علاء الديب في ايام وردية

من النكبة إلى النكسة، وإعلان جديد عن موت المثقف

“فلسطين!!

متى تصمت تلك النغمة الحزينة الممضَّة التي تربض تحت كل الأيام والساعات. نغمة تتصاعد في القلب، مستمرة، ثابتة، رغم طبول الأكاذيب، وطبول الموالد التي يدقها العرب عندما يتذكرون للحظة أنهم مهزومون، وأن هناك وطنا سليبا. يدقون طبول الموالد، ويقيمون عروض الأزياء، ويبنون ديكورات أفلام، بينما الحزن في القلب كامن، والحقيقة قوية مزروعة في الأرض على بعد ساعات في المشرق.”

هذا الخاطر الأسيان والمنكسر ربما يشكل في واقع الأمر العلة والمعلول في أزمة أمين الألفي: بطل رواية علاء الديب الأخيرة “أيام وردية”**. وفي شذرات متناثرة على صفحات هذه الرواية القصيرة (130 صفحة بحروف من البنط الكبير، ربما أمكن اختصارها إلى النصف لو أنها طبعت ببنط أصغر) يمكن للقارئ أن يستجمع ملامح الشخصية “المفتتة” لهذا البطل المحبط، فهو “مفكر عربي وحيد، كثير الأقنعة، بعد طول ازدواج وظلم صار فقط لحظات مفتتة، وماضيا يتوارى من نفسه، ملاحا قديما رابضا على الشاطئ، مهزوما في الليل وفي النهار. ونرى أمين الألفي في صالة شقته “أمام أكواب القهوة الفارغة، والمنفضة الممتلئة: عاريا، مخترقا، منزوع السلاح … ليس عنده ما يقول. يشعر بأنه “لا تنمو له بذور، وتتفتت كل الأشياء في يديه حتما في النهاية”.

هكذا يلتقي القارئ أمين الألفي في سني عمره الأخيرة وقد تمكن منه العجز والإحباط بصورة مرَضية دفعت به إلى مصحة للأمراض النفسية. وفي تلك المصحة، حيث خلا الألفي إلى نفسه وإلى أحلامه الضائعة، حاول الألفي جاهدا أن يجد تفسيرا “لما حدث”: ما حدث له، وللوطن، وللدنيا. وغرق الألفي في التساؤلات لكنه في النهاية “خرج من المصحة كما دخلها”، إلى أن صار “شبحا عابرا، طويلا، رث الثياب، يمشي لفترات طويلة، مسرعا، قلقا، في مدن لا يعرفها، محدقا في زمان قديم، إلى أن أدركه الموت وحيدا “حوله دنيا واسعة، خالية، ليس إلى جواره أحد. لم يكن حزينا. يراقب الأشياء وهي تنتهي ليس في ضوضاء، لكن في سكينة”.

بهذه العبارة الأخيرة يختتم علاء الديب روايته التي اتسمت بطابع فكري وفلسفي جاء متسقا مع شخصية أمين الألفي نفسه، فهو أخصائي اجتماعي من رجال التعليم، وكان من الناشطين في العمل السياسي والمنخرطين في التنظيم الطليعي (الناصري). اعتبر الألفي أن نكسة 67 حلت عليه وعلى البلد “بقصمة الظهر الكبرى”. بعدها انسحب من مواقعه في القاهرة، واختار أن يعيش “في الظل” في المنصورة، إحدى مدن الدلتا، مع زوجته “شادن”، مدرسة اللغة الانجليزية، ومع الإبنة والإبن، بسمة وبهجت.

ولكن هذا الهروب الجسماني أو المادي لم يحقق للألفي الخروج من أزمته النفسية التي تعقدت بإدمانه العقاقير من مهدئات ومقويات ومنشطات، فضلا عن أنواع الكحول الرخيصة التي كانت تسمح له بها ميزانيته المتواضعة. اعتاد الخروج من بيته كل ليلة “بالبيجاما والشبشب” متوجها إلى الصيدلية القريبة للحصول على حباته الثلاث، ولكي “يدردش” قليلا مع صديقه الصيدلي الدكتور ظريف. وتجفو العلاقة بينه وبين زوجته، ويزداد الجفاء بتأثير من مجموعة من المدرسات المحجبات والمنقبات وعلى رأسهن “أبله” الحاجة زينب حتى ابتعدت عنه زوجته تماما.

ينظم الألفي في الشهور الأولى بعض المحاضرات والندوات عن فلسطين لكنه يتعرض لتحقيق رسمي من المباحث بحضور ناظر المدرسة، ويبلغ بأن هذا النشاط خطر وغير مرغوب فيه. حاول أن ينسى الغضب الحارق المحبط الذي سكن عروقه، وتأكد له أنهم يكذبون، وأن أحدا لايريد أن يفعل شيئا. صار يسخر من نفسه لأنه لم يكن يعرف هذا من قبل. سمع أحد المدرسين يشير إليه ساخرا “بتاع فلسطين”. يقول الراوي: “كانت فلسطين” في عقل أمين الألفي في هذه الأيام وقبلها وبعدها: رمزا، فكرة مسيطرة يقيس بها مواقع الناس، عاملا مساعدا يكشف به الصدق من الكذب.”

يتعرف الألفي في صيدلية صديقه على الدكتور ألبير بشاي، الذي يدير مع بعض الزملاء، مصحة نابلس، في حي مدينة نصر بالقاهرة. للدكتور بشاي صلات فلسطينية قوية حتى أن البعض يعتقد أنه فلسطيني. يعمل بعيدا عن الكذب والشعارات والعدسات. يعمل هنا وهناك وفي الأرض المحتلة وحتى في اسرائيل وسط أمواج من المحتاجين واللاجئين والجرحى. يخوض في عذاب وأساطير لا تخطر على عقل بشر. استمع إليه الألفي مأخوذا بما يقول من حقائق عن المسألة الفلسطينية. دعاه إلى زيارته في مصحته قائلا: “يجب أن أفحصك هناك. لم أعد أحب ما أسمعه من ظريف عن أحوالك، ولا أحب ما أراه أمامي. كأنك في التسعين، تجر في رجليك مئات السنين.” ولأن علاقات الألفي في المدرسة وفي المنزل كان قد أصابها التدهور الشديد في الآونة الأخيرة فضلا عن تردي حالته الصحية، فقد قبل الاقتراح على الفور.

في المصحة تتكثف ملامح الشخصية الفلسفية/النتشوية لأمين الألفي بكل مايكشف عنه فكر نيتشة من خيال وتردد وأوهام وتناقض واستغراق في الانطباعات الذاتية: ما يسميه نيتشه “العالم الداخلي” الذي يشكل متاهة من الانطباعات المتداخلة عن الذات والآخرين. يحاول جاهدا إعادة ترتيب ذاكرته وإعادة تشكيل هويته المتشظية لكن هذه المكونات تتفتت على يديه. ويتذكر أولاده، وكيف انتقلت إليهم علاقته الخاصة والمركبة مع معاني وتصاريف قضية فلسطين السليبة: بسمة المتسرعة التي لا تستقر مع شيء، وبهجت المندفع، الذي ألقى “شبشبه” الصغير في وجه الجنود الاسرائيليين في رفح عند الحدود في رحلة إلى هناك منذ سنوات. وزوجته أيضا التي “تكرههم كراهية التحريم، خاصة بعد أن تحجبت”. ومضات من ماضي أيامه: بيته القديم، مغامرات سن المراهقة، الانخراط في التنظيم الطليعي، ورحلة أوروبية في البلدان الاشتراكية سابقا. يرى أمام عينيه مرة أخرى أغلب تجارب حياته تنتهي إلى لا شيء، تتوقف قبل أن تكتمل. تفسد كل النهايات، أو تتسرب من بين يديه كالماء. وصل الألفي إلى حالة من العجز عن التخطيط أو الحساب أو بناء شيء فوق الشيء. (ص 68)

وفي المصحة أيضا، انفردت به وهو راقد أهوال قضية فلسطين. ماذا يفهم؟ وماذا يصدق؟ وما هي كل هذه “الكركبة” والقدرة على اختراع الأكاذيب. تستوقف حالته الراهنة مصطلحات مثل 13 في المائة و 11 في المائة، ولا يدرك علاقة هذه النسب المئوية بالوطن. يرى بعين خياله فلسطين تمزق بسكين باردة.

يتعرف في المصحة على عفاف الفلسطينية التي تعالج من أزمة عصبية بعد اغتصابها على يد مسلحين إبان الحرب الأهلية اللبنانية حيث كانت تدرس في بيروت. يرتاح كل منهما للآخر. تيقن أن هذه الروح هي وردته الصفراء التي ظل يبحث عنها. تمنى أن يجمع لها كل لحظات السعادة والوجود المتكامل التي عرفها في حياته وأن ينثرها تحت قدميها قربانا وهدية خالصة، علها تداوي بعضا من التعاسة والشقاء الذي عاشته.

وتستحوذ على أفكار الألفي التصرفات والأفعال التي يتجلى فيها “الفعل” لا مجرد القول. يستعيد رسالة صديق له يعمل بالخليج. يقول صديقه: “في الليلة الماضية سهرت مع رجل فلسطيني استطاع أن يدخل إلى إسرائيل لمدة 48 ساعة. ذهب فورا إلى حيث يقع بيت عائلته المهدم، وأمسك بخرطوم ماء وأخذ يروي الأرض الخراب المحيطة بالبيت طيلة الساعات التي قضاها هناك، وعاد. لم يكن يرى أي حماقة في ما فعل، بل قال: إن هذا أحسن عمل قمت به في حياتي.” (ص 37)

وفي مقابل هذا يشعر الألفي بالغصة تجاه شقيق زوجته ” الذي يأكل كثيرا ويتكلم كثيرا، ونادرا ما يسمع. لحيم، كأن مشاعره اختنقت تحت لحم متراكم كثير. تفرغ بحماقة للامتلاك. محصن ضد الاختراق. عدله مصلحته. وساتره الإسلام. بمناسبة وبغير مناسبة يقول: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه. عقد صفقة رابحة مع الله، فاز فيها بالدنيا والآخرة. له كف غليظة يصفع بها أولاده على وجوههم، وإذا تحدث يصمت الجميع.” (ص 39)

تحفل “أيام وردية” بالمشاهد والإشارات والرموز الموحية: شجرة السنديان العتيقة عند مدخل المدينة التي يلجأ إليها الألفي هربا من واقعه، والمؤامرات الرامية التي تستهدف اجتثاثها. مشهد طلاق الألفي لزوجته، الطلاق المفروض الذي تمليه القوة والشراسة والخداع والاستغلال. “فجأة، هلَّ عليه القرد أبو صديري، يصبغ شعره بالأسود الفاحم ويدهنه “بالفازلين” الغالي الجديد. جاء عبد القادر محامي المنصورة الأشهر والأشرس. في صحبته زوجته “شادن” وأبله الحاجة زينب. دخلوا في طابور منتصر على عدو لم يرفع إصبعا للمقاومة. حصلوا على الطلاق، وكل ما أرادوه. لا أحد في البلد كلها يستطيع أن يقف أمام أبله الحاجة خاصة عندما يكون محاميها عبد القادر. (ص 77) وهناك أيضا المشهد المؤسف الذي تعرضت له عفاف مع صحفي سفيه على أحد المقاهي الثقافية في أول ليلة يسمح لها فيها بالخروج من المصحة بصحبة الألفي وهي تتماثل للشفاء. كانت قد طلبت أن تجلس إلى مجموعة من المثقفين والمستنيرين وأن تتحدث معهم. خدعها ذلك الصحفي بمظهره وسمعته. فوجئت به بعد وقت قليل من اللقاء يمد يده تحت المنضدة يتحسس جسدها دونما خجل. غادرت المكان بصورة مفاجئة. تندرت مع الألفي عن خسة ذلك الصحفي، قالت إن أسوأ بائعة هوى كانت تحتاج إلى شيء من التمهيد!!

“أيام وردية” هي شكل من أشكال رواية البطل المريض، التي يشكل فيها المرض أو الحالة المرضية نقطة تحول في مواجهة حالة من التمزق أو التفتت. وهي مرحلة يحاول فيها البطل المريض، خروجا من الشعور بالتفتت والانكسار، أن يكتشف من خلال أزمته الراهنة إمكانات خفية ينطوي عليها الماضي تكون قادرة على تغيير المستقبل. وفي حالة المرض يفقد الزمن خصائصه الخطية المستقيمة ويصبح عرضة للاختلالات الوقتية. لكن الديب استطاع أن يتجاوز ذلك وأن يقدم لنا سيرة متماسكة لمثقف عاجز أمام هول الأحداث.

ولذلك، فإن علاء الديب يعلن في “أيام وردية” عن موت المثقف ويسير به إلى موته المزري في آخر الرواية، وقد خسر نفسه وأسرته، ولم تزهر أو تثمر أفكاره عن القضية أو حتى عن العشق، سواء قديمه المتمثل في ما أشار إليه بالحرف “ف”، أو حاضره المأمول المتمثل في عفاف، النزيلة الفلسطينية.

وموت المثقف عند الديب ليس موتا نظريا كالموت الذي قال به مفكرون مثل رولان بارث أو بودريار، لكنه موت عملي وفعلي يقوم على واقع مرئي ومحسوس يتجلى فيه عجز المثقف في الموقف الراهن. (في التذييل الذي يورده المؤلف في آخر الرواية، والذي يلقي الضوء على تجربته في الكتابة عموما، يقول إنه في مرحلة ما من رحلته مع الكتابة تسرب إلى داخله يقين “بأننا نعمل لدى الحكومة، ولا داعي لادعاءات المثقفين وحرية الأفكار”.)

ورغم أن البطل نفسه يموت في النهاية، فهو يترك لنا بعض الآمال في “مفتاح” الفتى الفقير المتفتح دائب الأسئلة عن الواقع المتناقض. وهو الفتي الذي كلفه الألفي باسترجاع صندوقه وذكرياته من بيته القديم والاحتفاظ بها لدى الدكتور ظريف.

ومع أن الموضوع يحمل في طياته كل عوامل التفتت والتجزؤ، فقد قدم المؤلف عملا متسقا ومتصلا من بدايته إلى نهايته لا تفصل بين أجزائه حتى عناوين أو أرقام لفصول الرواية، فعبر في شكل روائي جديد عن أزمة مثقف استحوذت عليه أشباح النكبات والنكسات القومية والشخصية في ظل تغييرات سياسية واجتماعية وسلوكية قذفت به خارج تاريخه وزمنه الخاص فأفقدته عقله واتزانه ودفعت به إلى موته المحتوم.

——————————————————————————–

** أيام وردية، روايات الهلال، دار الهلال، القاهرة، يناير2002.