سعد القرش فى باب السفينة

مراوحة بين الوجود والعدم وحياة مضطربة في واقع عشوائي

في الساعات الأخيرة من عام منصرم، يشعر عصام، الصحفي الشاب في إحدى الصحف، بأن كل الكائنات تآمرت عليه. وبدلا من أن يدخل عامه الأربعين مسلحا بحكمة الأنبياء ومجد الفكر والعمل الصحفي المرموق والاستقرار العائلي والعاطفي، يجد نفسه مفصولا من عمله لأنه أخطأ في كتابة تقرير صحفي، وعرضة لأن يفقد حبيبته التي يعيش معها “على سنة آدم”، كما يقول، بعد أن تكتشف صاحبة المنزل أنهما ليسا متزوجين “على سنة الله ورسوله”، ويقع في أزمة نفسية وصحية تكاد أن تودي بحياته، لكن حبيبته سناء تنقذه في اللحظات الأخيرة من العام وهي تبشره بأنها حامل وتطلب منه أن يسمع صوت ابنهما في رحمها. وتقول آخر سطور الرواية: “بصعوبة، يحاول القيام، متشبثا بخريطة على الجدار. يمزق الشاطئ بأصابعه، وتفيض المياه، وتوشك إمبابه على الغرق. يتحامل على نفسه، يريد أن يشهد الطوفان، من السطح أو من النافذة. يبحث عن باب.”

هذه هي، باختصار شديد، فكرة رواية “باب السفينة” (دار البستاني للنشر والتوزيع، القاهرة، 2002) للروائي الشاب سعد القرش، الذي صدرت له من قبل مجموعتان قصصيتان ورواية واحدة **. و”باب السفينة” رواية قصيرة سريعة الإيقاع، تشي على الفور بكتابة متميزة شكلا وموضوعا، وبأسلوب روائي متميز يثير في مخيلة القارئ أعمال الإيطالي ألبرتو مورافيا، وتنحو منحى فلسفيا أقرب إلى وجودية جان بول سارتر.

“عشر ساعات أو أقل…”، عبارة متكررة يبدأ بها المؤلف كل فصول الرواية تقريبا. وهي الساعات التي تفصل بين البطل وبين العام الجديد. وتفرض هذه العبارة على الرواية طابعها الزمني الشائع في الروايات التي يلجأ فيها المؤلف إلى استخدام تيار اللاوعي. ولذلك فإنه على الرغم من أن الزمن الحقيقي الذي تستغرقه أحداث الرواية ربما لا يتعدى هذه الساعات العشر، فإن المؤلف، يقدم رؤية عميقة لحالة زمانية ومكانية غلب عليها الطابع العشوائي لذات الأماكن التي ارتادها البطل، من حي إمبابه الشعبي في ضواحي القاهرة إلى مناطق عتيقة في قلب العاصمة مثل منطقة مكَّاوي، والزاوية الحمراء، وشارع الخليج. ومن خلال استرجاع البطل لوقائع حياته، بدءا من سني الطفولة في ريف الوطن إلى أن انتهى به المقام في القاهرة التي شعر فيها بالفعل بصدمة الانتقال من الريف إلى المدينة، تمكن المؤلف من اجتذاب القارئ إلى خضم الدوامة النفسية والاجتماعية والأخلاقية التي خاضها البطل ومن وضع يده على الكثير من أوجاع مجتمع عشوائي يفتقر إلى المعايير السليمة وتسوده علل المحسوبية والفساد والفقر والمخدرات والجنس.

بطل الرواية تلبسته منذ الطفولة وهو بعد في “كُتَّاب” الشيخ حسن فكرة النبوة، لكن الشيخ يختم الدرس “بحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين”. يقول الراوي: “تأكد بعدها أن النبوة غادرت زمانه كله”. لكنه لا يتخلى عن هذا الهاجس حتى بعد أن أصبح كاتبا صحفيا يضطهده مدير التحرير الذي يصطفي حوله أنصاف الموهوبين والمداهنين. حلم دائما بأن يكون له حواريون. ووجدهم في أبناء إمبابة وبولاق الدكرور وغيرهم من متمردي الأحياء الفقيرة الذين كان يحرضهم على انتزاع أسباب سعادتهم. لم يجد من الحواريين سوى مصطفى، رفيق الحي الفقير الذي يسكنه والذي يساعد أباه في بيع الكبدة على عربة يد. سخر منه مصطفى وقال له إن الحواريين هم أبناء الحواري، حواري إمبابة وبولاق وأبو قتاتة وأرض اللواء والبصراوي والمنيرة، وكلها أحياء شعبية تعاني ضغوطا اجتماعية قاسية. يتقلب مصطفى في عدد من الأعمال البسيطة من بينها “كومبارس” في السينما، مما يتيح له التعرف على إحدى الفنانات، ويعمل صبيا لها. على بيت هذه الفنانة يتردد مدير التحرير الذي يضطهد عصام بطل الرواية. ويرتب مصطفى لقاء لصديقه عصام مع الفنانة التي تحكي له أسرار مدير التحرير والتي ليس أقلها عجزه الجنسي. من بيت هذه الفنانة أيضا يصدر قرار تعيين مصطفى نفسه في الصحيفة زميلا لعصام.

بطل “باب السفينة” شخصية أوديبية وجودية تتحكم في تصرفاته عقد كثيرة كامنة ربما لا يعيها هو نفسه لكنه يسردها في تذكُّره للماضي البعيد والقريب. والصور التي تتداعى في ذاكرة البطل عن أمه وأبيه تكشف عن هذه الشخصية الأوديبية الشديدة التعلق بالأم. فهو أحيانا “متكور بحاله (أي بكامله) في حجرها”، وهي التي ترمقه نائما، تناجيه: وشك منور يانور عيني. وهي التي تعودت من “جفاء الوالد” لأبنائه كيف تحبس دموعها. أما الأب فإن ما يتذكره البطل عنه هو أنه “لم يقبِّله قط”، وعارض دائما فكرة رحيله عن الأسرة لتلقي التعليم في العاصمة، ولم يعرف عن ابنه ماذا درس، ولا أي عمل يجيد و لا أي طريق سلك. هذه الشخصية الأوديبية تتجلى أيضا في تصرفات البطل وفي ارتهانه واعتماده وبحثه الدائب عن الأم الغائبة الذي يتجسد أخيرا في سماح، الموديل، التي التقاها صدفة ذات يوم في مرسم أحد أصدقائه. وحينما يقابلها، في صدفة أخرى في أحد شوارع القاهرة، يقرران أن يعيشا معا في شقته المتواضعة في حي إمبابة الشعبي. ترمقه سماح في استرخاءاته، تدللــه تدليل الأم لابنها، تقول له: كنت تنام كطفلنا يا عاصم، كالملاك.

في الرواية الوجودية يتركز الاهتمام على التباس موقف الشخصيات واختيارهم لطريق الخروج من هذا الالتباس أو إيجاد حل له. والبطل الوجودي يمثل حالة الشعور الإنساني العادية، حيث كل إنسان وحيد، وكل آخر يشكل خطرا وتهديدا. وجزء من معضلة البطل الوجودي شعوره بأنه مسئول عن تصور الآخرين له حتى لو كان هذا التصور خاطئا. وفي “باب السفينة”، يعيش البطل قلقه الوجودي القائم على الخوف من مستقبل مجهول، ويعاني فراغ حياته الذي يتعين عليه أن يشغله باتخاذ قرارات نابعة من حرية إرادته، وبالتالي تحمل المسئولية عن هذه القرارات، وهو ما يجفل منه شخص أوديبي مدلل كبطل الرواية. وسيلمس القارئ هذا التضارب في شخصية البطل من استعادة الراوي لبعض ذكريات الطفولة مع الأم في القرية وقبل الانتقال إلى المدينة التي يصفها بأنها “مدينة لم تعاصر أحدا من الأنبياء، ولهذا لا ترحم أحدا، ولا يدعي أحد أنه ابنها، ولا يفخر. كل يحرص على أن يكون له جذر ما، أصل في ريف الدلتا أو الصعيد” (ص 41). ويتساءل البطل في مكان آخر: “كيف يتسع ضمير مدينة كالقاهرة لامتصاص آمال الذين كانوا يوما حالمين؟ مدينة تتسع للمرتشين، وبائعي الوطن، والمتعة، واللصوص، وتضيق بعاشقيْن؟ ضاقت به هو وسماح يوما، لولا أن أراح الناس بما يرضي يقينهم.” (ص14)

بطل “باب السفينة”، دائما، كائن مغتصَب. في طفولته، اغتصبته خادمه كانت تساعد أمه في أعمال المنزل. وحينما جاء إلى القاهرة شابا فتيا اغتصبته أكثر من مرة جارته بائعة الخضر في مسكنه البسيط بالحي الشعبي. وكاد أن يتعرض لنفس الموقف مع رولا، صديقته وزميلته في الصحيفة التي يعمل بها، التي اختفت من حياته فجأة، وحينما ظهرت من جديد كانت إنسانة أخرى اشتراها أحد الشيوخ، وحينما نال منها مأربه، تركها ليستغلها شخص أدرك بعض مواطن ضعفها في الجنس والإدمان. وفي لقائه مع الفنانة الشهيرة مشهد اغتصاب آخر حينما: “سحرته لمعة عينيها، وابتسامة بكر لا يقوى على استيعابها. أخذته المفاجأة وجسده محمول بين يديها، مرفوع إلى جوار القلب تماما… احتضنها متعلقا بعنقها وهي تريح ظهره على السرير: لننته بسرعة، وراءنا مهام جسام.” (ص 113)

يعيش بطل “باب السفينة” أزمة الأب “الذي كان له ولد ومات”. يكرر هذه العبارة دائما، بتأكيد يحمل القارئ على أن يدرك أن وراء المسألة أكثر من “مجرد ولد ومات”. ويصبح هذا الولد بمثابة الحلم أو الطموح أو الهدف الضائع، الذي يؤدي ضياعه إلى ضياع البطل نفسه في دوامة أحداث عشوائية كالأماكن التي يعيش فيها. ولا يبدأ حاله في الصلاح إلا حينما تحمل منه حبيبته وتدعوه إلى أن يتسمع صوت الجنين في بطنها.

سماح أيضا بطلة وجودية عاشت محنة “الجحيم هو الآخرون” كما يقول سارتر. فهؤلاء الآخرون اتهموها يوما في شرفها. لفرط أنوثتها عجز عريسها عن فض بكارتها ليلة زفافها، فاتهمها بأنها غير عذراء. يقول سارتر إن المرأة الشديدة الجمال تقتل الرغبة. ولكن العريس فقد الرغبة، والقدرة أيضا. وكان عليها أن تثبت العكس في طقس شعبي مهين ومحطم للنفس في حضور الطبيب ونساء الأسرة. بعدها تركت بيتها وبيت أهلها واختارت حريتها.

تتجلى قدرة المؤلف في استخدام مجازية السفينة كتعبير عن واقع غير مستقر، وأبطال مهددين بالغرق يبحثون عن باب للخروج. ولذلك فإن الرواية تحمل بصمة عملين هامين من أعمال سارتر، هما رواية “الغثيان” التي كانت أشبه بسيرة ذاتية، ومسرحيته التي تحمل عنوان “لا مفر”. وفي هذين العملين، يستشف القارئ ولع سارتر بالوجود الإنساني وحرية الإرادة. فالإنسان محكوم باختياراته التي تفرض عليه عبء المسؤولية. وفي محاولة منه للتنصل من هذا الموقف والتخفيف من عبء المسئولية الواقع عليه فإنه يتصرف كما لو أن حياته واختياراته تخضع للمواقف والأدوار الاجتماعية التي يجد نفسه فيها. وهذا هو الموقف المعقد الذي واجهه أبطال “باب السفينة” في بحثهم الدائب عن مخرج من الواقع المأزوم.

مقتطف من “باب السفينة”

“ليلة الصمت التام، كان يريدها. يرغب آية امرأة، ولا يعينه الشباك الواطئ على التلصص، ولا يجرؤ على فتح باب حجرته، وطرْق الحجرة المجاورة. أقنع نفسه بأن الوسادة تكفي لاستدعاء كل من رغبهن. تحت الغطاء يمكن لخياله أن يخضع له كل النساء في علاقات دافئة متكافئة. في هذه اللحظة بالذات، دفعت الباب. هل سمعت صوته وهو يحدث نفسه؟ أو سرت عبر الجدار طقطقة سريره؟ دفعت باب حجرته بعنف، وهي هائشة، لا تبتسم. انكمش غير قادر على الكلام. لا يدعوها للإقبال ولا الانصراف. ولكن الدهشة أذهبت رغبته.

ـ عايزني؟

لم ينطق. فردت ذراعيها فانفتحت عباءة سوداء بلون الليل على لحم عار تماما لم يقو علي النظر إليه. ارتعش قليلا، واقتربت منه وهو يواصل ارتعاشه. وحين ضمته إلى حضنها،كان جسده ساخنا واهنا. تسمرت نظراته على موقعها وراء الباب عند الدخول على عباءة أسقطتها. تخيل العباءة قد انتصبت، تخفي ظهر امرأة عارية تماما، تواجهه، وتقبل. هو ينتفض، وهي تتحسس بللا بين فخذيه.

ـ الله يكسفك.”

(الرواية، ص 42 و 43).

——————————————————————————–

** “مرافئ الرحيل”، قصص، 1993؛ “حديث الجنود”، رواية، 1996؛ “شجرة الخلد، قصص، 1998.