محمد عبد السلام العمري في ”قصر الأفراح“: رواية محكمة وفتح جديد في أشكال السرد الروائي

منذ عدة أعوام، وتحديدا في 19 تموز/يوليه 1991، نشرت صحيفة الأهرام القاهرية قصة قصيرة بعنوان ”بعد صلاة الجمعة“ للقاص والروائي محمد عبد السلام العمري. وكان محط تركيز القصة على تنفيذ حكم الإعدام في إحدى الساحات المخصصة لهذا الغرض في عاصمة بلد إسلامي، ربما هو الوحيد الآن الذي يمارس تنفيذ هذا الحد عن طريق قطع الرقبة بحد السيف. وركزت القصة بتفصيل دقيق على وقائع الحادثة، وعلى وقعها وتأثيرها المريع على نفسية الراوي.

وكقصة قصيرة، أو كعمل فني يعكس رؤية المؤلف لما تنطوي عليه هذه الواقعة من دلالات وانعكاسات إنسانية على نفسية الراوي وعلى من حضروا وقائع هذا الإعدام العلني بحد السيف، كان العمل متقنا وفذا لا تشوبه شائبة. غير أن عوامل كثيرة أخرى أقامت الدنيا ولم تقعدها حول المؤلف بسبب نشر هذه القصة وما نسب إليه فيها من تجديف مزعوم. ومع أن مرجعيات دينية هامة هاجمت العمل والمؤلف، فقد تصدت أقلام بارزة لهذا الهجوم ودافعت عن حق المؤلف وحريته، وأشادت أيضا بتفرده في التعرض لقضايا من هذا القبيل. وقد أصدر المؤلف بعد خروجه من هذه الأزمة ملفا كاملا لوقائع هذه الزوبعة تضمن القصة مع كامل التعليقات التي أثارتها .

ومنذ نحو عامين، وتحديدا في تشرين الأول/أكتوبر 2002، نشر العمري روايته الضخمة (والتي اتسمت بطابع تجريبي وجريء في شكلها ومضمونها) وهي بعنوان ”الجميلات، رواية المعرفة“. وفي هذه الرواية، قام المؤلف بزيارة جديدة إلى البيئة التي صدرت عنها ”بعد صلاة الجمعة“ وصدرت عنها أيضا أولى وأهم رواياته ”اهبطوا مصر“، التي صورت الحياة في تلك البيئة على أروع ما يمكن تصويره أدبيا واجتماعيا وأنثروبولوجيا (سوف أتعرض بالتفصيل فيما بعد لما أقصده من هذا التصوير الأنثروبولوجي الذي تنفرد به هذه الرواية). ومرة أخرى فتحت هذه الرواية، وأعني بها ”الجميلات“، فتحت على المؤلف أبواب الجحيم، وجرى التحقيق معه على أعلى مستوى قضائي. وفي ظل نزاهة التحقيق القضائي، لم ير المحقق ما رأى فيه الطاعنون في هذا العمل أنه ”جنس فاضح“ أو ”فضيحة جنسية“، وعادت الرواية إلى أرفف المكتبات وأرصفة الشوارع في القاهرة، وأقيمت حولها الندوات في أكثر من محفل ثقافي، بعد أن صودرت شهورا عديدة.

وما بين أزمة ”بعد صلاة الجمعة“، وأزمة ”الجميلات“، لم يكلّ العمري عن الإنتاج البديع الذي ما فتئ يكشف فيه عملا بعد آخر عن قدرة واحتراف من حيث الصنعة الأدبية والالتزام القوي بقضايا الوطن والناس، على نحو ما ظهر ذلك بقوة في روايات ”اهبطوا مصر“، و ”النخيل الملكي“، و ”صمت الرمل“.

وفي فبراير الماضي، صدرت عن روايات الهلال القاهرية، رواية ”قصر الأفراح“ *، التي تعتبر فصلا جديدا في ما يمكن أن أطلق عليه متوالية ”براكين الصحراء“ أو ”مدن الرمل“، والتي تضم عملا آخر تحت الطبع بعنوان ”مأوى الروح“. وإذا كان لهذه المتوالية من مدلول أساسي فهو يتمثل في أن تلك البيئة الصحراوية التي تناولها المؤلف من مختلف أبعادها، تنطوي رغم ما تكشف عنه، ظاهرا، من ثبات وسكون على كل بذور التفجر البركاني السياسي والاجتماعي والإنساني.

قصر الأفراح، هو قصر الجميلة الذي قرر حاكم تلك المدينة الصحراوية، الشيخ سالم الحمد، أن يبنيه لابنته الوحيدة ”نجوى“ لكي يكون بيت عرسها وزفافها إلى ابن عمها الذي يدرس بالخارج وعلى وشك العودة إلى الوطن لتسلم عمله كأول وزير للثقافة في ذلك البلد. لكن نجوى تقع في حب ”على“، وهو شاب من خارج الأسرة الحاكمة، وإن كانت أسرته واسعة الثراء؛ وهو الوريث الوحيد لأبيه حسين الشريف صاحب الممتلكات الطائلة من أرض وعقارات ومشاريع وأساطيل نقل ومصانع لتجميع السيارات.

في موازاة قصة حب نجوى وعلىّ، يقع الشيخ سالم في حب ”ميار“ زميلة ابنته في الدراسة، ابنة عبد العزيز الراسي، العصامي الذي بدأ حياته راعيا لقطعان ماشية علية القوم، لكنه استطاع أن يكون ثروة هائلة وأن يناطح هؤلاء القوم ويتزوج رغما عنهم من ابنة عمه ”صالحة“ التي أنجبت له ”ميار“.

تبلغ قصتا الحب ذروتهما من التعقيد حينما تحمل كل من نجوى وميار، وتدخل كل منهما في سباق مع الزمن حتى لا ينكشف أمرها. وحينما يعلم الشيخ سالم، من زوجته، برغبة ابنته من الزواج من حبيبها ”علىّ“ يصاب بحالة من الصدمة والرغبة في الانتقام. ويتوافق ذلك مع وقت تضيق فيه ”ميار“ الخناق عليه لكي يعلن زواجه بها، فيقرر، من خلال خطة شيطانية، أن يتخلص من ميار وعليّ بضربة واحدة.

وعن طريق التنصت على اتصالات ابنته الهاتفية مع ”علىّ“ يعرف موعد لقائهما المقبل. (كانت لقاءاتهما، وأيضا لقاءات الشيخ مع ”ميار“ تتم في استراحة ملحقة بقصر الأفراح قبل أن يكتمل بناؤه). وفي الموعد المضروب، يتمكن، عن طريق زوجته، من منع ”نجوى“ من الذهاب إلى لقاء ”عليّ“ في الوقت الذي يرتب فيه لقاء قبل الموعد بقليل مع ”ميار“. وفي آخر لقاء جنسي بين الشيخ و ”ميار“ يباغتها بطعنة نافذة. وحينما يصل ”علىّ“ إلى المكان للقاء ”نجوى“ تكون الخطة قد أحكمت لضبطه متلبسا بقتل ”ميار“. ويساق إلى حتفه بحد السيف بعد أن يتعرض لتعذيب صوَّره المؤلف على نحو يفوق الحد، ورغم الشعور العام الذي ساد المدينة، وعبرت عنه منشورات سرية فوجئ بها الناس في الصباح مثبتة على زجاج السيارات وأعمدة الإضاءة، والتي تقول ببراءة ”عليّ“ وربما بضلوع الشيخ نفسه في هذه الجريمة، الأمر الذي كانت نجوى نفسها تعلمه علم اليقين، وكذلك أمها.

تسافر أسرة الشيخ إلى القاهرة حيث يتم إجهاض نجوى. ولدى عودة الأسرة يقيم الشيخ عرسا أسطوريا لابنته. لكن ”الشريف“، والد ”عليّ“ يكون قد أعد انتقامه الخاص والمذهل، فقد حاصر مكان الاحتفال بأسطول خزانات البنزين التي أفرغت محتوياتها حول المكان ثم أضرمت فيه النار فأحالته إلى جحيم لم ينج منه أحد.

وابتداء من مطلع الرواية: ”عندما بلغت الجميلة الخامسة عشرة من عمرها، أضفت فرحة العمر على العائلة، حان وقت زفافها الأسطوري لابن العم الذي سافر للدراسة، لم يبق على الانتهاء منها إلا عدة أشهر“ (الرواية، ص 1)، إلى سطورها الختامية حيث ”كانت الأجساد والملابس والمفروشات تغري النار فتزغرد، وتلتهم، وتتقدم، فيما كانت نجوى جالسة غير قادرة على الحركة، مستسلمة تماما لما يحدث أمامها “ (الرواية، ص 179)، فيما بين هاتين الواقعتين، استحوذ المؤلف على اهتمام القارئ وشغفه الشديد بمتابعة الأحداث المتتالية لهذه الدراما الاجتماعية وهي تتكشف حلقة بعد أخرى في تتابع سريع الإيقاع، خال من أي تفاصيل خارجة على النص، وفي تصوير محكم لوقائع هذه العلاقات الإنسانية المتشابكة في مجتمع هو بحكم طبيعته مجتمع مغلق على نحو يستعصي معه استقاء هذه التفاصيل الدقيقة والمحكمة. واستطاع المؤلف أن يسيطر على القارئ سيطرة كاملة عبر نص طوَّعه المؤلف لكي يسمو بالقارئ إلى ذرى الحب والعشق أحيانا، وينزل به إلى مهاوي الغل والانتقام والحقد الطبقي أحيانا أخرى. وكما ستعيد مشاهد الحب الجميلة بين عليّ ونجوى في ربوع الصحراء المحيطة بمدينتهما إلى ذهن القارئ قوة الحب الأسطوري بين قيس وليلى، ستظل تؤرقه مشاهد تعذيب ”علي“ في السجن قبل إعدامه الفظيع على جريمة لم يرتكبها، وبأس القوة من جانب الحاكم ضد المحكوم في ظل غياب سلطة عادلة.

غير أن ما يميز ”قصر الأفراح“ بوجه خاص ويجعلها بالفعل أهم أعمال العمري هو توظيفه البارع والمتقن لتقنية السرد الأنثروبولوجي التي تهتم بالدراسة الوصفية للثقافات الفردية وطريقة الحياة في مجتمع معين. ويأخذ هذا النهج في السرد بطابع كلي في تناول السياق الاجتماعي والثقافي، ويسعى إلى تفهم الجذور والأسس الاجتماعية للدوافع الإنسانية في مجتمع ما. ولذلك فقد غاص العمري في التاريخي الاجتماعي للأسر التي ينحدر منها أبطاله موضحا خلفياتها ودوافع تصرفاتها، وهي مهمة معقدة في مجتمع بدوي يضطرم بالتناقضات والعلل الاجتماعية الناجمة عن الصراع بين الماضي ومواكبة ركب التقدم في مطلع الألفية الثالثة. واعتبر الكثيرون من رواد النظرية الأنثروبولوجية أن هذا النشاط يمثل نشاطا ”سياسيا“ يستوجب الاحتفاء به لما ينطوي عليه من إمكانات نحو دراسة ”الآخر“ وكأداة قوية للتحليل الثقافي. وفي الوقت نفسه، فإن المواجهة مع ”الآخر“ تكثف من وعي الشخص بهويته الثقافية الخاصة، وتدفعه إلى المقارنة بين ما هو وطني وما هو أجنبي. وقد بدا هذا الاتجاه واضحا في أعمال العمري منذ روايته الرائعة الأولى ”اهبطوا مصر“، مرورا بـ ”صمت الرمل“ و ”الجميلات“، وبلغ ذروة إتقانه لهذا التوظيف المعرفي في ”قصر الأفراح“.

في ”قصر الأفراح“ تتكشف الصراعات القوية في مجتمع البداوة والثروة بين العناصر الإثنية لهذا المجتمع والعناصر الإثنية المغايرة التي تستخدم فقط كأدوات للإنتاج دونما أي اعتبار لدوافعها أو حقوقها الإنسانية، ويظل دائما سيف ”الترحيل“ مسلطا على رقاب هذه العناصر ”الدخيلة“، وإن كانت هي العناصر الفاعلة والمحركة لذلك المجتمع. بل إن الرواية تكشف عن الصراع والانفصام بين ذات العناصر الأصيلة في ذلك المجتمع. وهو صراع يقوم على المفاهيم الأنثروبولوجية الأساسية المتعلقة بالقوة والسلطة والحرية الذاتية. تدل على ذلك شخصية الحاكم الشيخ سالم الذي استباح لنفسه، بالخيانة والغش والخديعة، ما أنكره على ابنته وحبيبها، حتى وإن كان من خلال الحب الذي جمع بينهما. وهذا يعكس مقولة ميشيل فوكوه بأن الحرية الفردية ليست سوى ”منتج ثقافي“ يصدر عن الظروف الاجتماعية ويخضع لسيطرتها، وبالتالي، فلا يمكن القول بوجود ذات حقيقية تعمل بصورة مستقلة عن العالم الاجتماعي الذي يكتنفها. ومن هنا كانت محنة نجوى وعليّ اللذين حاولا أن يكسرا هذا ”التابو“ ويحققا حريتهما الذاتية.

هذه الظروف الاجتماعية هي التي خلقت ذلك السياف الذي أفرد له المؤلف دراسة سيكولوجية بارعة وقاطعة، ومرعبة أيضا. هذا السياف الذي ”أضحى جسده كإناء مليء بالدم“ وازداد مع الأيام عنفه ودمويته وشرهه، وانتهت به اضطراباته النفسية إلى مصحة عقلية. وهذه الظروف هي التي خلقت عند مشاهدي طقوس القتل نوعا من التلذذ بمشاهدتها والسعي وراءها من مدينة إلى أخرى.

إلى جانب هذه الشخصيات، هناك شخصية عمرو الشرنوبي، مهندس قصر الأفراح، وهي الشخصية الرئيسية في أعمال العمري والتي التقى بها القارئ في ”اهبطوا مصر“ وفي ”صمت الرمل“ وفي أعمال العمري الأخرى، ولو تحت اسم مختلف، مثل إسماعيل الأنصاري في ”النخيل الملكي“. وفي ”قصر الأفراح“ (الرواية) اقتصر دور عمرو الشرنوبي على المراقبة والرصد والسرد، ولو من خلال ضمير الغائب، أي أنه لم يكن شخصية فاعلة في أحداث الرواية، لكنه في النهاية كان مهندسها الحقيقي فخرج بها تحفة روائية تضاهي قصر الجميلة كتحفة معمارية ليس لها مثيل.

مقتطف من ”قصر الأفراح“

طقوس القتل

”هكذا بدا حينما ظهر يوم قتله، منساقا وخدرا، صامتا ومتوولا. تفاقم الخوف في قلوب الناس إثر مشاهدته، وأخذوا يتهامسون. وعند جلوسه، انحنى العمود الفقري وتقوس، وتحت وخذة سيف جانبية أشد حساسية ارتفع الرأس، رأوا الجسد يرتعش تحت الطعنة السريعة القصيرة، ارتفع بعض الارتفاع كأنه يريد الوثوب أو القفز، ثم سقط فجأة كأنما بترت ساقاه فاختنق بالهواء و شحب لون وجهه وزاغت نظراته. بدا الجسد يتشنج تشنجا غريزيا، فيما كان فمه ينقبض، واحتقنت شرايينه، وأخذت عضلاته تتقوص، سمعوه يسأل عن جسده، ويقول بصوت جريء وعلى وتيرة واحدة: لقد قلت لكم إني مريض. يخرج من الصمت المتمدد صوت ليس بالأنين أو النحيب أو الحشرجة، صوت هصير كأنه آلة دك بدائية تفرم زجاجات قديمة بكميات كبيرة. كانت العينان جاحظتين، تستديران ببطء لكنهما لا تثبتان، قلقتين، والحاجبان لا يزالان ساكنين، وكان الفم فاغر والشفتان متصلبتين منقبضتين، تطلق العضلات أنينا حزينا متكسرا.

”وقد كان لا يزال يخفق وروحه تصدر ضوضاء. يرى المشاهدون دقاته تعلو وتهبط أعلى جلبابه، وأنفاسه القصيرة متسارعة، شرايينه تخفق وترتعش وتنتفض على رقبته. وكانت الوجوه شاحبة، والسيقان ترتعد، والأيادي متجمدة. وبعد أن هدأ الجسد واستكان أخذ المشاهدون يفكرون في السفر إلى إحدى المدن الأخرى، حيث أن مدينتهم لن تقام فيها طقوس القتل في الأسبوع القادم.“ (الرواية، ص 143).

* قصر الأفراح، روايات الهلال، دار الهلال، القاهرة، شباط/فبراير 2004.