوء حظه ذات ‏يوم إلى قسم الشرطة بعد حادثة وقعت له في الحي. انهالت على جسد أبي طرطور العصي واللكمات من كل ‏جانب. وقع. قام. جلس. انزوى في الحائط. اختبأ في جسده. كانت علقة لن ينساها. توقف عن الهيصة. مات ‏موكبه. هزم. استسلم. انخرط في بكاء كالنحيب. قال في صوت حزين: “جاءوا من الغرب، وكنت أظنهم يأتون ‏من الشرق. لاصوت يعلو على صوت المعركة. توقف الجميع عن ضربه لحظة
تقليده جمال عبد الناصر. قدسية ‏الرجوع إلى حكاية قديمة جعلت أيديهم تسقط.حل الصمت والخشوع. توقف الناس على السلالم وفي الممرات. ولم ‏يطل الصمت، فقد هتف أبو طرطور فجأة بصوت جهير: عاش جمال عبد الناصر، يسقط أنور السادات. كانت ‏نكسة 67 قد خلفت الكثير من الجنرالات من هذا النوع، المجانين منهم والعقلاء. وقد آثرت أن أنقل هذا المشهد ‏كما رواه المؤلف بغض النظر عما يبعث به من إشارات متضاربة وعما يثيره في النفس من أسى، أيا كان ‏المغزى وراء هذه الإشارات

في حياة متولي عجورة أيضا ابنه الطبيب الدكتور سليم
المشغول عنه بأبحاثه، وزوجة ابنه مادلين التي فضلت ‏عليه في البداية زوجا ثريا مالبث أن طلقها بعد أن أنجب منها طفلا يعيش
الآن مع الإبن والزوجة اللذين يسعيان ‏إلى “استغلال” الجد، مجازا، في رعايته واصطحابه إلى النادي الرياضي في سيارة والده الثري (وهو مارفضه ‏عجورة بشدة). وهناك نفيسة بائعة الخضروات التي كانت تعمل مع زوجها في جمع القمامة (عيناه زائغتان بين ‏فرشة الخضار، وبين جسدها الممشوق. عود زان، تبارك الخالق. تشبه صوفيا لورين في شبابها المبكر. نعم، هي ‏صوفيا لورين النوبة. سمارها يلمع ويزيدها فتنة. نفيسة امرأة و لا كل النساء). وهاهي تطلعاتها تقودها إلى شراء ‏سوبر ماركت، تصور أهل الحي أن عجورة ساعدها ماليا في الحصول عليه. ومن الشخصيات الثانوية أيضا ‏ممثلة غير مشهورة، وباحثة تنشد مساعدته في دراسة تعدها عن حركة الطلبة في الأربعينات

يعيش متولي عجورة في عمارة قديمة في شارع جانبي في حي الجيزة. يغادر مسكنه دائما متوجها إلى وسط البلد ‏حيث الحركة والضجيج والحياة. ينتظر سيارة الأجرة إلى جانب الترعة تحت نخلة عالية ميتة. يروح ويجيء هنا ‏وهناك ثم يعود ليقف تحت
النخلة: “نخلة ميتة وحيدة. لاتصد شمسا في الصيف، ولا تحمي من المطر في الشتاء. ‏نخلة بلدي لا تطرح. عجوز، تلف جذعها، وسقط جريدها. يأنس الأستاذ متولي إلى هذه النخلة، ولا يقف إلا ‏تحتها، ربما لأنها وحيدة، أو لأنها من علامات المنطقة” (ص 78). تلك هي النخلة/ الرمز
التي تقف على حافة ‏الترعة تنتظر موتها. وهي النخلة التي يرى متولي تطابقا بينها وبينه، وبين مصيرها ومصيره. قرر يوما أن ‏يشترى “كومبيوتر” لحفيده. ناقش الولد البائعين عن معرفة، وساومهم على البرامج عن فهم، بينما “وقف الأستاذ ‏متولي في المحل صامتا وهو ملك الكلام. هذه ليست بضاعته، وهذه ليست أيامه. غمرته الدهشة. غرق في ‏الصمت يتأمل حاله طوال عملية الشراء والفحص. سرح. رأى نفسه نخلة واقفة على حافة الترعة. نخلة مائلة ‏مات ساقها الطويل من زمن. نخلة اسود سعفها وحرقته الشمس. نخلة ميتة جذعها نخرته حشرات. نخلة سقطت ‏قشرتها وبان لحاؤها.” (ص 127‏).

يشعر متولي عجورة بأنه فقد زمانه وتاريخه. ضاق ابنه من حديثه عن واقعة كوبري عباس التي يعتبرها هو ‏محور حياته وإنجازه الثوري في شرخ الشباب.العالم يغلي، أصوات تحطم وذوبان برجي نيويورك تلاحقه من ‏أرجاء المعمورة. متولي ياعجورة، أيها العجوز، هذا زمن غلق الملفات القديمة واستبدالها بالميديا والصورة ‏والوقائع الجديدة. القنوات الفضائية هي التاريخ في عرف هذا الجيل. لكنه يعتبر دائما أن الذاكرة الفردية هي عماد ‏النهضة
في الشرق والغرب وكل نهضة على وجه الأرض

الناس حوله جياد في سباق، أما هو؟ ويتمتم لنفسه مبتسما: كلب سكك. لا همة ولا أهمية. يتأمل في وحدته ‏مرارات آخر العمر. يتساءل: هل أخطأ حقا بعدم الزواج بعد وفاة زوجته. يحاول أن يجد لنفسه المبررات إبنه ‏تعثر في دراساته. تفرغ له. كلهن يطلبن المال والجاه والحياة الرغدة حتى المطلقات منهن. القصد. ضاع العمر. ‏يدرك متولي عجورة أنه فاتته قطارات كثيرة في حياته بسبب الكلام. فاته عدة مرات قطار الترقية. فاته قطار ‏الزواج بعد وفاة زوجته. فاته تكوين عزوة من الصبيان والبنات. فاته تكوين ثروات وكان قادرا. وأهم من هذا ‏وذاك، فاته قطار الموت. لكنه لا يزال يتكلم، وغالبا ماينتهي به حديث السياسة إلى القول: “أعمارنا أطول من ‏أعمارهم أولاد الكلب.”يقولها متولي عجورة مرة واحدة بشكل غامض، وفي سياق غير واضح، ويصمت، فلا ‏يعرف أحد إذا كان يسب الصهاينة أم الاستعمار القديم أم الاستعمار الجديد أم العولمة أم رجال الأحزاب أم الحكام ‏أم رجال الإعلام أم رجال الأمن أم رجال الاقتصاد أم رجال البنوك

عجورة يفزعه عالم جديد: أكله معلبات، وشعاراته أغنيات ساقطة، ومذهبه الخصخصة، وطموحاته ترسمها ‏الفضائيات. عالم لا يقرأ فيه حفيده اللغة العربية، بينما هو في سنه كان قد حفظ القرآن الكريم وأشعار حافظ ‏وشوقي ونثر طه حسين. ولذلك فهو يفكر دائما في لحظة الموت، وهو تفكير فلسفي عميق: “الموت حشرجة. ‏الموت اختناق. آلام طلوع الروح مبرحة في معظم الأحوال، وقليلا ماتكون ميسرة. هذا نصيب. قدر الإنسان ‏الموت في نهاية المطاف، ونهاية الخط دوما غير معروفة، والعاقل من احترز وتوقع موته في كل لحظة، وتمنى ‏الموت على فراشه وبمفرده. لا يود لأحد أن يراه وهو ينازع في لحظات نهايته.” (ص 120‏ ).

ولأن روايات جميل عطية ابراهيم هي إبحار مبدع في التاريخ السياسي والاجتماعي وقضايا الفكر والتقدم ‏والمحافظة على التراث والهوية القومية في مواجهة رياح العولمة والشركات عبر الوطنية والاستعمار المتلون ‏بكل أشكاله، فإن القارئ عموما لايعول كثيرا على وجود بعض الأركان التقليدية للرواية من قبيل الحبكة أو ‏التسلسل السردي أو الوقائع المثيرة. ومع ذلك، فإن جميل عطية ابراهيم، سواء لإرضاء القارئ أو وفاء منه ‏لمهمته الروائية، يصر أحيانا على إدراج، ولا أقول إقحام، بعض هذه الوقائع في رواياته مما يجعلها تبدو أحيانا ‏خارجة عن السياق. وقد رأينا ذلك في أكثر من عمل، حيث ترتكب، مثلا، جريمة قتل، ويكون ضحيتها غالبا أحد ‏المثقفين أو المدافعين عن الحريات والحقوق. في “نخلة على الحافة” يصل هذا التوجه بالمؤلف إلى مداه، وينهي ‏روايته نهاية بوليسية تماما، فكأنها إحدى روايات أغاثا كريستي حيث تقع ثلاث جرائم
قتل يروح ضحيتها متولي ‏عجورة، وصديقه كمال مسيحة، وحفيد عجورة، الطفل الذي كان يمكن أن يعد بمستقبل أفضل في مواجهة الواقع ‏المنهار الذي يعيشه
عجورة

ومع ذلك، فقد أراد المؤلف بهذه النهاية المأساوية
أن يعبر بأقسى ما يمكن أن تعبر عنه الألفاظ والأفعال عن واقع ‏‏(وعالم) انتفى فيهما العقل والمنطق، وغلبت عليه هيمنة القوى الغاشمة والتحكم في مصائر الكون. عالم السفاحين ‏والقتلة والحروب غير العادلة وغير المتكافئة. عالم الخزي والعار الذي وجد متولي عجورة نفسه في مواجهته مع ‏بداية الألفية الثالثة. هذا العالم
الذي أفقد عجورة صوابه ودفعه إلى قتل نفسه
بعد أن قُتل حفيدة برصاصة طائشة ‏أطلقها صديقه، الذي قام هو بدوره بإطلاق النار على نفسه. وبذلك فإن موت عجورة، وإن اتسق مع رغبة دفينة ‏في الموت تراوده
منذ بداية الرواية، هو أيضا صرخة احتجاج واستنكاف ضميري كوني ضد قوى القهر والشر ‏التي تفرض نفسها على عالم القرن الحادي والعشرين. ولذا، فإن “نخلة على الحافة” هي انطلاقة جديدة في ‏‏”ماراثون” جميل عطية ابراهيم الفكري ومشروعه الإبداعي، وعمل بارز يؤكد من جديد مصداقية والتزام هذا ‏الكاتب العظيم