عتبات البهجة

‏"كأننا نعيش على إثم فظيع"، يقول الراوي لصديقه تعليقا على ما ذكره ‏الصديق من أن هناك الآن أناسا يحرصون بالفعل على حضور الجنازات والتعازي ‏للذين يعرفونهم والذين لا يعرفونهم. ويقول الراوي في مناسبة أخرى: "نحن نعيش ‏حاملين ذنبا عظيما". الراوي أرمل لم يستفق بعد من صدمة فراق زوجته. تحاصره ‏الوحدة وغياب البهجة إلا من صديق وحيد يرافقه كظله. تثقل كاهله ذكريات ‏أكثر من ستين عاما أمضى منها قرابة 30 عاما في مدينة القاهرة التي يشعر الآن بأنه ‏يتوه في شوارعها. "لم يبق من ذلك كله إلا بسمة زوجتي التي لا تزال تخايلني في ‏الفضاء… هذه البسمة التي تعيش معي، توقظ الحزن في نفسي، تشعل دموعي. غير ‏قادر أنا على الاقتناع بأن البسمة صارت بلا صاحب، صارت معلقة في الفراغ، ‏معلقة في العدم." وفي مقابل هذا الواقع الشخصي القاتم والحزين الذي يعيشه ‏الراوي، يحيط به واقع عام يضاعف من تلك القتامة وذلك الحزن. هذا الواقع ‏يتجسد في تفاعلات الراوي مع طائفة عريضة من أفراد المجتمع مما يدفع به إلى حالة ‏من الإحباط والثورة العارمة على هذا الواقع المتمثل في الفقر والتهميش والقمع ‏الذي تتعرض له الفئات الضعيفة في المجتمع. ‏

هذه هي بعض وقائع البهجة الضائعة أو المفتقدة في “عتبات البهجة” أحدث ‏أعمال الروائي ابراهيم عبد المجيد الصادرة مؤخرا عن دار الشروق بالقاهرة. لكن ‏الراوي “أحمد”، رغم سعيه الحثيث إلى ارتياد هذه العتبات، يساعده في ذلك صديقه ‏‏”حسن”، الذي أراد به المؤلف أن يكون شخصية ملازمة للبطل ومكملة له، لا ‏تتحقق له هذه البهجة، ويخلص في نهاية الرواية إلى استنتاج مؤداه أن “الوقوف على ‏عتبات البهجة دائما أفضل من البهجة نفسها. فالبهجة أمر سهل، لكن إذا طمعت ‏فيها قتلتك وأهلكتك.”‏

تبدأ الرواية في حديقة افتتحتها السيدة الأولى منذ عامين، لكن أحدا لا ‏يزورها. لماذا؟ هل لوجود سيارة شرطة مرابطة طوال الوقت بجوار الحديقة؟ هل لأن ‏بجوارها موقف سيارات أجرة يعج بالرائحين والغادين، أم لأن المناطق المتاخمة ‏للحديقة أصبحت مأوى لبعض المهمشين، كامرأة تصنع الشاي وتبيع المشروبات ‏للرواد المحتملين ولسائقي سيارات الأجرة، وبائعة حلوى يضطهدها أمناء الشرطة، ‏وتظل طيلة اليوم تدعي على أمين الشرطة الذي يريد أن ينام معها أو يقاسمها رزقها ‏حيث يستولي على الجنيهات الأربعة الوحيدة التي استرزقت بها طيلة اليوم (والنبي يا ‏ربنا تاخد أمين الشرطة اللي عايزني أنام معاه وتاخد ابن الحرام اللي ضربني كمان). ‏هذه البائعة نفسها تنفق على زوجها العاطل الذي يشبعها ضربا كل يوم ويستولي ‏على نقودها، وقد أصبحت تستمرئ هذا الضرب وهذا التعذيب الجسدي الذي ‏أصبح جزءا من حياتها، لدرجة أنه حينما حاول أحمد ذات يوم أن يحول بين زوجها ‏وبينها منعته من ذلك، مستسلمة لركلات زوجها المهينة.‏

يكتشف أحمد وصديقه هذه الحديقة القريبة من مسكنيهما، ويتعاهدان على ‏الالتقاء فيها من وقت لآخر، إزجاء لوقت الفراغ، ومحاولة للتريض المطلوب لأحمد ‏مريض القلب. علاوة على ذلك، أصبح المكان ساحة للتفاعل بين هاتين الشخصيتين ‏الرئيسيتين، وبين مجموعة أخرى من الشخصيات التي يبدو أن المؤلف قد اختارها ‏عن عمد لتكون شخصيات تمثيلية أراد أن يعبر بها عن واقع مجتمعي فاسد ومهترئ. ‏

ففي هذه الحديقة يلتقى القارئ بالعقيد عباس، الذي ينشد الخلوة على أحد ‏مقاعد الحديقة، تلاحقه لعنات الكثيرين من ضحاياه الذين أصبحوا تعبيرا عن ‏الصدام القائم مع السلطة. والواقع أن أحد العناصر الموضوعية الرئيسية في “عتبات ‏البهجة” هي إدانة الشرطة كجهاز قمعي، وهي ممثلة في الرواية في قسم الشرطة ‏الذي يعج دائما بالمترددين عليه، وممثلة أيضا في أفعال رجال الشرطة أنفسهم من ‏فرض سطوتهم على المواطنين الضعفاء من أمثال بائعة الشاي أو بائع الزهور الذي ‏يحمل في يده دائما مبلغا ماليا لتقديمه كرشوة كلما اقترب منه شخص ظنه، خطأ أو ‏صوابا، أحد رجال الشرطة الذين عكفوا على إزالة كشك وروده وسحقها أمام ‏قسم الشرطة. ‏

يدرك الراوي/البطل أن الشرطة هي رمز القمع وسر تعاسة الناس، ويحلم ‏بيوم يختفي فيه العسكر ممثلين في قسم الشرطة الذي يكون دائما مكانا مزدحما ‏بالناس، وحينما يكون الراوي مستغرقا في حلم من أحلام البهجة التي يهرب إليها ‏بين الفينة والفينة لفصل نفسه عن الواقع الملبد بالأحزان والإحباطات، يعمد إلى ‏تجاهل وجود قسم الشرطة، يقول: “حتى إذا وصلنا إلى قسم الشرطة لم نجده”. ‏الواقع أنه هناك، لكن الراوي يتجاهل وجوده عن عمد تشبثا بلحظة البهجة ‏والسعادة التي يرنو إليها. ‏

وبحثا عن البهجة المفقودة أو المفتقدة، يستغرق الراوي في اجترار ذكريات ‏الماضي: “أين ذهب هذا الزمن؟ إلى أي جب مسحور سقط؟ رأيت الاسكندرية ‏وهي تغلق ملاهيها واحدا وراء الآخر من أجل إقامة مقاه ومسارح أفراح تمنع فيها ‏كل أشكال المتعة، روحية ومادية، لم يبق للشباب في الاسكندرية إلا لعب الطاولة. ‏رأيت القاهرة وهم يزيلون مقاعدها على الكورنيش، وفي شارع الجبلاية، حتى لا ‏يجلس عليها المحبون. ورأيتها وقد عادت المقاعد إلى الكورنيش، لكن أيدي مجهولة ‏تخرج بالليل لتضع عليها الشحم والفضلات حتى لا يجلس عليها المحبون بالنهار.”‏

وفي مكان آخر: “فكرت في أحوالنا. وكيف تغير سلوك الناس فأصبح غير ‏متوقع. حركاتهم سريعة، ضجيجهم عال، تفشت الأنانية في الكثير منهم، اللامبالاة ‏وروح التدمير، مع حكومات لا تهتم أصلا بإصلاح الأحوال على الأرض وبين ‏الناس. لقد تعقدت المشكلة إذن وأصبح إصلاح هذه البلاد ضربا من المحال”.‏

في صلب “عتبات البهجة” علاقة ثلاثية ملتبسة بين الراوي الأرمل وصديقته ‏المتزوجة “دنيا” التي كانت بدورها على علاقة “مثلية” بصديقتها “فادية” التي تفشل ‏في إبعاد الراوي عن “دنيا”. وحينما تتمكن “دنيا” من إغواء الراوي بإقامة علاقة ‏معها، تصاب “دنيا” بحالة من الاكتئاب، وتقدم على الانتحار. وفي صوان العزاء، ‏يحضر الراوي وصديقه كغريبين، وتنتاب الراوي حالة من الهذيان: “خلاء وصحراء، ‏وامرأة عارية تجري نحوي على الرمال، والشمس خلفها تضيء جسدها وتشعل ‏النار في عيني، حتى إذا وصلت المرأة إلى حضني ذبت فيها وذابت فيَّ وصرنا شعاعا ‏راح يدور فوق الرمال بسرعة صانعا إعصارا صغيرا لكنه سريع، ابتعد كثيرا في ‏الصحراء ثم عبر المدن، ورأيت نوافذ البيوت والعمارات تطل منها نساء عاريات ‏وتصدح في الشوارع الموسيقى ويقف الرجال تحت البلكونات تلقي النساء إليهم ‏بالورود وهم يصرخون بقصائد الشعر، ثم ملأ الفضاء صوت موسيقى نحاسية في كل ‏مكان، وبدأ عرق يتفصد على عنقي من شدة الزحام والحر الخانق. وكان المقرئ قد ‏انتهى، فوقف حسن يشدني من ذراعي وأنا ذاهل عنه حتى صافحنا المستقبلين. لم ‏أنتبه إلى أن الذي شد على يدي بقوة هو زوج “دنيا” الباكي الحزين الذي بدا ممتنا ‏جدا لشخصين غريبين يعزيان في زوجته المنتحرة التي عزف الكثيرون عن التعزية ‏فيها.” … لقد ظهر لي أني كنت في حلم وانتهى، أو كنت أقف على محطة ولم ‏يتوقف عندها القطار، أو توقف وركبت إحدى عرباته فوجدتها خالية، كنت أشعر ‏بهواء يجري في رأسي. لقد مر عليَّ موكب غريب واختفى، فهل ستظل سيدة ‏الموكب تخايلني كثيرا؟”‏

هنا أيضا لا يفوت الراوي، وهو في ذروة أزمته وضياع بهجته مع حبيبته ‏‏”دنيا” أن يرد ضياع البهجة والشعر والموسيقى والورود إلى غلبة الموسيقى النحاسية ‏معيدا إلى الذاكرة كلمات أمل دنقل: “أصغي لبوق الجنود النحاسي/ يملأ حلقي ‏غبار النشيد الحماسي/ لكنني فجأة لا أرى”.‏

‏”البهجة” هي كلمة السر في النص. البهجة المفتقدة التي تظل دائما حلما ‏بعيدا، ويظل الأبطال على عتباتها دون الولوج إليها، ولذلك فإن هؤلاء الأبطال ‏يعيشون هذه اللحظات بخيالهم وليس في واقعهم. وتصبح البهجة مجرد ومضات ‏تبرق في فكر شخوص الرواية ومضا خاطفا سرعان ما ينطفئ.‏

وتظل البهجة بعيدة عن التحقق وبعيدة المنال، ويظل الأمر كله مجرد عتبات ‏قائمة في خيال الأبطال، واقع سحري متخيل لا سبيل إلى الوصول إليه، وعتبات لا ‏سبيل إلى اجتيازها في واقع خانق وبليد وملبد.‏

وتتحول “البهجة” إلى أمنيات وأحلام يقظة تعيشها شخوص الرواية، بما ‏ينعكس على لغة الرواية نفسها، التي تتحول من لغة السرد الواقعي إلى لغة “الواقعية ‏السحرية” التي أصبحت بمثابة الغواية الأثيرة التي تشد معظم الروائيين المحدثين. ‏والواقعية السحرية هي شكل من أشكال الواقعية الحديثة، يختلط فيها الخيال بالواقع ‏الروائي، وتستخدم عناصر (أو مؤثرات) خيالية لتحل محل (أو تعبر عن) الإمكانات ‏المجهولة التي يمكن أن تترتب على تجربة عادية يخوضها أشخاص يمرون بظروف ‏اجتماعية وسياسية قاسية. وبرع كتاب أمريكا اللاتينية في استخدام الواقعية ‏السحرية كشكل من أشكال النقد الاجتماعي. وقاموا بتضمين أعمالهم أحداثا قد ‏تبدو غامضة أو غير مفهومة في غضون أحداث سياسية أو اجتماعية لكي يقللوا من ‏الوقع الثقيل والمؤلم لما يعرضونه من واقع تصوره تلك الظروف السياسية ‏والاجتماعية. كما تحفل لغة “الواقعية السحرية” بالسخرية السياسية والتعليق على ‏الأحوال الاجتماعية. ‏

وفي كتابات الواقعية السحرية، لا تدرك الشخصيات بأن هناك أي شيء ‏غير طبيعي في تصرفاتها الخيالية. وهاهو حسن، صديق البطل، يصحو ذات يوم ‏ليجد أن جميع الساعات في منزله قد توقفت، وينقل هذا الإحساس إلى صديقه أحمد ‏وإلى سائق سيارة الأجرة التي يستقلانها: “صحوت من النوم فوجدت جميع ساعات ‏البيت متوقفة. أنت تعرف أني أضع ساعة حائط في كل غرفة. كلها رأيتها متوقفة، ‏وساعة يدي. وفي طريقي إلى العمل سألت أكثر من واحد عن الوقت، فوجدت ‏ساعته متوقفة، وجدت أيضا ساعة مكتبي متوقفة، وجميع ساعات الموظفين. ظللت ‏طول الليل أتصل بك لأسألك عن الساعة ولم ترد عليَّ. ولم تتحرك الساعات في ‏البيت عندي رغم أنني غيرت بطارياتها جميعا، ساعة يدي أيضا غيرت بطاريتها ‏الصغيرة، ولا تتحرك”.‏

غير أن “عتبات البهجة”، في نهاية المطاف لا تخلو من بهجة حقيقية هي “بهجة ‏النص” ذاته حيث يجد القارئ نفسه أمام نص صادق خال من أي ادعاءات أو ‏تهويمات، وهو نص كاشف بمصابيح قوية عن واقع اجتماعي فاسد يعرض له المؤلف ‏على لسان أبطاله المهمومين بهذا الواقع أو ضحاياه الفعليين. ‏

‏****‏

‏”مقتطف من “عتبات البهجة”‏

‏”في ندوة سياسية عن حقوق الإنسان، وقفت امرأة متوسطة العمر وصرخت في السياسي ‏المعارض الكبير الذي أقيمت الندوة من أجله وقالت: “لماذا تقيمون هذه الندوات الآن في ‏كل مكان، ولا يوجد في بلادنا أساسا إنسان حتى نبحث له عن حقوق! يا أستاذ يا محترم ‏أنا زوجي بيصبحني بعلقة ويمسيني بعلقة، وأنا دكتورة ولي وضعي في المجتمع، وأذهب إلى ‏المستشفى فأجد الموت أسرع إلى المرضى من العلاج، وبالليل تتحول المستشفى إلى ‏مسخرة، الأطباء ينامون، والممرضات والتومرجية، وأشياء أخرى فظيعة. وكل حين تجد ‏البوليس يرسل إلينا مريضا مقيدا بالحديد، مريضا في كلبش، شفت حضرتك مريضا في ‏كلبش إلا في بلادنا؟ وأختي المحامية تحكي لي أهوالا عما يحدث في المحاكم. تصور حضرتك ‏في طرقة كل محكمة تلاقي واحد واقف، حيوان ابن كلب، حيوان ابن جزمة – وصارت ‏تصرخ بقوة- يقف وفي يده سلسة حديد يضرب بها المتهمين الذين يسحبهم عسكري في ‏سلسلة ثانية من عربة الترحيلات التي تقف في الشارع حتى يدخل بهم قاعة المحكمة ‏ليضعهم كالحيوانات في القفص. في القفص فقط يفك الحديد عن أيديهم حتى يرى القاضي ‏أن كل شيء تمام. يا أستاذ “دي بلد وسخة”. وهنا بهتت القاعة كلها وخرجت السيدة ‏الطبيبة بسرعة، لكنها عند الباب، انفجرت في البكاء.” (الرواية، الصفحتان 46 و 47). ‏