جميل عطية ابراهيم فى المسألة الهمجية

أصبح العالم مكانا تستعصي الحياة فيه؟ هل أصبحت الغلبة للأقوى ولم يعد للضعفاء أن يرثوا الأرض التي ‏وعدوا بها؟ هل سادت أفكار العولمة والحداثة ونهاية التاريخ حتى قبل أن يتوصل الناس إلى حد أدنى من توافق ‏الآراء حول معانيها وكنهها؟ وهل أصابت الفوضى تاريخ العالم فبشر بعضهم، أو أنذر، بنهايته، وأصبحت ‏المجازر البشرية، وحروب الإبادة، وانتهاكات حقوق الإنسان، والاستنساخ، والهندسة الوراثية، وبطش القوى ‏الكولونيالية الجديدة، ونهب الثروات الوطنية (حتى على يد الوطنيين أنفسهم)، وهدم قيم الماضي، هل أصبح كل ‏ذلك سمة من سمات الألفية الجديدة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو السبيل إلى الخلاص؟ هل يكون ذلك بالتشبث ‏بالماضي وصونه والبناء عليه، أم بالتخلص منه والعودة إلى حالة بدائية، ولو كان ذلك من خلال طقس طوطمي ‏ووهمي يتخذ شكلا من أشكال الخرافات والميثولوجيا التاريخية من قبيل حرق الآثار أو إلقائها في اليمّ درءا لما ‏يمكن أن يحل به وجودها من كوارث، أو طلبا لما يمكن أن يجود به التخلص منها من نعيم وازدهار؟‎ ‎

تعكس هذه التساؤلات بعضا مما تغص به صفحات ”المسألة الهمجية“، أحدث أعمال الروائي المرموق جميل ‏عطية ابراهيم، التي صدرت مؤخرا عن دار ميريت للنشر والمعلومات بالقاهرة. وتقدم الرواية، من خلال تجربة ‏رومانسية ذاتية، رؤية فلسفية حداثية لواقع عالمي ومحلي مقبض ومستقبل بلا ملامح. وسيتأكد من جديد لقارئ ‏‏”المسألة الهمجية“ الطابع الذي يتسم به دائما البطل الرئيسي في مجمل أعمال جميل عطية، وهو البطل المثقل ‏بهموم واقعه، المشتبك دائما مع تراثه وماضيه، سقراط الذي لا يكف عن طرح التساؤلات والافتراضات بحثا عن ‏الحقيقة النهائية‎.

‎ والبطل الرئيسي في ”المسألة الهمجية“ هو نبيل سعيد، الباحث والمحقق في التراث والناشط في الدفاع عن قضايا ‏حقوق الإنسان. يعيش نبيل سعيد في الخارج بصورة شبه دائمة. ويضطر إلى الحضور إلى القاهرة لاسترداد ‏شقته التي استولى عليها صاحب العقار، والتي عُثر فيها على جثة ابن صاحب العقار هذا مشنوقا. ويمكن اعتبار ‏‏”المسألة الهمجية“ بمثابة دفتر أحوال لهذه الزيارة التي ربما لم تستغرق سوى بضعة أسابيع لكنها كانت حافلة ‏بالأحداث سواء على المستوى الشخصي لبطل الرواية، أو على مستوى التطورات السياسية في المنطقة، وكان ‏أبرزها مذبحة جنين في الأرض المحتلة، وجهود التحقيق والإغاثة الدولية في وقت ضرب فيه العدو عرض ‏الحائط بكل الأعراف والقوانين الدولية وخاصة اتفاقيات جنيف. وحينما يسأل بطل الرواية رئيس لجنة الصليب ‏الأحمر الدولية عن وضعية الأرض المحتلة في ظل هذه الاتفاقات، يقول له إن شارون يعتبر الأراضي ‏الفلسطينية أراض متنازع عليها ولا تخضع لهذه الاتفاقيات. ”هكذا ببساطة وضعت الأراضي المحتلة خارج ‏نطاق الشرعية الدولية. لا قانون دوليا ولا أخلاقيا؟ بينما اتفاقيات جنيف هي آخر خطوط الدفاع لتنظيم همجية ‏الإنسان“، يكون تعليق نبيل سعيد في القاهرة التي عمتها المظاهرات والإضرابات احتجاجا على استمرار ‏الاجتياح الهمجي الإسرائيلي‎. ‎

كانت أحداث جنين جانبا من المواجع التي ألمت بنبيل سعيد ووافق موعدها رحلته إلى القاهرة التي أتاها بقلب ‏مفتوح، آملا في استعادة شقته المغتصبة من صاحب العقار الذي عُثر على ابنه مشنوقا فيها. وكان هذا الابن، وهو ‏عالم في الكيمائيات قد حول الشقة إلى معمل لتجارب إشعاعية ونووية خطيرة. وأدت التعديات التي قام بها إلى ‏طمس آثار الشقة وتغطية جدرانها بجدران سميكة من الصلب، ووضع صنابير للمياه في غرفة المعيشة. ‏باختصار، أصبحت شقة ملوثة بالنفايات الذرية والإشعاعات. أما لماذا وجد الابن مشنوقا، فالأب يبرر ذلك بأن ‏ابنه قتلته معادلة رياضية مجردة فشل في حلها، فانتحر. وهذا بالطبع، في رأي نبيل سعيد، مجاف للملابسات ‏الحقيقية وراء هذا الحادث. يسعى كمال الأغبر جاهدا إلى الحصول على تنازل من نبيل سعيد عن الشقة. يستعين ‏نبيل سعيد بمحاميه الذي ينصحه باللجوء إلى النيابة وعدم التنازل أو التعامل أساسا مع كمال الأغبر‎. ‎

ما أن تطأ قدما نبيل سعيد الشارع في أول يوم من أيام زيارته إلى القاهرة حتى تنطلق الأسئلة من رأسه في كل ‏اتجاه: ”من أين يأتي كل هؤلاء الناس؟ هل هم راحلون أم عائدون؟ قضبتان تشغلاني: قضية شقتي المغتصبة التي ‏تنظرها المحاكم منذ سبعة عشر عاما، وقضية أخرى تتعلق بالمحكمة الجنائية في روما بشأن محاكمة‎ ‎مجرمي ‏الحرب.“ هكذا تصور نبيل سعيد في أول يوم من أيام رحلته إلى الوطن قادما من غربة طويلة أجهدته. لكنه وجد ‏في مكتب المحامي مفاجأة غيرت كل حساباته‎. ‎

يتعرف نبيل في مكتب المحامي على سلمى مرجان، أستاذة جامعية شابة، كانت قد سمعت عنه من قبل وسمع ‏عنها. تدعوه إلى فنجان قهوة. تمر عليهما الساعات في أحد المقاهي الأدبية. يدعوها إلى زيارة صديق‎ ‎فنان في ‏نفس الحي، لا تمانع. تنطلق بينهما شرارة الألفة والقرب والمودة. وتبدأ قصة حب صاخبة ومثيرة بين المحقق ‏الكهل وأستاذة الأدب، الشاعرة الشابة التي تصغره بأكثر من خمسة وعشرين عاما (أو بين ”المحقق والوردة“، ‏وأظن أن هذا هو العنوان الذي فكر جميل في البداية، حسبما نشر،‎ ‎في إعطائه لهذه الرواية‎).

‎ وهكذا يتحدد المحوران الرئيسيان اللذان تدور حولهما أحداث ”المسألة الهمجية“: محور نبيل/كمال الأغبر، ‏ومحور نبيل/سلمى. يضاف إلى هذه الشخصيات الرئيسية الثلاث شخصية رئيسية أخرى هي شخصية الرسام ‏الذي استضاف نبيل وسلمى في يوم لقائهما الأول، والذي بدأ في رسم لوحة شخصية لسلمى. و ”المسألة ‏الهمجية“ هي نتاج التفاعل بين هذه الشخصيات الرئيسية وشخصيات ثانوية أخرى في ظروف واقع محلى ودولي ‏متغير‎. ‎

ورغم التردد الذي اتسمت به العلاقة بين نبيل وسلمى من البداية بحكم اختلاف الأجيال والمفاهيم، إلا أنه مع ‏الصفحات الأخيرة للرواية، ربما بفضل ما جمعهما من حوارات مستفيضة ومتعمقة ومن لقاءات صريحة ‏وحميمية، نجدهما قد حققا التوافق الكامل عاطفيا وفكريا، حتى أن سلمى ترضخ في النهاية لمطالب نبيل الغريبة ‏بأن يحرق الملابس التي كانت ترتديها قبل تاريخ معين (هو تاريخ لقائهما). وتسيطر عليه هذه الفكرة على نحو ‏دفع بالرواية إلى أن تتخذ شكلا من أشكال الواقعية السحرية التي تخلط الواقع بالخيال والخارق للطبيعة (شُغل ‏غارثيا ماركيز، حسب تعليق سلمى مرجان في حوار مع نبيل سعيد). لكن الرواية، في جانبها الآخر،‎ ‎تنتهي دون ‏حل للنزاع بين كمال الأغبر ونبيل سعيد‎. ‎

على أن هذه الخطوط العريضة والبالغة التجريد والمكثفة قدر الإمكان لفحوى ”المسألة الهمجية“ هي مجرد إطار ‏نظري للرواية، هو، في ظني، أبعد ما يكون عن فحواها الحقيقية والأبعاد الفعلية التي تتغياها. فـ ”المسألة ‏الهمجية“ هي تجل آخر من تجليات جميل عطية إبراهيم‎ ‎التي لا سبيل إلى فهمها الفهم الصحيح ما لم ينظر إليها ‏بالمعايير التي تحكم فكر جميل ومشروعه الأدبي المتماسك وعميق الدلالات‎. ‎

وبداية، لابد من التأكيد مرة أخرى على الطابع الفكري الذي يتسم به دائما البطل الرئيسي في كل أعمال جميل ‏عطية. ويمكن القول بأن هذا البطل، في أعمال سابقة بقدر ما هو أيضا في ”المسألة الهمجية“، هو كائن تاريخي، ‏أو ما يسمى في علم الإنسان‎ homo historicus. ‎ويعتبر فلاسفة علم الإنسان أن هذا الإنسان التاريخي هو وحده ‏القادر على تنظيم الفوضى التاريخية وتوضيحها، وأن الرؤية الإدراكية للماضي، التي هي من سمات الكائن أو ‏الإنسان التاريخي، هي التي تضفي على الإنسان العاقل صفة البشر، كما أن طبيعة الإنسان، بوصفه كائنا ‏تاريخيا، هي التي تجعله قادرا على تراكم المعرفة الجماعية التي ينطوي عليها الماضي. وهاهو جميل عطية ‏يواصل في ”المسألة الهمجية“ ما دأب عليه في أعماله السابقة من تركيز على قوة الأحداث التاريخية في العمل ‏الروائي، أي أثر الحقيقة التاريخية على الخيال الروائي، وجعل التاريخ دائما خلفية لتفكيره‎. ‎

و ”المسألة الهمجية“ حافلة بالأدلة على هذا الربط التاريخي. فحينما يتحدث نبيل سعيد عن سلمى، لا يملك القارئ ‏إلا أن يربط حديثه عنها بالحديث عن الوطن وواقعه ومستقبله: ”ابتعدت الدكتورة سلمى عني، وجلست في ركن ‏معتم من الصالة على الأرض، وحيرتها ظاهرة، تتأمل جدران الشقة والأثاث والسجاد القديم. تربعت على ‏الأرض مثل فلاحة، وشغلت نفسها عني. تشبثت في جلستها بالأرض، وهي لا تكف عن لمس الأشياء، تبحث عن ‏ركيزة لتستند إليها، تميل، تحرك رأسها وتمد يدها وتمسك بالأشياء. تناولت طرف سجادة، وأخذت تفحص العقد، ‏قالت: سجاد قديم. قلت: من مجموعة نادرة، حصل عليها في الخمسينات كما أعتقد‎. ‎ ‎… ‎

‎”‎كنت أظنها قد نسيت المسألة، لكنها كانت تفكر فيها. وهذا منطقي، ويتسق مع طبيعتها وشخصيتها، بالإضافة ‏إلى أنه من المنطقي أن تفكر فيها، وبعمق أيضا، فالمرأة لم تعد تقف على أرض صلبة. انهار عالم ظنته في ‏البداية يخصها قبل أن تمسك به… أحسست بخوفها، ويبدو أنها لم‎ ‎تقو على الوقوف فأسرعت بالجلوس على ‏الأرض. الكراسي لم تعد توفر لها الأمان. تجلس وتميل بفخذيها وتلمس بهما الأرض، تثبث فخذيها‎ ‎في الأرض ‏لعلها تلتصق بها. كنت أعرف، وقلت: هل رأت سلمى شيئا بعد؟“ (هل رأت سلمى شيئا بعد؟ سؤال لا تخفى ‏دلالته‎).

‎ وإمعانا في ”وصفة“ الواقعية السحرية الغارثية، يركز جميل عطية في ”المسألة الهمجية“ على لعبة رمان البلي، ‏وهي كرات معدنية ذات استخدامات صناعية (وقد تكون كرات زجاجية يلعب بها الأطفال)، والتي يقوم الرسام ‏ببعثرتها في الشقة، ويطلب إلى نبيل وسلمي جمعها، ليقوم الرسام ببعثرتها من جديد، إلى أن يكلَّ نبيل من ‏المجهود الذي بذله في جمع الكرات، ويتساءل عن السبب وراء قيام الرسام بهذه اللعبة الغريبة. وحتى نهاية ‏الرواية لا يقدم المؤلف تفسيرا لهذه اللعبة التي تبدو ضربا من المعاناة السيزيفية (نسبة إلى سيزيف الذي حكمت ‏عليه الآلهة برفع كتلة من الحجارة إلى قمة جبل، وما أن تصل إلى القمة حتى تنزلق إلى السفح من جديد، وتصبح ‏معاناة سيزيف معاناة أزلية). ” مع تدحرج حبات البلي في الغرف المغلقة، بدأت الدكتورة سلمى تتقلب وتغير ‏موضعها ولا تهدأ في موضع ثابت. تقعد، تقوم، تقترب من النافذة ثم تبتعد عنها وتتربع على الأرض. تسقط أٍشعة ‏النهار الذهبية على ملابسها، تتوهج ألوانها. يحترق قلبي‎.“ ‎وبالطبع فإن لعبة الرمان بلي نفسها لعبة مجازية ‏وتعبير عن القلق وعدم الاستقرار. تسأل سلمى نبيل سعيد وهي تتسمع دحرجة البلي في الشقة العتيقة: ألا تسمع ‏شيئا؟ يكذب عليها قائلا: لاشيء. الشقة هادئة، أليس كذلك؟ تنظر إليه في‎ ‎توجس وجسدها ينتفض. تسدد إليه ‏نظرات قاتلة. نبيل سعيد يكذب؟ قال مستسلما: نعم، أنا أكذب. قالت في غضب: لم نتفق على الكذب. ألا تسمع ما ‏أسمعه. أصبت بالصمم؟ طرشت فجأة؟ تعلقت بذراعي وأخذته في حضنها، قالت لا تخف. كنت لا أزال في حيرة ‏من أمري ولم أعتذر لها عن سقطتي، وقررت أن أعتذر لها في وقت لاحق،عندما نفيق من هذا الكابوس‎.“ ‎

وهكذا، فإن هناك دائما في ثنايا النص نصا آخر، النص الثانوي أو التحتي الذي يصر عليه ديريدا. ومن خلال هذا ‏التداخل النصي يربط المؤلف بين أحداث خاصة وأحداث عامة، بين الواقع الشخصي للراوي والواقع الأوسع ‏نطاقا للوجود السياسي والاجتماعي حوله. وهاهي سلمي، التي‎ ‎رأينا البطل يحدثها في البداية وكأنه يخاطب وطنا ‏مهددا وغير مستقر، تحمل هذه الصورة على امتداد النص الثانوي. ومن خلال اللوحة التي يرسمها لها الفنان، ‏صديق الراوي، تبدأ رحلة نهوضها وانبعاثها الجديد الذي يتوق إليه الراوي. ”رأيت بداية الرسم، وأود رؤية ‏الولادة الحقيقية، فالساعات الأخيرة هي أعظم اللحظات حينما يحط الجمال على اللوحة مع آخر ضربة للفرشاة، ‏ويكتمل الخلق، وتكتسب اللوحة وجودها بعيدا عن الرسام‎.“ ‎ بل إن المفاوضات المضنية مع كمال بك الأغبر الذي اغتصب شقة الراوي تعكس مفرداتها وشخوصها دلالة ‏تتعدى هذا النطاق الشخصي. ورغم أن محامي الراوي نصحه بعدم التفاوض معه، فقد قرر الراوي في النهاية ‏التصالح مع هذا الأغبر، وربما التنازل عن الشقة، لكنه يلوم نفسه أحيانا على تعامله مع هذا العدو قائلا إنه ‏‏”يقتلني بطريقة حديثة. رجل ليس من معارفي ومن أشد أعدائي، لماذا ألتقي به من أصله؟ أجلت البت في ‏المسألة، فأنا لن أخسر أكثر مما خسرته، والوقت في صالحي، وأنا دوما أراهن على القادم من الأيام‎.“

‎ بطل ”المسألة الهمجية‎“ ”‎مغترب أزلي“، وهي التسمية التي اقترحت سلمى إطلاقها على لوحة يرسمها له صديقه ‏الفنان. وهذا الشعور الغائر بالغربة سيلازم البطل، والقارئ، على صفحات الرواية من بدايتها إلى نهايتها. ‏وسيسعى نبيل سعيد كثيرا إلى أن ينفض عن نفسه هذا الشعور المقبض، حتى وإن كان من خلال ابتسامة ودودة ‏من بائعة فل عابرة: ”أخذتني مدينتي بالود، وفارقتني غربتي. تخلصت من قضاياي السخيفة والغريبة التي ‏ترهقني مع كلمات سلمى وهي تقول: تعرفني منذ سنوات عديدة‎.“ ‎

وحينما يخلو نبيل سعيد إلى نفسه، ”ممسكا بوحدته“، على حد تعبيره البالغ الشفافية، يشعر بتكلس الغربة في ‏داخله، ويسعى إلى الانطلاق خارج هذا الأسر‎: ‎

‎”‎حاضري يتسرب نقطة نقطة. يذوب كموج البحر على شاطئ النسيان، ولا يتبقى لي سوى الماضي، وقد تسرب ‏هو الآخر. في جنيف لم أصنع حاضرا لي. تركت نفسي لأيامي الماضية، بحثا عن القادم الذي تخيلته كنسمة ‏الفجر الندية، وللأسف لم يأت ذلك القادم أبدا‎.“ ‎

‎”‎ذهبت إلى المدينة القديمة أتلمس خيالاتي الضائعة في سراديب ذاكرتي. كنت طوال‎ ‎السنين أظن أنها في أمان ‏في داخلي، ثم طحنتها أيامي. نفضت غبار الحذاء، وضربت حافة البنطلون، وجلست في مقهى حقير في زقاق ‏ضيق. طلبت الشاي الأخضر بعيدا عن المقهى الشهير في منطقة الحسين الذي تتردد عليه سلمى ورفاقها من ‏المثقفين. جئت إلى منطقة الحسين المزدحمة أبحث عن ذاتي‎.“ ‎

لا تكف سلمى عن إثارته بين الحين والحين بقولها: ”جيل 67 لا يحق له الكلام في السياسة“. يختلط الحديث عن ‏اللوحة بالحديث عن الواقع العربي الراهن: ”الحصار مفروض على عرفات وعلى الشعب الفلسطيني، عمليات ‏إبادة على نطاق واسع، جرائم حرب ترتكب في المدن والقرى الفلسطينية، الصور على شاشات التليفزيون وفي ‏الصحف، الناس تحس بالهزيمة، والحكام العرب يتشاورون ويؤكدون رغبتهم في السلام مع شاورن. لم يتبق ‏سوى القيء والسعال.“ يغرق نبيل سعيد في تأملاته: “هي لوحة لم تكتمل: قدم وعين وسنة‎ ‎بيضاء. سلمى جمال ‏وعقل راجح. لماذا أسقط الفنان بقية أجزاء الجسد؟ الجنين لم يكتمل. هي هجمة وحشية تأخذ دورتها قصرت أم‎ ‎طالت، وبعدها يتشكل الجنين وينزل من رحم الأيام. سنوات الستينات لم تكن كلها هزائم. نعم. قلت ذلك لنفسي ‏وتضايقت‎. ‎هو العجز العربي المحبط الذي يمنعني من الكلام. تأملت اللوحة عن قرب. خطوط خفية لم تتأكد ترسم ‏مسارات إضاءة لم تبزغ. تفاءلت. لن تكون لوحة مقبضة‎.“

‎ في ثنايا ”المسألة الهمجية“ سيطرب القارئ لحكايا المغترب الأزلي التي يدسها بنعومة داخل النص. حكايات ‏قصيرة ربما لا تستغرق فقرة أو فقرتين لكنها حكايات شجية وداعمة للجو النفسي القاتم الذي يعيشه نبيل سعيد، ‏ولا بأس من الإشارة إلى واحدة فقط من تلك الحكايا: ”تعلم‎ ‎هانز فوجلي السباحة والجري وألعاب القوى وتخطى ‏الحواجز والقفز فوق النيران وتسلق الجبال. تعلم كل ذلك من أجل البقاء معلقا في الجو. وسقط بطائرته على ‏أسلاك كهرباء الضغط العالي في سفح جبال مورين بعد حديثنا بأربع ساعات. بكيته. أعطاني قبل موته عنوانه ‏وأرقام تليفوناته والفاكس وعنوان البريد الاليكتروني الخاص به. مدني بكل وسائل الاتصال به، وبعدها مات. ‏مزقت الورقة عند وضع جثمانه في سيارة دفن الموتى. مزقت الورقة وشيعته إلى الأبد‎.“

‎ حكايات سريعة أشبه بأحلام فترة النقاهة المحفوظية، ولا عجب فالرواية تتضمن مايشكل مداخلة بين المحقق ‏والوردة عن نجيب محفوظ نفسه رأت فيها الباحثة الحديثة أن نجيب محفوظ أغلق الحارة على حركة الأدب في ‏الخمسين سنة الماضية “بالضبة والمفتاح”. لكن نبيل سعيد يرى أن قولها “عدوانيا وغريبا شديد الغرابة” وأن ‏عمنا نجيب محفوظ فتح أبواب الأدب وشق طرقا جديدة في السرد، وعلمنا قراءة الرواية الحديثة. ويتذكر نبيل ‏سعيد، وهو هنا المؤلف نفسه، أنه قال ذات مرة إعجابا وليس نقدا، إنه حبيس حارة جدنا نجيب محفوظ‎. ‎

يقول جميل عطية إبراهيم على لسان نبيل سعيد: ”لأن حاضري به الكثير من الدم المسفوك والماء الآسن، نظرت ‏إلى قاع البئر أنبش عن جواهري وأبحث عن دعائم عمري، فقبضت على الكثير من الصدف والرمال والدم ‏المسفوك، والقليل من الجواهر.“ وفي الفصول الأخيرة من الرواية، يلقى جميل بشباكه في بحار عميقة ومترامية ‏الأطراف ويشد قارئة إلى دوامة من الأحداث الاجتماعية بين المهمشين الذين يعيشون وسط المقابر، وحادث ‏اغتصاب تعرضت له بائعة الفل التي تعرف عليها في بداية زيارته، ويغرق البطل في رؤى كابوسية تختلط فيها ‏العناكب وقناديل البحر وكثبان الرمل والساعات المكسورة بدوي المدافع والقنابل النووية ونجمة داود‎.

‎ وعلى لسان نبيل سعيد أيضا ينقل جميل إلى القارئ‎ ‎جوانب من خلاصة رؤيته للأحداث والتاريخ، فهو يقول: ‏التاريخ دوما ملبد بقليل من الحقائق وكثير من الأوهام؛ كل إضاءة تصنع ظلالها وتعيد تلوين الألوان، وتكشف ‏عن الوجه الآخر من الواقع؛ تبينت أن كل مااعتقدت بكذبه في سابق أيامي كان صحيحا، وأن معظم أوهامي ‏كانت حقائق، واختلطت أوراقي‎. ‎ في ”المسألة الهمجية“ تتحول سلمى إلى معادل موضوعي لوجود البطل وهويته، ولذلك فإنه يصر على أن يصنع ‏منها أسطورة كي تبقى ويكتب لها الخلود: ” على يديها رأيت مولد الخرافة بيننا. لا بأس. اللعب بالكلمات ليس ‏عيبا، وكل أٍسطورة لها وظيفة. سرت إلى جوارها مهموما وقد ثقلت مخاوفي وزادت عن قدرتي على احتمال ‏مكاره جديدة. ألوان ملابسها طلاسم وتعاويذ. وإذا أردت إنقاذها، لا بد من حرق ملابسها، ونزولها عارية في ‏النيل لتغتسل. رفضت حرق هذه الملابس في الحمام أو في الشرفة، أو فوق السطوح. يجب حرق هذه الملابس في ‏منطقة أثرية تليق بها. هذا حفل. لنصنع أسطورة القرن الحادي والعشرين على طريقتنا‎.“ ‎

‎”‎المسألة الهمجية“ بيان جديد للناس، يتجاوز المحلي إلى العالمي، ويحمل صفات المانيفستو الكوني، نسبة إلى ‏الرؤية الكونية التي لا يمل جميل عطية إبراهيم الدعوة إليها والسعي إلى تطبيقها في أعماله. ولذلك فقد جاء هذا ‏البيان جامعا ومكثفا كي يلم بكل الأنواء التي تواجهها البشرية في واقعها الراهن. ولأن هذا البيان وظف ‏الأسطورة والخرافة أو اختبأ وراءهما، فقد جاء أيضا مراوغا وملتبسا. لكن اعتراف المؤلف بأن ”اللعب بالكلمات ‏ليس عيبا، وكل أسطورة لها وظيفة‎“ ‎هو المفتاح أو طوق النجاة الذي يلقي به إلى القارئ لفك أسرار هذا العمل ‏العظيم والاستمتاع به‎. ‎

‎————-‎ ‎(9) ‎انظر، ‏Jacques Derrida, The Gift of Death, the University of Chicago Press, 1995, p. ‎‎41